الثلاثاء 2018/11/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
مكافحة الإرهاب
مكافحة الإرهاب
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

*تييري ميسان
 

من غير المتوقع أن تحدث الإستراتيجية القومية الجديدة لمكافحة الإرهاب، التي نشرها البيت الأبيض، تغيرات كبرى في المعركة ضد المنظمات الجهادية. لكن مع ذلك، سيكون لها تبعات جسيمة على المدى الطويل، في حال تم تطبيقها.
توثق هذه الإستراتيجية الجديدة لتسوية جرت بين الرئيس ترامب، وكبار الضباط في البنتاغون، والأمانة العامة لأجهزة الأمن الوطني. ولا زلنا نذكر جميعا أن الرئيس بوش الابن، هو من أعلن «الحرب الكونية على الإرهاب» بعد هجمات 11 أيلول 2001، ليحرف الأنظار عن الهجمات التي أغرقت مدينتي نيويورك وواشنطن بالحزن. وقد أدى ذلك إلى عكس النتيجة المنشودة رسميا: فقد اتسع نطاق الهجمات الإرهابية عبر العالم، بدل أن يتلاشى.
 

ولوضع حد لهذه المهزلة، أمر الرئيس أوباما بتنفيذ تمثيلية (هوليودية) «لموت» مزعوم لأسامة بن لادن، لإعادة إدماج رفاقه في السلاح ضمن وكالة المخابرات المركزية.
وهكذا شارك «المجاهدون» الذين حاربوا السوفييت في أفغانستان، والبوسنة والهرسك، بأسلحة إسرائيلية ومستشارين أمريكيين، جنباً إلى جنب مع قوات الناتو في العمليات البرية ضد ليبيا، ثم ضد سورية.
كان الرئيس ترامب ومستشاره الأول للأمن القومي، الجنرال مايكل فلاين، يأملان في وضع حد لاستخدام الإرهاب من قبل وكالة المخابرات المركزية وحلفائها. لكن مكتب التحقيقات الفدرالي تمكن من إجبار فلاين على الاستقالة من منصبه، وكان على ترامب أن يتراجع إثر ذلك عن طموحاته. لكنه نجح من الناحية العملية، في إقناع دول الخليج بوقف تمويل تنظيمي القاعدة وداعش. كما نجح أيضا بإجبار الناتو على وقف عمليات التنسيق بين فصائل الجهاديين انطلاقا من قاعدة «لاندكوم» في إزمير، وإدراج الحرب ضد الإرهاب، كواحدة من أهدافه.
الغريب في الأمر أن الإستراتيجية القومية الجديدة لمكافحة الإرهاب، لم تأت بكلمة واحدة عن استخدام جهاز المخابرات البريطانية ام16 لتنظيم الإخوان المسلمين، والنقشبندية. كما أنها لم تتحدث عن انتشار أيديولوجية سيد قطب التي تنتشر حاليا، خارج أي سيطرة، في جميع أنحاء العالم الإسلامي. لذلك من العبث محاربة أشباح الإرهاب (العمليات الإرهابية) من دون التصدي لجذور المرض (أي أيديولوجية الإخوان المسلمين). لذلك فضل الرئيس ترامب أن يغير شعاره، ليصبح»الولايات المتحدة أولاً»، لإعادة تشكيل قوات الأمن في بلاده.
وبعد أن تأكد من استحالة محاربة جميع الجماعات الإرهابية في العالم في وقت واحد، قرر التركيز فقط على المجموعات التي تهاجم المصالح الأمريكية، بإدماج إسرائيل بالمعنى الأعم والأوسع للكلمة.
وهكذا تمكن من وضع حد، على الأقل، لجميع أنواع الحروب السرية المناوئة للحركات القومية في كل من أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا، ولكن للأسف، من دون الشرق الأوسط، لحماية إسرائيل، والعديد من الجماعات المسلمة، والسيخية تحسبًا لحرب في باكستان.

لكنه من ناحية أخرى، رفع مسألة مكافحة الإرهاب إلى مرتبة أيديولوجية قومية، مثلما كان عليه الحال إبان مكافحة الشيوعية أثناء الحرب الباردة. وهي في الواقع وسيلة لوضع حد لكراهية البنتاغون لروسيا.
وفي نهاية المطاف، لايرى ترامب أن وقوع هجمات ضد بلاده أمرا مستحيلا، لهذا حمل قواته الأمنية مسؤولية التنبؤ المسبق، بعد أن منحهم الإمكانيات لإعادة بناء صفوفهم.
وباختصار، هو يسعى لحرف البنتاغون بعيداً عن مهماته الإمبريالية التاريخية، وإعادته إلى مهمته الأساسية في الدفاع عن الأراضي الأمريكية التي لم تكن الشغل الشاغل له في سابق الأيام.
ولنا مثال على ذلك  حيث لم تُسلم موسكو الجيش العربي السوري صواريخ دفاع جوي من طراز «إس 300» فحسب، بل قامت أيضاً بنشر نظام مراقبة إلكترونية متكامل. ولثقته بقوة سوريا الآن، طالب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بالانسحاب الفوري، وغير المشروط، لجميع قوات الاحتلال الأجنبية، الأميركية والفرنسية والتركية.
وهنا لابد من التذكير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد أعلن في وقت سابق عن عزمه سحب القوات الأميركية من سوريا، ثم تراجع عن هذا القرار تحت ضغط من البنتاغون. لكنه عاد واتفق مع جنرالاته على مواصلة الضغط على دمشق، ما دامت الولايات المتحدة مستبعدة من محادثات سوتشي للسلام.
إن نشر الصواريخ الروسية، الذي تم على الأرجح بضوء أخضر من البيت الأبيض، من شأنها أن تمنح الرئيس ترامب فرصة لجعل البنتاغون يتراجع عن موقفه، وبما يجبره على سحب قواته من سورية، ولكن بالحفاظ على مرتزقته، أي «قوات سورية الديمقراطية – قسد».
الحكمة تقول إن القوى المعتدية التي تخسر الحرب تنسحب من الميدان. لكن عقلية الغربيين تمنعهم من ذلك. ولن تنتهي الحرب هنا، إلا عندما يجدون عظمة جديدة، لمضغها في مكان آخر.
وحدها بريطانيا تصورت ماهية الرد، وبات واضحاً الآن أن احتفاظ لندن بمواصلة ضغوطها الدبلوماسية على سوريا، من خلال «المجموعة المصغرة»، لأن اهتمامها بات يتجه نحو استئناف «اللعبة الكبرى»، التي شهدت مواجهات بين التاج البريطاني والقيصر، طوال القرن التاسع عشر.
وهنا لابد من التنبيه إلى أن هذه العقيدة الجيوسياسية مستقلة عن الأحداث التي تعتبر ذريعة لها.
كانت «اللعبة الكبرى» هي تماماً إستراتيجية الإمبراطورية البريطانية. أما سبب استئنافها في الوقت الحالي فهو نتيجة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكزيت» وسياسة «عالمية بريطانيا».
وكما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر، فإن هذه التركيبة المناهضة لروسيا، تترافق في المدى المنظور مع منافسة شديدة بين لندن وباريس.
فإذا كانت فرنسا تخطط الآن لمغادرة الشرق الأوسط، والتركيز على منطقة الساحل الإفريقي، فإن موقف الولايات المتحدة يعتبر أكثر إشكالية. ذلك أن البنتاغون يتمتع منذ 11 أيلول 2001، باستقلالية ذاتية إلى حد ما، تتجلى في عدم تقبل القادة الميدانيين العشرة في القوات المسلحة الأميركية لأي أوامر من لجنة قيادة الأركان ذات الصلة، بل فقط من وزير الدفاع. ومع مرور الوقت، أصبحوا « أشباه ملوك» حقيقيين لـ «الإمبراطورية الأميركية»، وهو منصب لا ينوون السماح للرئيس ترامب بتقليصه. البعض منهم، مثل قائد قوات أميركا الجنوبية «ساوثكوم»، يعتزم مواصلة إستراتيجية الأدميرال سيبروفسكي الرامية إلى تدمير الدول غير المندمجة في الاقتصاد العالمي.
ولعل الخطوة الوحيدة التي اتخذت من الناحية السياسية مؤخراً، هي داعش. فقد أمر دونالد ترامب بالقضاء على تجربة إنشاء دولة إرهابية صراحة، أي دولة الخلافة، ما مكن الجيشان السوري والروسي من دحر «الجهاديين» في الشهور الأخيرة. وفي الواقع، لا يريد الأوروبيون رؤية أصدقائهم «المتمردين المعتدلين»، الذين صار يطلق عليهم الآن «الإرهابيون»، يعودون إلى أوطانهم. لذلك، سواء اعترفوا بهذا الحقيقة أم لا، فهم يتمنون لهم الموت في سورية الآن.
لكن في حال أفضت الانتخابات التشريعية النصفية إلى تغيير الأغلبية في الكونغرس الأميركي الشهر القادم، فسوف يتمخض عنها إقالة الرئيس ترامب بسرعة من منصبه، واستئناف البنتاغون لطموحاته.لذا فإن الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، هي التي ستحدد ما إذا كانت الحرب ستستمر هنا، أم إنها ستنتقل إلى ساحة أخرى.

•مفكر فرنسي

المشـاهدات 196   تاريخ الإضافـة 18/10/2018   رقم المحتوى 8791
أضف تقييـم