الثلاثاء 2018/11/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
القصة القصيرة ..سرد نثري يعتمد على خيال القاص وثقافته
القصة القصيرة ..سرد نثري يعتمد على خيال القاص وثقافته
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

(اعترافات على حافة البرزخ) مجموعة قصصية للقاص (علي خضر الساعدي) صدرت عن دار الغدير للطباعة والنشر / العراق – البصرة /عشار وهي من القطع المتوسط تضمنت (14) قصة هن على التوالي/ ليلة استشهاد.. نعيمة /واحدة من النساء/ بيت في مؤخرة الزقاق/ اعترافات على حافة البرزخ / اسيرة بر جريرة / احزان ام/ شكوك متهمشة/ اجنحة المغفرة / هيلة طهرتها الدماء/ رغبة منسية/ معذرة ..يا أبي / رنة الخلخال/ اخر ايام الجنون/ الحوذي.. مات او موت المروءة..

 

قراءة / احمد البياتي

تمثل عرضه القصصي بترتيب الجوهر للواقع الخارجي تارة من حيث الواقع وتارة اخرى من حيث المتخيل وبذلك تمكن من تحقيق الجوهر واستطاع ان يوصلنا وصفة الى المدركات الذهنية لمكنون الشخصية من خلال التصوير والوصف، كما ان هنالك ميزة للقاص لفتت انتباهي الا وهي انه لم يترك القارئ منتظرا للنهاية وانما جعله مسايرا له من خلال اصطحابه للاحداث والحالات المختلفة التي سطرها في سرده, وبذلك جعله متابعا بشغف ليكتشف بنفسه النهايات, والمعالجة عنده ليست سكونية وانما اعتمد تحريك فكر القارئ عند قراءته اذ اسطاع ان يدخله في حدود عالم القصة باعتماده على التقاط زوايا الحدث وكشف ابعاد الشخصية ليعطي السمات الاساسية لما يسعى لتوضيحه واظهاره كي يعي القارئ واقعه الاجتماعي.
في قصة (احزان م) ص 32 يقول:
(لم تكترث لوجودي خلفها وظلت هاجعة, سألتها متطفلا عمن دفن في هذا القبر؟ رفعت نحوي عينين واسعتين خاليتين من اي بريق, ونبست: انه ولدي، ثم اشارت على ان ادنو الى جوارها, فأخذتني الذكرى فجأة, لصورة والدتي الراحلة, وهي تنتحب الى جوار قبر اخي الصغير الذي رحل بحادث غرق في النهر قبل سنة خلت) .
المتن السردي في هذه المجموعة كان متنوعا في عرض الصور المتداخلة, اذ ادلى بدلوه بمهنية واحترافية, فالوضوح والمصداقية في السرد كان له الاثر الكبير في اثراء نصوصه القصصية من حيث المفردات واستخدامه للغة الوسطى التي كانت مفعمة بالتألق التعبيري, فالقصة عنده غوص في اعماق الواقع والتي من خلالها كشف عن العلاقات الخفية التي تتحكم بمصير الانسان وحركته.
في قصة (اجنحة المغفرة) ص42 يقول:
(ضاق به الافق منزويا شارد الذهن, يحاول ان يطرد مخاوفه المحتدمة في مخيلته, لكن همه ازداد كل بعيد سأل نفسه: لماذا اعترض على هذا الزواج؟ وانا اعامله مثل ابي: وقد انذرتني انها سوف تتزوجه سواء رضيت ام ابيت, وهي بانتظار ردي اليس الزواج اشرف من علاقة آثمة).
القصة الجيدة تكون ذات مقدمة تقود القارئ الى الاحساس بأنه ازاء عمل حي وجو فني متكامل ومن عناصرها البداية الناجحة اما النهاية ففيها يمكن التنوير النهائي للقصة كونها اللمسة الاخيرة التي تمنح الكشف عن المفاجأة, لذلك تنسج الحبكة القصصية من اليومي المتكرر ومن المعاش الراهن وهذا ما يقود القاص الى التفاعل بعمق مع الواقع لينقل بشكل سردي متتابع شخوص وابطال قصته باشكال متعددة من خلال مبنى حكائي ويزجها في عوالم مختلفة. 
في قصة ليلة استشهاد.. نعيمة ص1 يقول:
(تسمر باديم الارض التي انجبته, اسمر بلون الحنطة, يتدلى بارجوحتها معلقا بحبالها, ايامها حبلى, مخاضها عسير لا تلد الا الموت الذي يخافه, يجوب الازقة, يحصد الابرياء, كره ان يطال احد من اسرته.. البارحة حل عليه في المنام ملك  الموت (عزرائيل) ضيفا ثقيلا, يخيره, يعرض عليه ثلاثة مناديل ملونة, فأختار الاصفر, فهمه, سخر منه قائلا مالك يا احمق, لا تبخس فطرتها! فهذه روح حليلتك).
ومن خصائص القصة ايضا التكثيف والايجاز والتلميح ليكون التأثير مجسدا  في وقت واحد, بمعنى انه يجب على القاص ان يحقق التجريب والتجريد عبر تمثل الواقع. ولذلك كان القاصي علي في هذه المجموعة قد عرض موضوعاته باسلوب فيه القدرة على العطاء والايحاء وبجو مشحون بالرؤى والافكار والاحلام والوجع والمشاعر مع امتياز لغته بالسهولة والطواعية وبذلك اعطى حسب ادواته وامكاناته القرائية, كما كان موفقا الى حد ما في المبنى الحكائي لمجمل الاحداث التي جسدها زمانا ومكانا واعطى للشخصيات ردود افعال تجري في سباق متصل.
في قصة (اخر ايام الجنون) ص 65 يقول: 
يحاول ان تتأقلم مع المحيط الذي لم تألفه من قبل لقد حجرت فيه قسرا. انثى مسلوبة الارادة تتخطى في الردهة وسط صيحات النسوة المعتوهات, يطلبن ويرقصن متلبسات بمثل ما تلبست به يقاسمنها العشرة يقبعن ضائعات ضائعات في قبو النسيان.. لقد تبعثر كل ما ادخرته من حيل في ذاكرتها للدفاع عن نفسها ولم تفلح  وشعرت بانها ضائعة مغلوبة, ان عقارب خبثهم قد هجمت عليها تلدغها بضراوة).
حاول القاص علي ان يجعل من قصصه محطات تأمل ثرية للشكف عن التفاصيل الحسية  التي تعتري الانسان وهو يعيش واقع مرير وهذا يتضح بشكل جلي من خلال الحبكة للاحداث من حيث البناء والصياغة, اذ انه التقط تفاصيل حيوية ومهمة ونظم وصقل مادته في تدبر ووعي فني عميق ليدخلنا في عالم متشابك فيه الرؤى والمواقف والافكار, ففي الوصف كان يمثل تجسيدا لمظاهر افعال الشخصيات حيث انه نقل لنا بشكل سردي التتابع في تقديم اشكال متعددة للتجلي الزمني من خلال المبنى الحكائي.
في قصة (معذورة .. يا ابي) ص56 يقول:
(طرق باب سمعها نباح الكلاب, وهي تنذر بقدوم المساء بوحشته, يغطي هامات البيوت بعباءته السوداء, مثل كحل استقر على اطراف جفون زنجية طروب بلهاء, صحت من نومها مفزوعة, هجعت واستكانت حين جن الليل بحلكته السرمدية, مسترخية بأمان, دخل عليها والدها ساهي البال بعيون متعبة ذايلة, يتوكأ على عصا الشيخوخة يتباطأ , (ردينة) – أراني قد كبرت وبدت الرجفة واضحة على اطرافي, كما ترين).
البيئة القصصية لا تكمل الا بدراسة الوحدات والعناصر المركزية الاخرى كالجوانب الفكرية والجمالية, وفيما يخص عناوين قصصه فقد اعتمدت على عنصر تشكيل الدلالة, فثمة عناوين تحيل الى مضمون القصة او استمدت من مغزاها, فأغلب العناوين تختلف من ناحية البناء اللغوي لمشاهد الحدث وبذلك اضفت عليها عنصر الادهاش, كما ان نسقه السردي كان ضمن مسار متعدد اذ روى الحدث ضمن اشتراطة مناورا بادواته ومحاولا تغيير زوايا الواقع بثنائية قديرة وهما الوعي والحبكة.
في قصة (رغبة منسية) ص 52 يقول:
(نضع عقله وادرك من حوله, بعد ان شب عن الطوق وصار رجلا. لكنه ضعف اسير بساطته العفوية, فتلاشى طموحه,  ولم يستطيع ان يجد من عبث الاقدار في تلك الايام السود, لقد سرقته بغفلة.. لا عذر لها, لقد تزوجت من غيري, لا بل شتمتني! كونها اطول مني باعا, ابوها رجل ثري مقتدر, وانا ضعيف).
العمل السردي يخضع لجملة شروط منها الواقع والوضع الاجتماعي والتاريخي الذي ينشأ فيه العمل, لذلك يكون كاتب القصة فنان اجتماعي فهو شاهد حي للانعطافات التي تحدث في المجتمع وبذلك حتما سيكون ملتحما معها باعتباره جزءا من المجتمع ويتوجب عليه الادلاء برأيه, ولذلك يكون البطل من اكثر العناصر او الوحدات اهمية في بناء الشخصية . كما ان اهم ما تقتضيه مقومات القصة هو لحظة التنوير والكشف.
ختاما: القصة وجهة نظر ذاتية تتخذ موقعها من الحياة, قدم لنا القاص علي في هذه المجموعة اضمامة ممتعة ونافعة من خلال الافكار التي طرحها وبلغة مبسطة ومركبة الدلالة وتمكن عبرها من توجبه طاقات التأويل الى مديات بعيدة تتوغل في الغائر النفسي للقارئ وبذلك حصن قصصه من الترهل والاسهاب اذ كان موقنا ان القص يحتاج الى ثقافة مكثفة ورصينة واطلاع واسع عن كيفية استخدام آليات القص الجيد.

المشـاهدات 114   تاريخ الإضافـة 08/11/2018   رقم المحتوى 9521
أضف تقييـم