الأربعاء 2018/12/12 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
الاستبداد الديمقراطي نوع جديد من الاستبداد أشد مكرا
الاستبداد الديمقراطي نوع جديد من الاستبداد أشد مكرا
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

*د.عبد الحسين شعبان

ذكّرتني الأزمة العراقية ما بعد الانتخابات والطعون والاتهامات التي صاحبتها، بما سبق وراج في الفكر السياسي والقانوني، «مصطلح النهايات» الذي أخذ يتردّد خلال العقود الثلاثة الماضية «نهاية التاريخ» و«نهاية الفلسفة» و«نهاية الأيديولوجيا»، وأعقبها مباشرة دعوات لمصطلح «الما بعديّات»: «ما بعد التاريخ» و«ما بعد الماركسية» و«ما بعد العلمانية» و«ما بعد الحداثة» وأخيراً «ما بعد الديمقراطية».واستعدتُ تحذيرات المفكر الفرنسي ألكسيس دوتوكفيل قبل نحو قرن وثلاثة أرباع القرن عن بعض مساوئ الديمقراطية، والخشية على الديمقراطية من الديمقراطية نفسها، وكلّ تلك الانتقادات الحصيفة التي تعتبر «الديمقراطية أحسن نظام حكم سيّئ»، خصوصاً حين يتحوّل «حكم الأغلبية» إلى نوع من الاستبداد أو الدكتاتورية.

   والسؤال لا يتعلّق بالعراق أو ببعض البلدان التي انتقلت من أنظمة الاستبداد التقليدية إلى أنظمة انتقالية لم تتوضّح معالمها بعد، حتى وإن زعمت أنها على طريق الديمقراطية، وإنما يشمل الغرب ذاته معقل الديمقراطية، بما فيه الولايات المتحدة التي حاول دوتوكفيل دراسة تجربتها على نحو عميق، فوضع كتابين كبيرين بعنوان «الديمقراطية في أمريكا».فالديمقراطية لا تتحقق إلّا عبر منظومة متفاعلة من القوانين والأنظمة والمؤسسات الدستورية والقضائية والممارسة والشفافية والتربية، وذلك في فضاء من الحرية والمساواة والمشاركة واعتراف بالتنوّع والتعددّية، فأين نحن من كل ذلك حين يتم اختزال «الديمقراطية» بصندوق اقتراع؟ وهذا الأخير يتم الالتفاف عليه وتجري محاولات مستميتة لتغيير نتائجه والتلاعب به بوسائل تبدأ من التضليل والوعود وتمرّ بالتحريم والتأثيم باسم الدين أو بغيره ولا تنتهي بالتزوير، حيث تعقد الصفقات بوسائل ناعمة أو خشنة، بما فيها التأثير في المؤسسات المسؤولة التي يفترض أن تكون هي الحامية والمحايدة، لا مشاركة ومتواطئة.وكان صعود قوى شعبوية يمينية متطرّفة إلى قمة السلطة في الغرب بفعل «الديمقراطية» قد نبّه إلى مخاطر جديدة وكان المثال الأشد تأثيراً هو دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة، الذي دشّن عهده بطائفة من القضايا الّلاديمقراطية والمعادية لحقوق الإنسان بدءاً من موقفه من اللاجئين، ووصولاً إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وما بينهما قضايا تخص حياة الناس من الصحة إلى التعليم، فهل انتهت «الديمقراطية التمثيلية؟.وإذا كان انهيار جدار برلين في العام 1989 قد دفع مفكراً مثل فرانسيس فوكوياما لينظّر عن «نهاية التاريخ» ويبّشر «بظفر الليبرالية»، فماذا سيقول بعد ثلاثة عقود من الزمان، حيث تبيّن التجربة أن الديمقراطية واجهت وتواجه مأزقاً كبيراً في موطنها، الأمر الذي فجّر الكثير من التناقضات، على الصعيد الداخلي في العديد من البلدان الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً بعد انسحاب بريطانيا منه.ولم تستطع الديمقراطية كبح جماح الإرهاب الذي تفشّى في جميع بلدان العالم وأحياناً قادت إلى خيارات سيئة وسلبية جداً، ولعلّ ذلك إحدى المفارقات التي سبق ل ألكسيس دو توكفيل أن طرحها منذ أواسط القرن التاسع عشر.وإذا كان مثل هذا التحذير قد ورد على لسان «أبو الديمقراطية» أو حامل صليبها، كما يسمّى، وكانت حينها نظاماً واعداً، فماذا سنقول نحن إزاء تجربة ولدت عليلة منذ البداية وزادت اعتلالاً خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، في ظل استشراء الطائفية والإثنية كنظام للمحاصصة يقوم على الزبائنية، واستفحال الإرهاب والعنف وتفشّي الفساد المالي والإداري واستمرار ضعف الدولة ووجود مرجعيات تحاول تجاوزها؟.لقد تنبأ دوتوكفيل منذ وقت مبكر بخطر الديمقراطية نفسها على نفسها، محذّراً من «الاستبداد الديمقراطي» الذي هو نوع جديد من الاستبداد «أشدّ مكراً» أحياناً من الاستبداد التقليدي، لدرجة أنه يبدو «جذّاباً» لكنه «أكثر فتكاً» من الأول، وهو استبداد «خفي» أحياناً مقابل «الاستبداد المعلن»، وهو استبداد يحطّم قيم الناس، خصوصاً حين تشرعنه السلطات وتعطيه توصيفاً قانونياً «دستور»أو «قانون انتخابات» أو «برلمان»، وكل هذه توظّف لتكريس الامتيازات، ناهيك عن إسهامها في التدليس وسوء الأخلاق، ويتم التبرير أحياناً باسم «حكم الأغلبية» و«إرادة الشعب» وبمعزل عن قيم الديمقراطية نفسها وبلا ضوابط كافية تمنع الارتداد والتراجع عن جوهر الديمقراطية وفلسفتها في الغاية والوسيلة. ويزداد الجدل ويتعاظم أكثر من أي وقت مضى حول جوهر الديمقراطية ومحتواها، وخصوصاً في التجارب الناشئة وفي المجتمعات الانتقالية، فهل «رأي الأغلبية» وحده هو الفيصل في الحكم على الديمقراطية؟ أم ثمة معايير أخرى، تتعلق بالمضمون وليس بالشكل؟ دون إهمال الآليات والوسائل التي هي الأخرى ينبغي أن تكون ديمقراطية، فلا غاية عادلة دون وسيلة عادلة، ولا وسيلة ظالمة توصلك إلى هدف نبيل.إذا كانت «الديمقراطية» قد سودت فيها صفحات كثيرة بحثت جذورها وبذورها وشروط قيامها، فإن نقيضها «الاستبداد» لم يلق العناية نفسها، ولا البحث الذي يستحقه. فقد ظل الفكر العربي، عندما عاد إلى الاهتمام بالديمقراطية، يبحث في/عن الغائب! وأهمل الحاضر الجاثم فوق الصدور!، «ومع أن (الخلافة الراشدة) –التي لم تدم إلا نحوا من ثلاثين سنة– قد بقيت تتحدد في ضمير المسلمين، على مر العصور، بكونها (الحكم المبني على الشورى)، فإن (الملك العضوض) –الذي بلغ من العمر الآن 1380 سنة– لم يسبق أن عرف التعريف الذي يعطيه مضمونا يبقى حيا في ضمير الأجيال المتعاقبة».الاستبداد ظاهرة نشأت وتراكمت في تاريخنا الممتد قروناً عديدة، ورغم المحاولات التي جرت هنا وهناك تحاول إصلاح نظام الحكم في بعض الأحيان، وتزيينه في معظم الأحيان؛ إلا أن الاستفراد بالحكم والسيطرة عليه وتوظيفه لخدمة مصالح فردية، مازال جاثما وظاهرا للعيان لا تخطئُه العين المجردة.ظاهرة لا ينفع معها القول «إن الاستبداد لم يكن حكرا على تاريخ المسلمين»، أو «إن تاريخ الإسلام لم يكن سلسلة متوالية من أنظمة الجور»، أو القول «إن أبشع الاستبداد في تاريخنا إنما هو في هذه العصور التي غدت شرعية الحكم في العالم الإسلامي لا تستمد من الإسلام وأمته، بل من الولاء والتبعية للغرب.والاستبداد باعتباره من ظواهر الاجتماع السياسي لا يولد اعتباطا ولا يتراكم جزافا، وإنما تحكمه مجموعة معقدة ومتشابكة من الأسباب والشروط والظروف، يتداخل فيه الذاتي والموضوعي، والداخلي والخارجي، والاقتصادي والثقافي. فهو ثمرة مجموعة مركبة من القوى والبواعث المختلفة في طبيعتها، المتفاوتة في درجة تأثيرها، المتشكلة بظروف المكان والزمان.والنظر في الاستبداد وبديله «الديمقراطية» في وطننا العربي، لا بد أن يتجاوز التقولب وفق نموذج مطلق، وأن ينظر إليه على أساس النسبية التاريخية؛ فعلى الرغم من الاتجاه العام الناظم لحركته عبر التاريخ، فإن تجلياته التفصيلية المتنوعة مكانا وزمانا في حاجة إلى بحث عميق يحيط بها، ويسبر غورها. ونفس الشيء يقال عن بديله.إن النموذج الوحيد لم يوجد ولن يوجد، لأن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية تختلف من مكان إلى آخر، وتتبدل من زمان إلى آخر. والمثال والنموذج الإنساني هو دائما أمام الإنسان يتجه صوبه ولا يصل إليه. ونحن إذ نستبعد النموذج المطلق فإننا لا نرفض التجربة الإنسانية المتعددة مكاناً والمتنوعة زماناً، أيا كان مصدرها، فالحكمة ضالة المؤمن، نقتدي بها، ونقتبس منها، ونبدل ونوائم ونعدل، ونضيف إليها.ومحاولتنا هذه التي تأتي تمهيداً وتشكل مدخلاً وخلفية لموضوع اللقاء السنوي الرابع عشر لمشروع دراسات ديمقراطية في البلدان العربية «الاستبداد والتغلب في نظم الحكم المعاصرة للدول العربية»، تكون قد أدت غرضها لو تمكنت من التنبيه إلى بعض الإجابة عن السؤال الكبير: ما العوامل التي ساعدت ومكنت الاستبداد من أن يكون هو النظام السائد لإدارة العلاقة بين الحكام والمحكومين في تاريخنا العربي الممتد إلى الآن؟ وذلك من أجل تنمية فهم مشترك أفضل يساعد العرب والمسلمين على تفكيك الاستبداد وإزالته.ونحن في سعينا هذا سوف نقوم في هذه الورقة التمهيدية بعرض مختصر لأهم المفاهيم التي ارتبطت بالاستبداد وصولاً إلى تحديد مفهوم له كما استخدمناه في هذه الورقة، ثم بيان أهم أشكال ترويجه وتسويغه، ونختم الورقة بعرض مختصر لبعض محاولات تفسيره، وأهم وسائل تكريسه، قاصدين بذلك ضرب المثال وليس الإحاطة، فهذه تتجاوز حدود الورقة، منبهين من خلال هذا العرض إلى تعقد ظاهرة الاستبداد وتاريخيتها.الديمقراطية الحقة لا تحمي المجتمعات من الدكتاتورية الفردية أو «الأقلويّة»، بل ينبغي أن تحميها من «دكتاتورية الأغلبية»، سواء كانت هذه الدكتاتورية سياسية أو مجتمعية باسم العادات والتقاليد طبقاً لاعتبارات دينية أو طائفية أو إثنية بزعم «الأغلبية»، ولا تتحقق الديمقراطية إلّا باحترام رأي «الأقلية»، وإلّا سيكون للديمقراطية الناعمة أسنان حادة وربّما قاطعة.

* كاتب ومفكر عراقي

المشـاهدات 220   تاريخ الإضافـة 02/12/2018   رقم المحتوى 10349
أضف تقييـم