الخميس 2019/1/24 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
أقصر الطرق إلى عقل الجمهور وقلبه
أقصر الطرق إلى عقل الجمهور وقلبه
شؤون عراقية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

*د . نضير الخزرجي

من المفروغ منه أنَّ من لا يعرف المهاتما غاندي المتوفى سنة 1948م لا يعرف حقيقة الهند المعاصرة وتاريخها ونضالها من أجل الإستقلال عن الإحتلال البريطاني، ومن لا يعرف أبو الكلام آزاد المتوفى سنة 1958م هو الآخر لا يعرف حقيقة الهند المعاصرة، وهو الذي يمثل الوجه الثاني من عملة تحرير الهند، لكن العالم ذكر غاندي وأحياه وتجاهل أبو الكلام وأماته، واسهمت مقررات التعليم في البلدان العربية والإسلامية في طمس حقيقة نضال قادة المسلمين في تحرير الهند.
أبو الكلام آزاد المولود في مكة المكرمة وعاش حياته في الهند وتنقل في البلدان بين بغداد والقاهرة وغيرهما، وهو رئيس حزب المؤتمر الهندي لدورات عدة والذي كان يتزعمه غاندي، أولها سنة 1923م يوم كان عمره 36 عاما، وكان ممثلا عن حزب المؤتمر في مجلس الأمة الهندي ووزيرا للتعليم حتى رحيله.
أبو الكلام ولد تحت اسم محيي الدين أحمد بن خير الدين، ولكن أخذ كنيته لشهرته في الخطابة وتضلعه في الكتابة والتأليف، و”آزاد” أي الحر، لأن أبا الكلام آزاد منذ شبابه ناضل بلسانه وقلمه بالضد من الإحتلال البريطاني وكان يدعو الى الحرية، وكان حصانه في هذا المضمار الشاق لسانه، يتنقل في المدن الهندية يخطب هنا ويخطب هناك داعيا المجتمع الهندي بأطيافه إلى التحرر من ربقة الإحتلال، كان خطيبا مفوها صاحب قلم جذاب استاءت منه الحكومة البريطانية فوضعته تحت الإقامة الجبرية لسنوات أربع ونفته في مدن الهند البعيدة وسجنته لسنوات ولاحقته وأغلقت ما كان يصدره من صحف ومجلات أين حل وانتقل؟، مثل مجلة الندوة والوكيل والهلال وغيرها، ناهيك عن تفسيره “ترجمان القرآن” فسّر فيه خمسة عشر جزءًا من القرآن الكريم وهو في السجن، وأعظم ما كانت تخاف منه هو لسانه ومنطق خطابه، وبهذا العضو الصغير قاد بمعية غاندي الهند الى التحرر في بحر جماهيري فيه المسلمون أقلية وسط أكثرية هندوسية، وهو الخطيب المسلم الذي زرع الأمل في قلوب مليار إنسان في إمكانية التحرر من الإحتلال البغيض.
ولكن سحابة الأسى تخيم على القلب، فما فتئ العالم حتى يومنا هذا يتناقل اسم غاندي ويؤلف فيه العشرات بل المئات من الكتب وبلغات حيّة ومحلية، وبخل على خطيب نهضة الهند الكبرى، وواضع أسس مناهجها التعليمية.
الخطابة رئة الكلام
في العادة يُنسب الكلام المسطور الى القلم أو المحبرة أو اليراع وما شابه ذلك من أدوات الخط وتقييد الكلام وتسجيله على الرقيم الطيني في غابر الأزمان وعلى جلود الحيوانات في أواسطه وعلى الورق المصقول في القرن الماضي وعلى الشاشة الضوئية (الإلكترونية) في حاضرنا الى جانب الورق، وأما الكلام الذي يطلقه اللسان فهو في واقعه رئة المقال والكلام عند محتشد المقام، وكما يستفيد العالم والمتعلم والجاهل من الكتاب المسطور فإن المجتمع يستفيد من الكتاب المنطوق وهو الخطابة أيما استفادة، على أن الكتاب المنطوق الأكثر تأثيرا وسعة إن أحسن المتحدث بيان خطابه، ولهذا كانت لكل نهضة أو ثورة وعلى مدى التاريخ خطيبها ومتفوهها، فربما أخذ الناظم مقام الخطيب في التأثير على المجتمع أو الأمة بقوافيه التي يصدح بها في النوادي، وربما جمع الخطيب إلى كلامه النظم، فيأتي تأثيره مضاعفا، وربما جمع المتحدث بين النص المقدس والنص البشري، فيأتي البيان المنطوق أكثر وقعا على النفس والمجتمع، وأفضل من يمثل هذه  الطبقة هم الأنبياء الذين يلقون على الأمة آيات الله ووحيه، ولهذا إذا نظرنا الى دورهم في استنهاض الأمة وانتشالهم من براثن الشرك وظلام الجاهلية، فهم في حقيقة الأمر خطباء من الدرجة الممتازة، وهذا يعكس خطورة الخطابة ودورها في حياة الأمة، ولهذا ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يؤدي عن الله عزَّ وجل فقد عبد الله وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان)، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: “إن الخطابة كانت وما زالت خطيرة لها تأثيرها المباشر على الجماهير وبالأخص إذا استخدم الخطيب أدواته الصحيحة، وتمكن من السيطرة على عقول الناس، وكان مسلَّحا بسلاح العلم والمعرفة، وموشَّحًا بوشاح التقوى والهداية، فإن كلامه سيكون نافذًا إلى القلوب والعقول، ويأخذ طريقه إلى السلوك والأفعال، ويبني بذلك مجتمعًا فاضلا”.
ولا خلاف لدى علماء الدين والدنيا أن كل الكائنات الحية من عاقلة وغير عاقلة تتخاطب فيما بينها، ولكل مخلوق طريقته في التحاور وتبادل الكلام بين بني جنسه، وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) سورة الأنعام: 38، ولكن ما يميز الإنسان هو القدرة على التخاطب بطرق مختلفة وله أن يجدد مع الزمن ويبدع في وسائل التخاطب، وهذه الحقيقة يسجلها الفقيه الكرباسي بقوله: “إنَّ من نعم الله على عباده وعلى الإنسان بالذات والذي جعله أشرف مخلوقاته أن مكَّنه من التخاطب بالأسلوب الحضاري القابل للتطور دون سائر خلائقه الذين لم يحرموا من التفاهم فيما بين النوع الواحد”.
ووفقا لما ذكر فإنه يقرر: “من يجهل أمرًا لا يجوز له أن يتحدث فيه ليوقع الناس في الخطأ”، لأن الحديث والخطابة على غير هدى وبيّنة مظلمة للمتلقي ولهذا: “إغواء الناس بأي شكل لا يجوز”، وإذا كانت الخطابة هي جزء من رسالة الأنبياء في هداية الأمة وبيان مصلحتها وتحذيرها ما يضرها، وهي كذلك لمن أحسن القول وقدّر المنبر واحترم عقله، فمن الخير أن لا يخوض الخطيب بما لا يعلم وبخاصة الخطيب الحسيني أو الداعية الإسلامي أو خطيب الصلاة، وأن لا يدعي العلمية والحذلقة في كل باب من أبواب المعرفة، لأن منبر الخطابة رسالة وتعليم، ومن ذلك تعليم المتلقي على أن لا يقول ما لا يعلم بل وأن لا يقول كل ما يعلم، فليس من العيب أن يتوقف الخطيب عن البوح بما لا يعلم، ولكن من المعيب أن يكذب، ومن الحكمة أن يسعى ليتعلم ما يجهله، وعليه: “لا يكفي في النقل وجود النص في كتاب، فإن كان على علم بعدم صحته، لا يجوز نقله”، ويستدرك الفقيه الغديري في تعليقته: “إلا إذا كان مؤلف الكتاب من الأعاظم في الموضوع ومشهور في التحقيق والدقة العلمية”.
السياسة وسوق الخطابة
لا تعد الخطابة حكرا على رجل الدين الذي تعتبر جزءًا من حياته الدعوية وعلى إمام الجمعة والجماعة، ولا على خطيب المنبر الحسيني، فالسياسي المحنّك في أغلب الأحيان هو الخطيب المحنك، وفي البلدان القائمة نظامها السياسي على الإنتخابات والتعددية السياسية، فإن الخطابة تظهر بصورة جلية في الفترة التي تسبق الإنتخابات النيابية أو الرئاسية، حيث تدخل عاملا رئيسا ومهمًّا في حسم رأي الناس لهذا المرشح أو ذاك، ولهذا يسعى الطامح السياسي الى امتهان الخطابة والإجادة فيها، وفي بعض البلدان الغربية يدخل المرشح في دورة خطابية مغلقة فضلا عن وجود لجنة استشارية تقدم له النصائح الضرورية في المادة أو المظهر الخارجي والأسلوب بما يساعده على جذب انتباه الجمهور وكسب تأييده، لا سيما وأنه سيستمع للمتنافسين وسيكون للمدركين منه قدرة التمييز والمفاضلة.
ومع احتدام هذه التنافس المشروع على كسب رأي الناس وبخاصة عبر منبر الخطابة، فإن الجانب الأخلاقي يفترض أن يكون حاضرا، ومن الأخلاق الصدق وقول الحقيقة وعدم الكذب أو الإفتراء أو التحامل على الخصم والمنافس بما ليس فيه، ولهذا جاء في المسألة 20 من شريعة الخطابة: “لا يجوز للسياسي أن ينقل أمورًا ليست بالصحيحة لكسب الأصوات”، وزيادة في التأكيد في المسألة 21: “لا يجوز أن ينقل السياسي أو غيره أمرًا يعلم بعدم صحته تجاه منافسه أو خصمه بغرض إسقاطه أو ترسيخ موقعه”، لأن السياسي الصادق هو الذي يريد مصلحة الأمة ويؤثرها على مصلحة نفسه أو حزبه أو تياره، ولهذا تقرر المسألة 37: “يجب على الخطيب السياسي أن يضع مصلحة الأمة نصب عينيه ويصلح قدر المستطاع، ولا يجوز له أن يكذب على الشعب لمصالح ضيّقة وشخصية”.
وكما لا يجوز الإنتقاص من المخالف بما ليس فيه، كذلك لا يحق للخطيب أو المتكلم نسبة شيء للمعصوم لم يقل به حتى وإن كان يريد بذلك التأثير على المتلقي وجرّه إلى ما يؤمن به، ولهذا: “لا يجوز نسبة رواية أو حديث أو سيرة إلى المعصومين(ع) ولم تصدر منهم أو لم يقوموا بها، وفيه إثم كبير، ويجب تعزيره مع الإمكان، ومبطل للصوم إذا صدر في نهار شهر رمضان”، وفي السياق نفسه: “مَن بالغ في كلام المعصوم(ص) أو في حقَّه أثِم”، وفي المقابل: “مَن انتقص من حق المعصوم(ع) أثم”.
وحيث للمكان دوره في الخطابة، فينبغي أن يؤخذ في الحسبان مصلحة المتلقي فضلا عن مصلحة الشارع والزقاق والساكنين والسابلة وأصحاب المحلات والمتبضعين، من هنا: “يكره الخطابة في مكان يضيق على الناس شؤونهم كالشوارع والأزقة، إلا إذا كان يرضي الناس عامة، وربما حرم إذا عطّل عمل الناس”.
إن ما أورده المحقق والفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي من أحكام في “شريعة الخطابة” فيها من الأمور المهمة محورها صلاح الأمَّة عامة، يلخصها قول الإمام علي بن الحسين السجاد(ع) وهو بجامع دمشق تحت أسر الحاكم الأموي يزيد بن معاوية: (يَا يَزِيدُ ائْذَنْ لِي حَتَّى أَصْعَدَ هَذِهِ الْأَعْوَادَ، فَأَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ لِلَّهِ فِيهِنَّ رِضاً وَلِهَؤُلَاءِ الْجُلَسَاءِ فِيهِنَّ أَجْرٌ وَثَوَابٌ). وعودًا على بدء .. كم من خطيب انتشل الأمة من جهلها وقادها الى بحبوحة الإستقلال ورياض الحرية ضاع اسمه وزال رسمه!
*كاتب عراقي مغترب

المشـاهدات 49   تاريخ الإضافـة 06/12/2018   رقم المحتوى 10646
أضف تقييـم