الأربعاء 2018/12/12 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
هل بات العراق عصيا على الديمقراطية
هل بات العراق عصيا على الديمقراطية
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

تستند الديمقراطية على عدة مبادئ ومفاهيم اهمها التداول السلمي للسلطة بمشاركة جميع السكان لإختيار ممثليهم

* ا.د. داخل حسن جريو 

الديمقراطية هي نظام حكم يشارك فيه الشعب بإدارة حكومته, في مختلف شؤونه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وممارسته الحرة لتقرير مصير بلاده السياسي, من خلال ممثلين منتخبين عنه, إذ لا فرق هنا بين أمير وغفير أو بين غني وفقير أو بين عالم وجاهل , الكل سواسية فيما يتعلق بتسيير دفة حكم بلادهم. ولا يقتصر وصف الديمقراطية على نظام الحكم فحسب، بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره,مما يتطلب ثقافةٍ سياسيّة وأخلاقية مجتمعية تحترم فيها جميع الأراء والأفكار والمعتقدات.

والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الأنتخابات التي تجري بصورة دورية منتظمة , وفي أجواء آمنة ومستقرة يدلي الناس فيها بأصواتهم دون إكراه.يعود منشأ الديمقراطية إلى اليونان القديم حيث كانت الديمقراطية الأثينية أول ديمقراطية نشأت في التاريخ البشري. تستند الديمقراطية على عدة مبادئ ومفاهيم اهمها : التداول السلمي للسلطة بمشاركة جميع السكان لإختيار ممثليهم بمجلس النواب ومجالس الحكومات المحلية على وفق قوانين إنتخابية واضحة ومحددة, وحكم الغالبية السياسية مع إحترام الأقلية السياسية, وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية , وسيادة القانون وضمان حرية الرأي والعدل والمساواة, والنزاهة والشفافية بإتخاذ القرارات , وحرية العمل النقابي والمهني والصحفي, والحفاظ على أمن الفرد والمجتمع والأموال الخاصة والعامة , وبذلك تستمد الحكومة شرعيتها السياسية من الشعب كونه مصدر السلطات. ويتوهم كثيرا من يعتقد إن الانتخابات بحد ذاتها تعني الديمقراطية , ما لم يصاحب ذلك قدر معقول من الثقافة المجتمعية الديمقراطية في جميع مفاصل الحياة ,وهذه مسألة ليست يسيرة في الدول ذات الأرث الإستبدادي التي إعتادت أن يكون إنتقال السلطة فيها عبر العنف أو الإنقلابات العسكرية. يلاحظ المتتبع للنظم الديمقراطية في العالم , أنها نظم رأسمالية يهيمن فيها القطاع الإقتصادي الخاص على معظم أنشطة الحياة,مع الأخذ بنظر الإعتبار مصالح الفئات الفقيرة بصورة أو بأخرى من خلال نظم الرعاية الإجتماعية التي تضمن الحد الأدنى للمعيشة دون حد مستوى الفقر, بهدف ضمان السلم الإجتماعي بين فئات المجتمع المختلفة وديمومة النظام الرأسمالي ومنعه من الإنهيار. بينما فشلت الدول الشيوعية والدول ذات النهج الإشتراكي والدول ذات النظم الشمولية , بتحقيق أي قدر معقول من الحرية والديمقراطية لشعوبها, إذ إنها إكتفت بتسمية دولها «بالديمقراطية الشعبية» وهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية والشعبية كما هو الحال في جمهورية كوريا الشمالية, وأخرى إخترعت مصطلح «الديمقراطية الموجهة» بهدف حجب الحرية عن خصومها من منطلق أن لا حرية لأعداء الشعب كما كان عليه الحال في أندونيسيا سوكارنو , وأخرى إخترعت مصطلح « الديمقراطية المركزية « بهدف تكريس سلطة الحاكم الفرد. وقد عصفت رياح التغيير التي شهدها العالم في اواخر عقد الثمانينات من القرن المنصرم بمعظم هذه الدول, في إطار ما عرف بالنظام الدولي الجديد والذي نجم عنه إنهيار جدار برلين ,وتوحيد الألمانيتين وإنهيار منظومة دول حلف وارشو وتفكك دول الإتحاد السوفيتي, وبروز الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأعظم في العالم التي باتت تتحكم بمسيرة أحداث العالم والتدخل بشؤون الدول على وفق مصالحها . ومن هنا يمكن فهم غزو العراق وإحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003 وقيامها بتدمير كل مقومات حياته ومعالمه الحضارية بل ومحاولة محو ذاكرته التاريخية بدعاوى باطلة شتى , تارة بدعاوى أسلحة الدمار الشامل ,وتارة بدعاوى محاربة الإرهاب , وأخرى بدعاوى تحرير شعبه من براثن الإستبداد ونشر الديمقراطية وتحقيق أمن ورفاهية شعبه الذي ما زال يعاني الأمرين حتى يومنا هذا . ولكي يعتمد بلدا ما الديمقراطية لابد من تحقيق عدة شروط أبرزها :
1. تحلي غالبية الشعب بالثقافة الديمقراطية ورغبته بنظام الحكم الديمقراطي والإحتكام لصناديق الإنتخابات وقبول نتائجها. 
2. أن يكون البلد حرا وآمنا ومستقرا وخاليا من الفتن والصراعات الداخلية, ويمتلك إرادته السياسية.
3. أن يسود القانون في جميع مفاصل الحياة.
4. أن تكون غالبية الشعب متعلمة بدرجة معقولة.
5. أن لا تكون غالبية الشعب تعاني من الفقر والجوع والحرمان.
أولت حكومات بعض البلدان النامية وبخاصة البلدان ذات الإقتصادات الضعيفة وحتى الإقتصادات المتوسطة , التنمية الإقتصادية الأهمية القصوى في مرحلة تخلصها من حقبة التسلط الإستعماري في عقد الخمسينات والستينات من القرن المنصرم, دون الإكتراث بموضوع الديمقراطية كثيرا, ربما لتخوفها من مداخلات مخابرات الدول الإستعمارية وعبثها بشؤونها الداخلية , أو لإعتقادها بعدم أهلية شعوبها لممارسة الديمقراطية . وبذلك تحولت هذه الدول تدريجيا إلى دول مستبدة ينخر نظمها الفساد ولم تتمكن من تحقيق التنمية الإقتصادية المنشودة, ولعل الهند وسنغافورة وماليزيا تمثل حالات إستثنائية حيث تمكنت هذه الدول من تحقيق قدرا مقبولا من الديمقراطية وتنمية إقتصادية جيدة. وثمة مسألة أخرى جديرة بالملاحظة , هي أنه يصعب على الدول الضعيفة والفقيرة وبخاصة الدول التي تمزقها الحروب والفتن والصراعات , إعتماد النظام الديمقراطي لكونها مخترقة من قبل مخابرات الدول الأجنبية التي تتلاعب بكتلها السياسية ومجاميعها العرقية والدينية والطائفية بحيث تصبح حكوماتها عبارة عن دمى تحركها الأصابع الأجنبية على وفق أهوائها ومصالحها. حاولت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ نشأة دولة العراق الحديث عام 1921 وحتى يومنا هذا, تطبيق بعض أشكال نظم الحكم الديمقراطية تحت ضغط سلطات الإحتلال تارة وتحت ضغط المد الشعبي أحيانا , إذ طالبت سلطة الإحتلال البريطاني بموجب معاهدة الإنتداب المبرمة بينها وبين الحكومة العراقية عام 1922 , بسن دستور مدني حديث يساير دساتير ذلك العصر كما نصت على ذلك المادة الثالثة من المعاهدة : « يوافق جلالة ملك العراق على صياغة مشروع قانون أساسي يعرض على المجلس التأسيسي العراقي ,ويكفل تنفيذ هذا القانون الذي لا يحتوي على ما يخالف نصوص هذه المعاهدة المذكورة , وأن يؤخذ بنظر الاعتبار حقوق ورغبات ومصالح جميع سكان العراق, وسوف يضمَّن القانون الأساسي للجميع حرية الرأي وحرية القيام بمختلف شعائر العقائد على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب, وينص على عدم التفريق بين سكان العراق بسبب قومية أو دين أو لغة ، ويؤمّن لجميع الطوائف الاحتفاظ بمدارسها لتعليم أفرادها بلغتها الخاصة بما يتفق مع حاجات التعليم العامة التي قد تتطلبها حكومة العراق ، ويجب ان يعيّن هذا القانون الأصول الدستورية التشريعية والتنفيذية التي بمقتضاها تتخذ القرارات في جميع المسائل المهمة بما في ذلك الشؤون المرتبطة بالمسائل المالية والاقتصادية والعسكرية «. وقد أنجز المجلس التأسيسي القانون الأساس بتاريخ 10 تموز سنة 1924م ، وتمت المصادقة عليه في 21 آذار سنة 1925م.وبعد سقوط النظام الملكي في تموز سنة 1958 وما تلاه من أنقلابات عسكرية , صدرت عدة دساتير وصفت جميعها بالمؤقتة , كان أولها دستور العراق المؤقت لسنة 1958 , وبعده دستور العراق المؤقت لسنة 1963 , ودستور العراق المؤقت لسنة 1964, ودستور العراق المؤقت لسنة 1968, ودستور العراق المؤقت لسنة 1970. وبعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 , قامت سلطة الإحتلال بسن قانون إدارة الدولة العراقية لسنة 2004 , لتستبدله فيما بعد بدستور العراق الدائم الذي تمت الموافقة عليه في إستفتاء في تشرين الأول سنة 2005 بنسبة (78% ) من إجمالي سكان العراق , ودخل حيز التنفيذ سنة 2006. ويعد هذا الدستور أول وثيقة قانونية تقرها جمعية تأسيسية منتخبة وإستفتاء وطني. يلاحظ صدور سبعة دساتير منذ تشكيل أول حكومة عراقية ,خمسة منها مؤقتة , وجميعها تتحدث عن الديمقراطية وحرية الرأي والمعتقد , ولكن لم يشهد العراق قدرا معقولا من الديمقراطية حتى يومنا هذا ,عدا حالات نادرة جدا في العهد الملكي حيث سمح بإجازة الأحزاب السياسية عام 1946 وممارسة الصحف العراقية حرية النشر دون رقيب, ومشاركة بعض أحزاب المعارضة بإنتخابات مجلس النواب عام 1954 وفوز بعض قادتها بعضوية المجلس, الأمر الذي دعى الحكومة حل المجلس بعد تشكيله بمدة قصيرة. يمكن أن نعزي عزوف النظم السياسية في العراق عن الديمقراطية لأسباب شتى , أبرزها :
1.عدم إيمان بعض النخب السياسية أساسا بالديمقراطية إذ أنها لا ترى فيها سوى أنها وسيلة للوصول إلى سدة الحكم وإحتكاره لصالحها فيما بعد.
2.عدم إيمان بعض الأحزاب السياسية بالديمقراطية في بنيتها التكونية القائمة على الولاء والطاعة المطلقة لقادتها.

*كاتب عراقي مغترب

المشـاهدات 174   تاريخ الإضافـة 06/12/2018   رقم المحتوى 10620
أضف تقييـم