الثلاثاء 2018/11/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
الليرة التركية .. بين مطرقة السياسة وسندان الاقتصاد
الليرة التركية .. بين مطرقة السياسة وسندان الاقتصاد
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* فراس زوين

إن استمرار التراجع في سعر صرف الليرة التركية يعد آمراً مناقضا لتصريحات سابقة لمسؤولين حكوميين أتراك، حيث أكد وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي الجمعة في ١٣ كانون الثاني من عام ٢٠١٧ أن المرحلة القادمة ستشهد عودة الليرة التركية إلى مسارها الطبيعي لكن الحقيقة التي أثبتت واقعيتها هو انكسارها السريع أمام الضغوط الاقتصادية التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية في قضية مضاعفة التعريفة الجمركية للحديد الصلب والألمنيوم. وقد يتساءل الكثيرون عن الأسباب الموضوعية لهذا الانكسار وخصوصاً إن تركيا ليست ضمن الدول الخمسة الكبرى المصدرة للحديد الصلب والألمنيوم لأمريكا، إذ سبقتها كندا و كوريا الجنوبية و المكسيك وألمانيا و اليابان ومع ذلك لم تتأثر أي من هذه الدول بمقدار ما تأثرت به تركيا وما خلفه هذا التأثر من انهيار في سعر الصرف عملتها الوطنية.

أسبـاب التـراجـع
إن الإجابة على هذا السؤال قد تكون الوهلة الأولى بعيد عن توقعات الكثيرين, فان الحجر الذي ضرب الليرة لم يكن اقتصادياً بقدر كونه خلافاً سياسياً بين تركيا و أمريكا ألقى بظلاله على الواقع النقدي والاقتصادي التركي، حيث الاقتصاد هو العصا الغليظة للسياسة الدولية عموماً والسياسة الأمريكية خصوصاً، وهناك شواهد عديدة من الخلافات السياسية التي اخذ الجانب الاقتصادي النصيب الأوفر منها مثل حصار أمريكا على كوبا وحصارها على روسيا والعراق وإيران وغيرها العديد من الشواهد.وفي القضية التركية هناك عدة مواقف ومفترقات سياسية وتحالفات وضغوطات دولية تداخلت وتقاطعت مع الوجهة الاقتصادية التركية وانتهت بانهيار الليرة وتراجعها المدوي في الأيام الماضية.
تدهـور اللـيرة
إن متابعة الليرة في السنوات السابقة توضح لنا الهبوط التدريجي في قيمتها، ففي عام 2009 كانت قيمه الليرة ١،٤٨ للدولار الواحد، أخذت بعدها بالتراجع بشكل متواتر لتصل إلى ٢،١٤ لكل دولار عام 2013 ، ويستمر التراجع إلى عام 2017 تصل فيه إلى ٣،٨ للدولار الواحد، وفي عام 2018 اخذ التراجع وتيرة متسارعة، ففي ٩آب تراجعت قيمة الليرة إلى ٥،٤٩ للدولار الواحد و بعدها بيوم واحد فقط أي ١٠آب وصلت ٦،٤٢ فاقدة قرابة ٢٠٪‏ من قيمتها في يوم واحد، وتجاوزت بعدها حدود ٧،٢ للدولار الواحد لتعود فترتفع بشكل مؤقت عند ٦،٠٨ للدولار الأمريكي لتفقد الليرة التركية من قيمتها الكلية قرابة 40% في عام 2018 فقط ولازال المشهد السياسي والاقتصادي مليئا بالمفاجآت والمفارقات الاقتصادية.
الدوافـع الاقـتـصادية لتراجـع اللـيرة
إن تخفيض قيمة الليرة خلال السنوات العشرة الاخيرة يعود إلى عوامل ورؤى اقتصادية لرجب الطيب اردوغان والذي رغب إن تكون قيمتها بحدود ٣ ليرة للدولار الواحد من خلال تدخلاته المستمرة في السياسة النقدية للبنك المركز التركي، ومعارضته المتواصلة رفع سعر الفائدة، حيث أبقى البنك المركزي التركي في اجتماعه الاخيرة على أسعار سعر الفائدة دون تغيير عند ١٧،٢٥٪‏ ومع ارتفاع معدل التضخم إلى ١٥،٨٥ فان هذا يجعل سعر الصرف الحقيقي اقل من 2 ٪‏ وهذه النسبة غير قادرة على معالجة التضخم في الاقتصاد التركي وكفيلة ببقاء الليرة في حدودها المتدنية، (بحدود ٣ ليرة للدولار الواحد) حيث تساعد هذه القيمة لليرة على توجه مسار الاقتصاد التركي نحو التصدير، وذلك لان سعر الصرف المنخفض تجعل من قيمة البضاعة التركية اقل من قيمة نظيراتها في كثير من البلدان التي تستهدفها الصادرات التركية.ففي الوقت الذي شهدت الليرة تراجعا مستمرا في قيمتها عام 2017 شهدت الصادرات التركية بالمقابل زيادات مستمرة في حجم الصادرات كما ذُكر في بيان لمجلس المصدرين الأتراك إن قيمة مجمل الصادرات التركية ارتفعت خلال الأشهر العشرة الأولى من عام ٢٠١٧ في الفترة بين كانون الثاني وحتى تشرين الأول، بنسبة 11 % مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتبلغ ١٢٨،٦٥ مليار دولار ، وأضاف البيان احتلت ألمانيا المرتبة الأولى في قائمة الدول العشرين الأكثر استيراداً من تركيا، بزيادة بلغت 7.3 % مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بقيمة وصلت ١٢،٢٣ مليار دولار، بينما احتلت المرتبة الثانية المملكة المتحدة بقيمة بلغت ٧،٦٦ مليار دولار، وتلتها العراق بقيمة بلغت ٦،٧٨ مليار دولار، ثم إيطاليا بقيمة بلغت ٦،٧٣ مليار دولار، والولايات المتحدة الأمريكية بقيمة ٦،٧٢ مليار دولار أمريكي، فلو كانت قيمة العملة التركية مرتفعة أمام الدولار لأصبحت تكاليف التصنيع محلياً تسمح لكثير من الأسواق المستهدفة الاستغناء عن الاستيراد من تركيا بصناعة محلية بديلة أو على الأقل استبدالها بمصادر منافسة من مناشئ ودول أخرى اقل كلفة.قد لا يكون السبب السابق هو الدافع الاقتصادي الوحيد لانخفاض أسعار العملة بمستواها العام (لغاية ٣ ليرة للدولار)، فهناك أسباب أخرى تتعلق بارتفاع قيمة الديون التركية حيث ‎بلغ إجمالي الديون الخارجية لتركيا 412.4 مليار دولار، أي ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي، وذلك وفق ما أظهرته بيانات وزارة الخزانة التركية، وأكدت الوزارة، أن ثلاثة أرباع الإجمالي من الديون يقع على كاهل القطاع الخاص، الذي يتحمل وحده 282 مليار دولار من هذه الديون مجتمعة.وكانت أرقام المديونية الخارجية التركية قد تصاعدت باضطراد مع نهاية العام 2013 حيث وصلت إلى حوالي 388 مليار دولار، يستحق قسم كبير منها الدفع خلال فترات قريبة، حيث قدر جيه.بي مورغان وهو بنك أمريكي متعددة الجنسيات للخدمات المالية المصرفية . هو أكبر بنك في الولايات المتحدة حجم الدين الخارجي التركي الذي يحل أجل استحقاقه في سنة حتى يوليو 2019 بنحو 179 مليار دولار، أي ما يعادل نحو ربع الناتج الاقتصادي للبلاد، وهو ما يشير إلى مخاطر حدوث انكماش حاد في الاقتصاد الذي يعاني من أزمة، ‎ويستحق نحو 32 مليار دولار في الفترة المتبقية من 2018 وفقا لحسابات جيه.بي مورغان التي استندت إلى بيانات البنك المركزي، وقال إن المدفوعات الكبيرة سيحل أجلها في سبتمبر وأكتوبر وديسمبر.
‎وأضافت المذكرة بما أن البنوك الأجنبية من المرجح أن تقلص انكشافها على تركيا جزئيا على الأقل، فإن تمديد أصل الدين قد يكون صعبا على بعض المؤسسات. بيد أنه أشار إلى أن الشركات لديها فيما يبدو أصول خارجية تكفي لتغطية المبالغ المستحقة عليها بالعملة الصعبة، وأن نحو 47 مليار دولار أمريكي من الدين المستحق عبارة عن ائتمانات تجارية يمكن تمديدها بسهولة نسبيا.كما إن هناك أسباب تتعلق باختلال الهيكل التجاري التركي لصالح الاستيراد و ما قد يسببه من تأثير سلبي على الهيكلية الكلية للاقتصاد التركي، حيث يدور عجز الميزان التجاري، الفارق بين الواردات والصادرات حول مستوى 85 مليار دولار سنويا، وقد بلغت صادرات تركيا في 2017 نحو 157 مليار دولار، مقابل 233.8 مليار دولار واردات وفقاً لمعهد الإحصاء التركي. بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم بسبب انخفاض قيمة الليرة المتواصل والذي قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة لمستويات قد تتجاوز كل الزيادات الحاصلة في العقود الأخيرة.
الدوافـع السياسية لتراجع الليـرة
إن الأسباب السابقة مثلت أهم الضغوطات الاقتصادية التي دفعت بالليرة إلى مستويات متدنية وان كانت مخطط لها من قبل اردوغان وجناحه الاقتصادي، لكن برز على الساحة مؤثر أخر دفع بالليرة إلى حدود تجاوزت المخطط لها ودفعها إلى سقوط حر قد يؤدي بها إلى هاوية اقتصادية، وهو العامل السياسي الذي أودى بالأمور نحو تراجع وانخفاض قيمة العملة التركية لحدود ٧ ليرة مقابل الدولار، حيث جاءت تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مضاعفة الرسوم الجمركية عن واردات الصلب إلى 20٪‏ ورفع رسوم الألمنيوم إلى 50٪‏ مسببة الضرر للصادرات التركي و التي بلغت قيمتها 1.7 مليار دولار مسببة انهيار سعر صرف الليرة التركية 19٪‏ في يوم واحد فقط، وما تبعها من تداعيات سياسية أدت إلى فرض عقوبات على كبار المسئولين الأتراك لدورهم في احتجاز القس الأمريكي.إن تغريدة ترامب لم تكن سوى قمة جبل من التقاطعات السياسية، حيث يرجع جذور التباين والخلاف السياسي بين تركيا و أمريكا إلى سنوات سابقة وتراكمات لمواقف متعددة من كلا الجانبين، ويمكن إيجاز بعض نقاط الخلاف بما يلي .
•الموقف التركي المتغير اتجاه إسرائيل وما خلفته من فجوة في العلاقات الدبلوماسية التركية والإسرائيلية منذ فترة ليست بالقصيرة اعتبرتها الولايات المتحدة الأمريكية تغريد خارج السرب الغربي وضرب مباشر للإستراتيجية الأمريكي في دعم وتأمين امن ووجود إسرائيل كأولوية قصوى في قمة أولوياتها.
•الحقد المتنامي بين تركيا وأميركا في الفترة الأخيرة.والذي له الكثير من الاسباب والبواعث منها دعم أميركا للأكراد في سوريا، المقربين من الأكراد الانفصاليين في تركيا، كان مسببا في تدهور العلاقات التركية والأميركية. وكنتيجة لذلك، أوقف الطرفان معاملات الفيزا بينهما بعد أن احتجزت تركيا أحد الموظفين في القنصلية الأميركية لمشاركته في عملية الانقلاب الفاشلة. والاتهامات المتكررة من قبل الولايات المتحدة الأميركية أيضًا لتركيا بخرقها لحقوق الإنسان، وتركيا نقمت على واشنطن بعد أن رفضت تسليمها فتح الله جولين، الداعية التركي الذي حسب زعم أردوغان كان المدبر الرئيس للانقلاب الفاشل.
•برود التعاطي الأمريكية مع قضية الطائرة الروسية التي أسقطتها الدفاعات التركية و ما تبعها من ضغط روسي مباشر على تركيا، أجبرت اردوغان في نهاية المطاف على تقديم اعتذار رسمي على إحداث سبق وان تعامل معها اردوغان بأسلوب المقتدر، لكن حجم الضغط الروسي والتلويح بل التصريح في إمكانية إن تؤول الأمور إلى الخيار العسكري أجبرته على الاعتذار، دون إن يكون هناك تدخل مباشر أو ضغط أمريكي لصالح تركيا.
•الضجة التي أحدثتها واشنطن حول نية تركيا الحصول على منظومة أس-٤٠٠ الروسية مؤخرا من قبل الأتراك وتعتبر المنظومة واحدة من أجود أنظمة الدفاع الجوية. حتى إن روسيا تدعي أن هذه الصواريخ بإمكانها استهداف الطائرات، وصواريخ كروز، وصواريخ متوسطة المدى، وطائرات بدون طيار وأنظمة مراقبة جوية، بالرغم من أنه إلى الآن لم يتم تجربتها كليا داخل المعارك. الأمر الذي اعتبرته أمريكا محاولة لاستقلال القرار العسكري التركي،
وقد انخرطت الحكومة التركية والولايات المتحدة في محادثات حول هذه القضية منذ كانون الأول عام 2017 على الأقل، استخدم البيت الأبيض وزارة الدفاع الأمريكية فيها تهديدات متكررة بالعقوبات إلى جانب عرض تحسين في نظام الدفاع الصاروخي باتريوت أو نظام سامبا-تي الاوروبي المتوافق مع معدات الناتو، لكن الحكومة التركية قاومت الضغوطات، وتمسكت بالنظام الروسي، الذي يأتي مع امتيازات متقدمة لنقل التكنولوجيا، إضافة إلى ميزات تنويع المحفظة الدفاعية التركية.
•الأزمة الناشئة عن الامتناع الأميركي عن توريد طائرات إف-35 إلى أنقرة، فرغم كون أنقرة عضوا في ائتلاف تصنيع المقاتلة الأمريكية، بما يعني أنها أنفقت مليار دولار على الأقل على رحلة تطوير الطائرة، و أن هناك 10 شركات تركية تشارك في مراحل مختلفة لإنتاج وتجميع وتشغيل الطائرة، وحتى مع الاحتفال بتسلم أنقرة لأول مقاتلين في حفل في ولاية تكساس الشهر الماضي ووصول أول دفعة من الطيارين الأتراك إلى أريزونا لأجل التدريب، يسعى الكونغرس الأميركي لمنع أنقرة من الحصول على الطائرة وطردها من التحالف المُصنِع بشكل كامل .
الذراع الاقـتصـادي للسـياسـة
إن المشاكل والمقاطعات السياسية والعسكرية بين أنقرة واشنطن خلال السنوات السابقة كان لها أكثر من مراقب على المستوى الداخلي والخارجي، من مستثمرين ورجال إعمال، عملوا على قراءة المشهد وربطه باتجاه التأزم الحتمي في علاقة أمريكا بتركيا مما دفعهم إلى كبح اندفاع الاستثمار نحو السوق التركية خلال السنوات السابقة ، وهذا ما استغله ترامب في ضغطه الاقتصادي على تركيا حيث استخدم أقوى اذرع السياسة بطشاً وفتكاً وهو الذراع الاقتصادي والذي طالما ضربت به أمريكا خصومها وتمكنت من خلاله إلى تحطيمهم من الداخل، فيما أدى تعاطي اردوغان مع أزمة القس الأمريكي إلى الازدياد في زعزعة الثقة في الليرة، حيث طالب اردوغان الشعب التركي بدعم العملة في ثلاث خطابات لثلاثة أيام متتالية وتكلم في خطبه عن عدو مجهول في حرب الاقتصادية قائمة و ذكر في انه سيعتمد على الشعب وعلى الحق وعلى الله في مواجهة الدولار الأمريكي، دون طرح أي آلية أو خطة عمل لمواجهة الانحدار السريع لليرة، أو أن يطمئن المستثمرين أو حتى الشعب على استقرار الاقتصاد التركي ومتانته، بل العكس هو ما حصل فقد قادت تصريحاته هذه إلى نتيجة عكسية أدت زيادة الاضطرابات في قيمة الليرة التركية، التي تتراجع بشكل متواصل منذ أشهر.

* باحث اقتصادي

المشـاهدات 334   تاريخ الإضافـة 24/10/2018   رقم المحتوى 9153
أضف تقييـم