الثلاثاء 2018/11/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
البريكست البريطاني والنظام الأوروبي
البريكست البريطاني والنظام الأوروبي
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* يوشكا فيشر

بقيت أشهر قليلة فقط قبل أن تنسحب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رسميا. وإلى حد الساعة؛ تناول النقاش بشكل أساسي الجانب الاقتصادي لهذا الانسحاب. إذ في حال مغادرة بريطانيا المجموعة دون اتفاق متبادل، من المحتمل أن يكون الضرر كبيرا. وكما يبدو عليه الأمر؛ فإن هذه الاتفاقية أبعد من أن تكون مؤكدة.إن الانسحاب «الصارم» لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني أنه في يوم 29 آذار 2019 (على تمام الساعة 11 ليلا بتوقيت غرينيتش)، ستُنهي بريطانيا عضويتها في جميع المعاهدات -مثل الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة- والاتفاقيات التجارية الدولية التي عقدها الاتحاد الأوروبي.

وستصبح بريطانيا طرفا ثالثا فقط، مما سيكون له انعكاسات بعيدة المدى على الاتحاد الأوروبي خاصة في حال حدوث فوضى على الحدود البريطانية.لكن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ستكون له انعكاسات سياسية بعيدة المدى أيضا. إذ يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي -بشكل كبير- على أنه سوق مشتركة واتحاد كمركي فيما يتعلق بقضاياه اليومية. لكنه -في الجوهر- مشروع سياسي مبني على فكرة خاصة بشأن النظام الأوروبي ودوله.وهذه الفكرة -وليس الجانب الاقتصادي للقضية- هي المعنى الحقيقي للبريكست (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي). وهي الفكرة التي تفسر لماذا سيكون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تأثير عميق على النظام الأوروبي خلال القرن الواحد والعشرين، سواء تم ذلك الخروج بموجب اتفاق أم لا.انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ستكون له انعكاسات سياسية بعيدة المدى أيضا. إذ يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي -بشكل كبير- على أنه سوق مشتركة واتحاد جمركي فيما يتعلق بقضاياه اليومية. لكنه -في الجوهر- مشروع سياسي مبني على فكرة خاصة بشأن النظام الأوروبي ودوله. وهذه الفكرة -وليس الجانب الاقتصادي للقضية- هي المعنى الحقيقي للبريكست.إن الأغلبية القليلة من البريطانيين -الذين «صوتوا» خلال استفتاء 2016- لم يعيروا اهتماما للرفاه الاقتصادي، بل ما كان يهمهم هو المطالبة بالسيادة السياسية الكاملة. فهم لا يرون السيادة من ناحية الوقائع الموضوعية المتعلقة بحاضر بريطانيا ومستقبله، بل يربطونها بماضي بريطانيا كقوة عالمية خلال القرن التاسع عشر.ولذلك فإنهم لا يأبهون لما إن كانت بريطانيا اليوم قوة أوروبية متوسطة الحجم، ولديها حظوظ قليلة إلى منعدمة في أن تلعب دورها من جديد على المستوى العالمي، سواء أكان ذلك داخل الاتحاد الأوروبي أم خارجه.وإذا كان ولا بد لباقي دول العالم أن تتبع النموذج البريطاني وأن تختار القرن التاسع عشر بدل القرن العشرين؛ فإن الاتحاد الأوروبي سينهار. إذ سيضطر كل بلد إلى العودة للنظام المعقد للدول ذات السيادة، التي تسعى إلى الهيمنة وتراقب بشكل مستمر طموح بعضها البعض.وفي ظل مثل هذه الظروف؛ ستفتقر الدول الأوروبية إلى السلطة الحقيقية أيا كانت، وبالتالي فإنها ستنسحب من الساحة الدولية بشكل نهائي. وستحتار أوروبا بين انتمائها عبر الأطلسي والأوروآسيوي، مما سيجعلها فريسة سهلة للقوى الكبرى للقرن الواحد والعشرين الخارجة عن الاتحاد الأوروبي.وفي أسوأ السيناريوهات؛ قد تكون أوروبا حلبة صراع للقوى الكبرى. ولن يصبح بوسع الأوروبيين اتخاذ قرارات بشأن مستقبلهم؛ بل سيقَرَّر مصيرُهُم في مكان آخر.إن النظام الأوروبي القديم والمتدهور للقرن التاسع عشر كان في الأصل نتيجة للحرب التي دامت ثلاثين سنة (1618 - 1648). وكان نظام القرون الوسطى -الذي سبقه وكان مبنيا على الكنيسة والإمبراطورية العالميتيْن- قد اندثر خلال حركة الإصلاح الديني. وبعد سلسلة من الحروب الدينية وبعد بناء قوى إقليمية قوية؛ حل مكانه «النظام الويستفالي» للدول ذات السيادة.وخلال القرون القليلة التي تلت هذا النظام؛ سيطرت أوروبا على العالم، وكانت بريطانيا بنفسها القوة الأوروبية المهيمنة. إلا أن النظام الويستفالي انهار بسبب الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين، واللتين كانتا -في حقيقة الأمر- حربين أوروبيتين من أجل الهيمنة العالمية.وعندما توقف إطلاق النار (في الحرب العالمية الثانية) عام 1945؛ فقد الأوروبيون -حتى من حقق النصر منهم- سيادتهم بشكل فعلي. وحل النظام الثنائي القطب للحرب الباردة محل النظام الويستفالي، حيث بقيت السيادة في أيدي القوتين النوويتين غير الأوروبيتين: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي.كان يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي كمحاولة لاسترداد السيادة الأوروبية بشكل سلمي عبر توحيد المصالح الوطنية للدول الأوروبية. وكانت هذه الجهود تهدف دائما لمنع الرجوع إلى النظام القديم، المبني على المنافسة على السلطة والتحالف المتبادل وتوجيه الضربات القوية. والحل الناجح يتجلى في تأسيس نظام قاري مبني على الاندماج الاقتصادي والسياسي والقانوني.وأظهر انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بوضوح الانعكاسات المادية لهذا المستوى من الاندماج. إذ أثناء مفاوضات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، عاد مشكل قديم إلى الواجهة: إنها القضية الإيرلندية.إذ فور انضمام الجمهورية الإيرلندية وبريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، تلاشى الحماس من أجل لَمِّ شمل إيرلندا، ومكّن هذا من وقف الحرب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستانت التي دامت عقودا عدة.وكان الاندماج الأوروبي يعني أنه لم يعد مهمًّا تحديد البلد الذي تنتمي إليه إيرلندا الشمالية. لكن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قلَب التاريخ، مما يهدد بعودة أشباح الماضي.يجب على الأوروبيين النظر في القضية الإيرلندية عن قرب، لأن هناك احتمالا لرجوع مثل هذه الصراعات إلى القارة. إن نظاما جديدا بدأ يظهر، وسيرتكز حول المحيط الهادئ وليس المحيط الأطلسي.إن لدى أوروبا فرصة واحدة -فقط واحدة- لإدارة هذا التحول التاريخي. ولن تستطيع الدول القومية الأوروبية القديمة أن تواكب المنافسة الجديدة إلا إن توحَّدت. وحتى إن حصل هذا؛ فإن تحقيق السيادة الأوروبية أمر سيحتاج إلى بذل جهود مكثفة ومركزة للإرادة والإبداع السياسييْن.كما مرّ عام ونصف العام على تصويت البريطانيين لصالح إنهاء العلاقة التاريخية مع الاتحاد الأوروبي، ومرّ نحو ثمانية أشهر على تفعيل الحكومة رسميا المادة 50 من معاهدة لشبونة للانسحاب من هذا الاتحاد.ثمة تخوفات يعبر عنها بائع السمك محسن محمود الذي يقول إن الغلاء استشرى والبريكست ما زال في طور المفاوضات، فما بالك حين يحصل الانفصال تماما؟.ويدلل على ذلك بالقول إن المشتري كان يحصل بعشرة جنيهات على نحو ثلاثة كيلوغرامات من السمك، لكنه الآن يحصل على ما هو أقل.أما إذا ذهبنا إلى حي المال والأعمال، فإن مخاوف بائع في سوق شعبي لا تبدو بعيدة عن المكان الذي يجري فيه تداول تريليونات الدولارات يوميا.هناك مخاوف تتزايد من البريكست، حتى إن بعض الشركات هددت بنقل أعمالها إلى عواصم أوروبية أخرى.يقول المحلل المالي مايكل هوسن «نحن الآن في مرحلة حرجة، وهناك الكثير من الغموض بشأن المستقبل»، مضيفا أن البنوك تحتاج لوضع خطط منذ الآن، فهي لا تستطيع الانتظار حتى آذار 2019، الموعد المقرر لانسحاب بريطانيا.كما إن المصارف تعتقد بأنه ما لم يتم الحصول على اتفاق خلال أسابيع فستضطر إلى الخروج من البلاد، مشيرا إلى أن فرانكفورت ودبلن ربما تمثلان وجهتين مثاليتين للمصارف.من ناحيته، يؤكد المحرر في مجلة «ذي بانكر» براين كابلن أن الشكوك في الاقتصاد البريطاني منذ التصويت على البريكست قد تراجعت نسبيا.وتابع القول إن الرابح من البريكست هو قطاع الصناعة الذي يشهد صعودا كبيرا هذا العام، إلا أنه لا يسهم في الناتج المحلي بالقدر الكافي مقابل قطاع الخدمات الذي يسهم بنسبة 70%.العمالة الأوروبية في بريطانيا -ومنها الماهرة- تصل إلى ثلاثة ملايين، وبحسب مدير شركة فوتون للطاقة الشمسية جوناثان بيتس فمن الصعب تعويضها بعمالة بريطانية.وبيّن أن القلق من المستقبل هو ما ينتاب العمالة الأوروبية، خاصة بشأن الحصول على التأشيرات، مضيفا «لا أفهم كيف يكون الخروج من أكبر سوق في العالم أمرا جيدا؟.كذلك الأمر، لم ينج سوق العقارات من الضغوط، ويقول لوسيان كوك -وهو مدير للأبحاث في إحدى شركات العقارات- إن السوق تراجع بنسبة 2.05%؛ إذ ينتظر المشترون اتضاح الرؤية.يذكر أن بريطانيا ما زالت الشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي، فقد صدرت له في أغسطس/آب الماضي بضائع بما يزيد على 18 مليار دولار، واستوردت منه ما يناهز 29 مليار دولار.ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 1.7%.إن الحنين إلى الماضي المجيد هو آخر شيء سيساعد الأوروبيين على مواجهة التحديات التي تقف في طريقهم. لقد انتهى الماضي.. وهذا أمر طبيعي. يجب على أوروبا أن تنظر إلى مستقبلها، سواء كان ذلك مع بريطانيا أو بدونها.

* وزير سابق للخارجية الألمانية

المشـاهدات 331   تاريخ الإضافـة 23/10/2018   رقم المحتوى 9009
أضف تقييـم