السبت 2018/11/17 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
ثنائية الحب والحرب في (بريد العائلة) للشاعر فراس طه الصكر
ثنائية الحب والحرب في (بريد العائلة) للشاعر فراس طه الصكر
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / حيدر الحجاج
 

قديماً كان الشعر هو السائد لما يمتلكه من بلاغيات جمالية تصف احوال العرب في مجالسهم ومعاركهم وافراحهم واتراحهم، وها نحن اليوم نشهد تراجعا واضحا لمنصات الشعر اذ تقدمت اجناس ادبية اخرى بسبب ما تمتلكه من سوق رائجة في مناخ المكتبات العربية والعالمية وفقا لما يصدر من مطبوعات كرست لها الميديا والتقانات الحديثة للظهور..

 كما ان عزوف النقاد عن تناول اصدارات شعرية مهمة دونت فضاء المشهد الشعري العراقي كان له الاثر البالغ في اقصاء واهمال العديد من تلك الاصدارات والتي تعد مصدرا مهما وغنيا للدراسات العليا كونها الجنس الادبي الاول الذي يغني الادبيات الأخرى. انه مفترق طرق أعاد بوصلته الينا الشاعر فراس طه الصكر في مجموعته (بريد العائلة) الصادرة عن دار نينوى وهو يتناول ثنائية الحب والحرب في هذه المجموعة التي اعادت للشعرية العراقية جزءاً كبيراً من هيبتها التي افتقدتها في ظل تراكم كم هائل من الاصوات النشاز التي غيرت مجرى النقد وسوق المكتبات عن جادة الشعر. 
دون شك انه الشعر بجمالياته وبلاغياته واقتصاده وتكثيفه ومجازاته التي تتصاعد في فضاء الشعر، انه الوثيقة التي دونت ثنائية الحب والحرب، انه تقانة الحرف الذي غاب طويلا عن معطيات ومعنى القصيدة وبالأخص قصيدة النثر العراقية وهذا ما سوف يلمسه القارئ عند تتبع الاشارات والايحاءات التي تتصاعد في بريد العائلة. اذ يدون الشاعر الصكر في ظل معطيات الراهن اليومي وتشعبات الحياة المقفرة بافرازاتها المتوالية طرديا في نسق الحروب في وطن اثخنته ثروته المباحة للغير والمبددة على ابواب السلاطين والابواق التي تنعق مع كل ناعق ليحمل بذلك على اكتافه محنة الذات والوطن والحرب وتصادمه المستمر مع العالم كونه العراب الذي يشي بالمسكوت عنه مستنفراً بذلك أدواته المعرفية ومخياله الشعري في بث روح مغايرة تحسب لصالح قصيدة النثر العراقية.
في بريد العائلة يخاطب الشاعر هرم العائلة الأب ذلك القديس الاول في عتبات حياته المفعمة بفقدان المساءات الغامضة والمرايا الخادعة : 
 (بعيداً عن الأسى
وبكلِّ هذهِ الجهات
سأروي عنكَ ،
عن مساءٍ غامضِ أضعناهُ معاً ..
عن المرايا الخادعة ،
سنواتِكَ يا أبي ،
سأمحو كلَّ أيامِها
سوى سنةٍ واحدةٍ ) ...... ص9
دون شك هو يقصد تلك السنة التي اثقلت جعبته بذلك الصراخ الذي اقتطع منه الهرم الاعلى لتكون الغيمة البعيدة هي الملاذ الذي يستظل به الشاعر من حياة آسنة بمرارة ما تبقى من المرايا الخائنة التي يراها الصكر بعد رحيل الهرم الاعلى واستفاقته على بريد مثقل محمل بكثير من الوصايا للعائلة لحفظ الالم المتراكم الذي فتح بدوره بريداً هائلا من الاستنطاق لغيبيات قصيدة النثر وحيثياتها المهولة بتراكيب مائزة في الوصف والتضاد ، كما ان ثيمة الغياب بوصفه حبا والحرب التي استند اليها فراس طه الصكر في اخراج تلك الغصة التي نمت في محتوى خارطته الشعرية مؤكدا على توثيق مدوناته بأسلوب يتنامى في خط تصاعدي لقصيدة النثر وتحولاتها وانفعالاتها عبر واقع تسوده بسالة الهزيمة وفداحة الجرح حسبما يشير الشاعر وهو يستدرك ذلك الواقع : 
(مؤخراً ،
أعرضتِ الينابيعُ عن فكرةِ الصمود ،
إذْ أنَّ من الحماقةِ أَنْ تُقنعَ النهرَ بالجريان
بينما تخفي عن المياهِ خرائطَ الوصول) ....... ص 17
وهنا يحاكي الشاعر تلك الينابيع بلغة التضاد ؛ الحياة التي لفها حصار الحروب وهي تنال من ذلك النهر الذي يعد مصدرا حيويا لمرجعياته وادواته التي يغازل بها حياة ارتهنت بمن يخفي تلك الشارات والأوسمة في سنوات القحط بعد ان يغط الجميع في متناول الكارثة . ان سمة الحرب وهي تلف الحياة بأوزارها الثقال بدت كشاخص مهيمن يحمله الشاعر كقنبلة موقوتة بين انامله الندية بخسارات تكاد تكون الفضاء الذي نستدل به على مرايانا الموغلة بالفقدان وتواريخ شاسعة بالاسى وحده ، ذلك الاسى الذي نما بين اصابعه وهي تحاور الحبيبة وبقايا بريد العائلة ، ليفصح الشاعر في نص (سأزيح الحرب عن جسد القتيل) : 
(يــا أبـــــــي ،
لو أنَّ خيوطَ هزائِمِكَ 
تتجَمَّعُ في شبكةٍ واحدةٍ 
لاصطدتُ هذه العائلة 
التي تُشبهُ إلى حدٍّ ما
بقاياكَ على السرير ...!!!) ........ ص26
من هو القتيل ومن تلك الحرب وما هي الخسارات التي اشار اليها الشاعر في تلك الهزائم التي تتوالى عبر خيوط لم يحصد منها غير الويلات من خرائط السلطة وساستها العدميين المدججين بالحروب. انه كشف صريح وبوعي مطلق لذلك الأب الذي غادر الحياة وهو ناصع البياض ليسود بياضه وألقه تلك الوجوه اليافعة التي تشبهت به أينما كان . وفي نص (أطفالنا يرسمون القنابل):
أطفالُنا لا يحبونَ كرةَ القدمِ
ولا يرسمونَها أيضاً ..
وعندما تطلبُ منهم المعلمةُ 
أنْ يرسموا كرةً
يرسمونَ قنبلة 
كلُّهم يرسمونَ القنبلةَ نفسَها ؛
القنبلةَ التي 
لم تترُكْ لهُم قدماً 
كي يلعبوا بالكرة... ) ص67.

المشـاهدات 226   تاريخ الإضافـة 09/09/2018   رقم المحتوى 7390
أضف تقييـم