الثلاثاء 2018/11/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
استرجاع العالمية الأميركية
استرجاع العالمية الأميركية
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* كريستوفر ر. هيل

عند متابعة الجلسات النقاشية في وسائل الإعلام الأميركية؛ يوحى إليك وكأن نقيض «أميركا أولاً» هو التدخل في شؤون الدول الأخرى. ويقصد بهذا الأخير ميول أميركا المتواصل نحو إعلان الحروب وإظهار قوتها العسكرية التي لا نظير لها.لكن التدخل في شؤون الدول الأخرى لا يشبه العالمية (Internationalism)؛ إذ يُلغي الخلطُ بين الاثنين الفرقَ بين استعمال القوة على نحو سريع وحاسم، والالتزام العقلاني بالتدخل في شؤون العالم ومشاكله.وفي سياسة « أتْمم عملك» الأميركية التي تندرج ضمن فلسفة الرؤية الكونية؛ تعتبر الصراعات الدولية تحديات عسكرية وليست قضايا سياسية كما تبدو. وفي واقع الأمر؛ غالبا ما يكون العكس هو الصحيح، ولهذا نادرا ما تُحَل أكثر النزاعات تعقيدا في العالم عبر التدخل.

إن للصراعات السياسية تاريخا طويلا ووسخا، وليس العنف سمة متأصلة فيها بقدر ما هو علامة تؤكد عدم قابلية هذه الصراعات للتسوية. فغالبا ما تكون لهذه الصراعات علاقة بالهوية والعنف، وبادعاءات بشأن الملكية المشتركة لأرض توجد على مقربة كبيرة من «دولة» معينة.إن المشاركة السياسية غالبا ما تكون مبنية على العرق أكثر من القيم المدنية، مما يتناقض مع الإدراك الأميركي لمفهوم الدولة.»بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية؛ غالبا ما تكون النزاعات الدولية فرصة لإظهار «القوة» والتدخل «للحل». وقد كان الهدف من الضربات الجوية الأميركية في البوسنة والهرسك هو دفع العملية السياسية -المدعومة من الاتحاد الأوروبي وروسيا- إلى الأمام. وكانت الحملة الجوية آخر خيار لمعاقبة من لم يدعم مسلسل السلام».وعلاوة على هذا؛ يمكن أن تكون المشاكل التي يشهدها المجتمع المعاصر وليدةً للترتيبات الخاطئة التي أعدت منذ عقود، بل منذ قرون. وخير مثال على ذلك اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 بين بريطانيا وفرنسا التي قسمت الشرق الأوسط، ومعاهدة فيرساي لعام 1919 التي أسفرت عن خلق حدود وطنية في البلقان.وفي كلتا الحالتين؛ ربما كان يبدو أن الأسلوب الناجع لحل الخلافات هو خلق دولة جديدة لكن تبين -في آخر المطاف- أن ذلك الحل كان تمهيدا لاندلاع المزيد من الحروب.وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية؛ غالبا ما تكون النزاعات الدولية فرصة لإظهار «القوة» والتدخل «للحل». وقد كان الهدف من الضربات الجوية الأميركية في البوسنة والهرسك هو دفع العملية السياسية -المدعومة من الاتحاد الأوروبي وروسيا- إلى الأمام. وكانت الحملة الجوية آخر خيار لمعاقبة من لم يدعم مسلسل السلام.وأدرك العديد من الخبراء والسياسيين الأميركيين آنذاك أنه كان بالأحرى ضرب الأشرار فورا. والقليل منهم فقط من حاول دراسة تاريخ المنطقة من أجل تحديد خط الحدود المشتركة بين الكيانين.ولو أنهم فعلوا ذلك؛ لبذلوا جهدا أكثر بموجب قرارهم الأخير للحفاظ على الحدود الخارجية، ولبناء مؤسسة دستورية تمكّن الدولة الجديدة من الانضمام إلى خريطة أوروبا.وكان لكوسوفو تاريخ معقد أيضا مما جعل العديد من الأميركيين يرفضون الغوص فيه؛ إذ كانوا يسخرون من الدبلوماسية اللازمة لتصبح كوسوفو منطقة ذات سيادة، مع احترام الارتباط العاطفي للصربيين بها.وقد جعل ذلك التدخل العسكري أول خيار -بدل أن يكون الأخير- لضمان استقلال كوسوفو، دون الأخذ بعين الاعتبار رفض العديد من الدول الأوروبية خلق دولة مستقلة. وكانت أوروبا قد دعت من قبل إلى اعتماد دبلوماسية متعددة الأطراف قبل أي مناقشة لشن ضربات جوية.لقد استمر التدخل في شؤون الدول -الذي أصبح لاحقا العالمية (Internationalism)- إلى غاية القرن الواحد والعشرين، لكن على نطاق أوسع.إذ بعد هجمات 11 / أيلول 2011 اقتحمت الولايات المتحدة الأميركية أفغانستان واحتلتها لتطرد تنظيم القاعدة من أراضيها. لكن بعد مرور 17 سنة على وجود القوات الأميركية في هذا البلد؛ فَقَدَ الأميركيون صبرهم، وأيد العديد منهم انعزالية سياسة «أميركيا أولاً» للرئيس الأميركي دونالد ترامب.وفي العراق حيث العلاقة مع الإرهاب أمر مشكوك فيه؛ استثمرت الولايات المتحدة جهودا كبيرة بغية تحقيق أهداف معقدة وغير ثابتة، ولم يُشَر إليها بوضوح أبدا.إن تدخل أميركا في شؤون الدول غالبا ما يعرّضها للانتقاد من طرف أصدقائها وأعدائها، الذين تَصِفهم بالضعفاء والمترددين في مواجهة التحديات العالمية، مثل استيلاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على القرم، وتصاعد قوة الصين في بحر جنوب الصين.»العالمية الأميركية سترجع إلى حد ما؛ لكن ينبغي لمؤيديها تسريع عودتها وفقا لمغزاها الأصلي. فالعالميون الحقيقيون يحترمون آراء الآخرين، ويُعَبرون عن رغبتهم في تقبّل البنيات المتعددة الأطراف والدفاع عنها أيضا. إن ما يحتاجه التدخل في شؤون الدول اليوم هو تجديد الالتزام الأميركي بالتعاون».وعندما انقلبت الأمور على عقبها في أفغانستان والعراق؛ ألقت الولايات المتحدة اللوم على القادة السياسيين لتلك البلدان، واصفة إياهم بالمفسدين وبالتالي وَجَب إسقاط أنظمتهم. وكان للأوروبيين نصيب من التنديد أيضا، ليس فقط بسبب عدم قدرتهم على مواجهة الشر، بل وأيضا لأنهم يعيشون حياة مليئة بالرفاه والسعادة دون تحمل أعبائهم.ونظرا لتغلغل هذا النوع من الخطابات في أذهان الأميركيين؛ فإنه ليس من الغريب إذن أن تتغلب نظرية عالم الواقع المرير على العالمية (Internationalism)، التي أصبحت مرادفة للاستعمال غير المتناهي للقوة والتعالي على الحلفاء.إن العالمية الأميركية سترجع إلى حد ما؛ لكن ينبغي لمؤيديها تسريع عودتها وفقا لمغزاها الأصلي. فالعالميون الحقيقيون يحترمون آراء الآخرين، ويُعَبرون عن رغبتهم في تقبّل البنيات المتعددة الأطراف والدفاع عنها أيضا.إن ما يحتاجه التدخل في شؤون الدول اليوم هو تجديد الالتزام الأميركي بالتعاون، حتى عندما تتطلب الحكومات الأخرى المزيد من الوقت لضمان حصولها من ناخبيها على أمر رسمي بالتدخل.
أخطاء استراتيجية
سقط الاتحاد السوفييتي فجأة عام 1991 واكتشفنا أنه كان يقف ميتًا قبل هذا التاريخ بسنوات، فرغم أنه كان يشكل قطبية ثنائية وطرفًا ثانيًا في إدارة العالم إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، انتهى به الأمر إلى الزوال بالنظر إلى أزماته الداخلية وعدم توافقه مع محيطه الإقليمي والدولي في عدد من القضايا والسياسات، فمنطق التاريخ دائمًا يذكرنا بأن أي قوة أو إمبراطورية سواء كانت إقليمية أم دولية لا بد أن تكون لها بداية ونهاية.الولايات المتحدة الأمريكية ارتكبت أخطاءً إستراتيجية قاتلة في سياستها الخارجية بغزوها لأفغانستان عام 2001 للقضاء على حركة طالبان وللعراق عام 2003 لإسقاط نظام صدام حسين، فالتقديرات الأولية للخبراء العسكريين والخزانة الأمريكية اَنذاك كانت تشير إلى قصر مدة العمليات العسكرية يتخللها تصريف فائض الأسلحة المكدس مع إنفاق يصل لـ6 مليارات دولار، لكن ما حدث بالضبط أن الخزينة الأمريكية كانت تتجه نحو الإفلاس مع توالي سنوات الحرب والقتال على جبهتين وما يتطلبه من إمداد يومي لخطوط العمليات بملايين الدولارات.
اقتصاد كارثي
وصول باراك أوباما للسلطة عام 2008 تزامن مع دخول الاقتصاد الأمريكي وضعية كارثية وأزمة عالمية وإنفاقًا عسكريًا على الجبهات انتقل من 6 مليارات دولار إلى 6 تريليونات دولار فكانت أولى قراراته توقيع مرسوم سحب تدريجي للقوات الأمريكية من المستنقع الأفغاني والعراقي.أصحاب صنع القرار ورسم السياسة الخارجية للدولة الأمريكية أدركوا بما لا يدع مجالاً للشك باستحالة المغامرة مجددًا في تدخل عسكري إلا بضمان دفع طرف ثالث للخسائر وهذا ما حدث بالضبط حين شارك سلاح الجو الأمريكي مع الفرنسيين والبريطانيين للقضاء على نظام القذافي عام 2011، إذ قُسمت الفاتورة بين مختلف الأطراف.تراجع الدور الأمريكي على المستوى العالمي يوحي بأن الأمريكيين فهموا جيدًا بأنهم هزموا بلغة الأرقام، انطلاقًا من توجيه موارد وجزء كبير من ميزانية دولتهم لتغذية الصراعات في منطقة الشرق الأوسط على حساب تنمية دولتهم وتقدمها وتوفير مناصب الشغل والبنية التحتية، مقارنة مع إمبراطوريات اقتصادية صاعدة تشتغل بهدوء بعيدًا عن أي صراع عسكري كالصين مثلاً.
شرطي أوروبا
الأوروبيون علموا هذا الأمر بالضبط حين تركوا في منتصف الطريق خلال الأزمة الأوكرانية، كانوا ينتظرون ردًا حازمًا من الحليف الأمريكي الذي تخلى عن دوره باعتباره “شرطي أوروبا الأول”، لكن الرهان على دولة تريد أن تستعيد أنفاسها وتوجه بوصلة سياستها الخارجية من جديد رهان فاشل، فلا أمريكا حجمت الروس بعقوبتها الشكلية ولا صواريخ البتريوت أضحت تشكل فزاعة في ظل تطوير الروس لمنظومات صواريخ جديدة وفعالة.
لا لترامب
الأوربيون أخيرًا استطاعوا أن يقولوا “لا” لترامب في كل ما طرحه بداية بتأكيده ضرورة زيادة الرسوم الجمركية لحماية الأمريكيين كما قال، ثم مطالبته بضرورة عودة روسيا لمجموعة السبعة باعتبارها شريكًا ثم الملف الإيراني.مخاطبة الشركاء بصيغة الأمر والتعالي عليهم وإهانتهم جهرًا أمام وسائل الإعلام يفسر وضعية غير سليمة بلغتها الإدراة الأمريكية بقيادة ترامب القادم من عالم المال والمفتقر للتكوين في عالم السياسة وغير المدعوم حزبيًا في كثير من قراراته حتى من القياديين الجمهوريين.ففي نهاية المطاف؛ يجب أن تنبني القيادة العالمية الأميركية على القيم الأميركية، وعلى اعتراف واسع النطاق بالتمسك بالقيم الثابتة للديمقراطية الليبرالية.وبمعنى آخر؛ يجب أن تكون أميركا قدوة في القيادة. فقد أدى فشلُها في أن تكون كذلك في السنوات الأخيرة -خاصة فيما يتعلق بمسالة اللجوء- إلى إضعاف التأثير الذي تمارسه على الساحة الدولية.
* مساعد وزير الخارجية
 الأميركي الأسبق والمستشار الأول لدى مركز الالتزام العالمي
 

المشـاهدات 208   تاريخ الإضافـة 16/10/2018   رقم المحتوى 8676
أضف تقييـم