السبت 2018/11/17 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
مسائل في النزاعات التجارية للولايات المتحدة وتنافسها مع الصين
مسائل في النزاعات التجارية للولايات المتحدة وتنافسها مع الصين
رأي
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

*د. أحمد ابريهي علي

 تحاول هذه الدراسة المختصرة وضع النزاعات التجارية للولايات المتحدة منذ عام 2017 في سياقها التاريخي واطارها العام، مع التركيز على الشراكة والتنافس بين الصين والولايات المتحدة لدورها القيادي في التطور المرتقب لاقتصاد العالم. 
العجز التجاري للولايات المتحدة الأمريكية: يفسر عجز الميزان التجاري السلعي وميزان المدفوعات الجارية، صادرات واستيرادات السلع والخدمات وتدفقات الدخل من والى الخارج، بخصائص الاقتصاد ومرحلته في التطور وسياسات الاقتصاد الكلي التي اعتادت عليها الولايات المتحدة الامريكية. تلك السياسات التي تؤدي الى عدم التوازن بين الاستثمار والادخار او عدم كفاية الادخار المحلي للاستثمار، وتنعكس هذه الفجوة في ميزان العمليات الخارجية الجارية. وتتطلب تدفقات مالية صافية من الخارج لسدها. وفي آذار، مارس عام 2018 أصدر الرئيس الامريكي امرا تنفيذيا لإعداد دراسة حول العجز التجاري الامريكي مع توالي التصريح بان الولايات المتحدة منخرطة في علاقات تجارية ليست عادلة مع الشركاء الدوليين وهي مقدمة لتبرير فرض رسوم كمركية وممارسة ضغوط لتقليص عجز الميزان التجاري السلعي خاصة مع الصين وتعديل العلاقة مع اوربا لصالح الولايات المتحدة. ويتنافى هذا التوجه مع ما يسمى توافق واشنطن، عام 1984، حول تحرير الاسواق والانفتاح التجاري والمالي، والذي اسس لمرحلة تميزت بانحسار دور الدولة واندماج اسواق الدول الناشئة صناعيا بالجزء المتقدم من العالم. ويستعيد التوجه الامريكي الجديد الوطنية الاقتصادية بالصيغة المركنتيلية ويجافي الاسس التي قامت عليها منظمة التجارة العالمية الى حد كبير. والمعروف ان العجز التجاري السلعي الامريكي ظهر واخذ بالتزايد منذ اواخر ستينات القرن الماضي وليس جديدا بل صار من خصائص عمل الاقتصاد الامريكي. وكان في البداية يغطى من فائض ميزان تجارة الخدمات، لكن استمرار تنامي استيرادات الولايات المتحدة وقصور صادراتها السلعية ادى بالنتيجة الى عجز مزمن في الحساب الجاري لميزان المدفوعات. في عام 2017 استوردت الولايات المتحدة سلعا بحوالي 2.4 ترليون دولار وصدرت سلعا قيمتها 1.6 ترليون دولار تقريبا، وبذلك وصل العجز التجاري السلعي 811 مليار دولار، الى جانب فائض في ميزان تجارة الخدمات بمقدار 242 مليار دولار. يمول عجز الحساب الجاري بصافي تدفقات مالية من الخارج، وتجري هذه العملية تلقائيا لأن منشأ العجز فجوة الادخار حيث الطلب على رؤوس الاموال الإضافية يتجاوز الادخار المحلي من جميع المصادر. ولذا ترتفع اسعار الفائدة او العائد على الاستثمار المالي ومع سعر الصرف العائم وحرية التدفقات المالية تستقبل الولايات المتحدة ما يكفي من الاموال الاجنبية لسد الفجوة. وبذلك يتجاوز مجموع الانفاق الدخل القومي، الوطني، وتستمر هذه الظاهرة، وبمرور الزمن تتراكم رؤوس الاموال الاجنبية في الولايات المتحدة وتزداد مديونيتها الخارجية، لكن الدين الخارجي بأجمعه ادوات استثمار مالي في الدولار وهذه الادوات متداولة في السوق وجدارتها الائتمانية عالية. وما يدعم استمرار هذه الآلية الثقة بالموجودات، الاصول، المالية الدولارية التي ينظر اليها بانها ملجأ آمن. ويلاحظ، بهذا المعنى ان 65 بالمائة من الاحتياطيات الدولية للبنوك المركزية في العالم مستثمرة بأدوات مالية بالدولار، وخاصة اوراق الدين الحكومي الامريكي، ومنها ودائع في الجهاز المصرفي الامريكي.
 من جهة اخرى ثمة علاقة ضرورية بين توسع الولايات المتحدة في عرض الدولار والاصول المالية الدولارية واستدامة عجز الحساب الجاري. وتزايد قلق الولايات المتحدة حول المستقبل من احتمال اقتناع الصين بتطوير مركز مالي دولي بعملتها ومنافسة الدولار في اجتذاب احتياطيات البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية نحو ادوات الاستثمار المالي بالعملة الصينية.
 بيد أن البنية الاقتصادية للصين لا تناسب هذه الوظيفة مع اعتماد تنميتها الاقتصادية على قيادة الصادرات الصناعية للنمو، وتتضمن هذه الاستراتيجية ميل الاقتصاد نحو الفائض الخارجي. وبذلك لا يستخدم الاقتصاد الصيني تدفقات مالية صافية من الخارج لأن التدفقات المالية نحوها لا بد من إعادة تصديرها للخارج اضافة على الفائض الذي اعتاد الاقتصاد الصيني على توليده. والى الآن لا توجد اسواق في الدول النامية والناهضة قادرة على استيعاب هذه المقادير الضخمة من رؤوس الاموال وبالنتيجة سوف يعاد الجزء الاكبر من الأموال التي تستقطبها الصين الى الولايات المتحدة الامريكية. بتعبير آخر ان مخاوف الولايات المتحدة الامريكية مبالغ بها ومن غير المتوقع منطقيا منافسة الصين لها على المستوى المالي الدولي في المستقبل القريب. 
 ان الطلب الخارجي على الدولار والاصول المالية الدولارية يرفع سعر صرف الدولار تجاه العملات الاخرى فترتفع كلفة الصادرات الامريكية، وتصبح اسعارها مرتفعة في الخارج. وفي نفس الوقت تنخفض اسعار المستوردات وبالنتيجة تكون التدفقات المالية الداخلة معادلة للعجز التجاري الذي احدثته او اسهمت في احداثه عبر رفعها لقيمة العملة الامريكية. وان خفض العجز التجاري دون معالجة الاختلال الاقتصادي الكلي الذي انشا العجز، وهو فحوى سياسة الرئيس ترامب، قد تكون له آثار سلبية.
ان النمو الاقتصادي ومتوسط الاجر والانتاجية وسواها ليست نتاجا للعجز التجاري بل هي محصلة السياسات الاقتصادية وأثرها في السلوك الاقتصادي للمستهلكين والمنتجين وقرارات الاستثمار وسواها. نزاعات تجارية بين الولايات المتحدة والدول المتقدمة:
 استندت الحكومة الامريكية في سياستها الجديدة على ان اتفاقيات التجارة الحرة قد اسهمت في زيادة العجز التجاري مع بعض الشركاء. و تركز حزمة الإجراءات التي باشرتها ادارة الرئيس ترامب على العجز الثنائي في الميزان التجاري وله الاولوية الاولى وتلك مقدمة لتبرير اعادة التفاوض الثنائي مع الشركاء التجاريين. وتتضن هذه المقاربة، الجزئية، تعمّد التقليل من اهمية العوامل والسياسات الكلية المسؤولة عن العجز.
تعود بداية النزاعات التجارية للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الاولى الى قانون التعرفة الكمركية عام 1930 الذي يشار اليه باسم Smoot-Hawley الذي كان بداية لحرب تجارية عولمية والتي يعتقد انها عمقت الكساد الكبير آنذاك. وقد صدر القانون لمساعدة المزارعين المثقلين بالمديونية بعد انخفاض اسعار الحاصلات الزراعية والاراضي، ثم توسع العمل بالقانون ليشمل آلاف السلع من قطاعات مختلفة. ولقد انخفضت مستوردات الولايات المتحدة بتطبيق القانون لكن الدول الأخرى ردت بإجراءات انتقامية ادت الى انخفاض صادرات الولايات المتحدة بنسبة 60 بالمائة. 
 وتمثل حرب الدواجن محطة مهمة في النزاعات التجارية مع الجماعة الاقتصادية الاوربية، لاحقا الاتحاد الاوربي، بعد رفع التعرفة الكمركية على مستورداتها من الدواجن عام 1962. وبعد فشل مفاوضاتها مع الاوربيين ردت الولايات المتحدة عام 1963 برفع التعرفة على مستورداتها من البطاطا وسلع اخرى والساحبات الصغيرة والتي بقيت الرسوم الكمركية عليها بنسبة 25 بالمائة الى الآن ما لم تخفّض او تعلّق في سياق اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية.
يتبع

المشـاهدات 10   تاريخ الإضافـة 06/11/2018   رقم المحتوى 9378
أضف تقييـم