الإثنين 2019/6/17 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
إيمانويل ماكرون .. اليميني اليساري المثير للجدل
إيمانويل ماكرون .. اليميني اليساري المثير للجدل
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* د . كمال المصري

منذ ظهر إيمانويل ماكرون  كمرشح محتمل قوي وهو مثار جدل ليس بالقليل؛ إذ كيف أمكن لهذا الشاب ذي التسعة والثلاثين عاماً، وغير المعروف في الأوساط السياسية، وغير المنتمي للأحزاب السياسية التقليدية أن ينال هذا الزخم، وأن يحوز قبول الفرنسيين؛ بل وكثير من قيادات التيارين اليساري واليميني على حد سواء في مدة لا تتجاوز12 عاماً سياسيًّا؛ ليصل بذلك أن يكون الرئيس الثامن للجمهورية الفرنسية الخامسة وأصغر رئيس في تاريخ الجمهورية؟

الحقيقة أن جزءاً من هذا يأتي من نشأته من حيث كونه من طبقة متوسطة، وكونه حقق نجاحات عدة في المناصب التي تولاها، وأثبت حضوراً لافتاً وأداءً فارقاً في المناصب التي تولاها، أشهرها دوره الرئيسي في صفقة استحواذ نستلة على أسهم فايزر التي وصلت قيمتها إلى 12 مليار دولار في عام2012م خلال عمله في بنك روتشيلد وسي»Rothschild and Cie Banque»، وكذلك فترة عمله كوزير للاقتصاد (2014-2016م) حيث تقدم لمجلس الوزراء بقانون عُرف لاحقاً بـ»قانون ماكرون» واحتوى جملة من التشريعات والإجراءات بهدف إنعاش الاقتصاد الفرنسي، واحتاج المجلس وقتها لـ 200 ساعة من النقاش بإحدى مواد الدستور لتمرير القانون.ويكمن جزء آخر من نجاح ماكرون في فقدان الشعب الفرنسي ثقته في التيارين الرئيسيين اليميني واليساري بعد ضعف أداء الرئيسين الأسبق اليميني نيكولا ساركوزي»Nicolas Sarkozy»(2007- 2012م)، والسابق اليساري فرانسوا أولاند»François Holland»(2012- 2017م). كما كان لانسحاب المرشح اليميني الأقوى فرانسوا فيون «François Fillon» من الانتخابات الرئاسية لعام 2017م بعد اتهامه بالفساد في قضية الوظائف الوهمية لزوجته دور في نجاح ماكرون خصوصاً مع بروز اسم مرشحة حزب الجبهة الوطنية «فرنسا» اليميني المتطرف ماري لوبان «Marine Le Pen” كمرشح رئيسي، وهي شخصية لا تحظى بالقبول لدى قطاعات واسعة من الشعب الفرنسي؛ بل هي مرفوضة لديهم لمواقفها العنصرية والمتطرفة. ويضاف إلى ما سبق نيل ماكرون دعم العديد من الشخصيات اليسارية واليمينية المعروفة نكاية في بعض رموز التيارين، علماً بأنني سأضع في نهاية مقالي تعريفاً مختصراً بمانويل ماكرون؛ لإلقاء الضوء على شخصيته بشكل أكبر.عرض ماكرون لموجة انتقادات في فرنسا حول السياسة الضريبية للحكومة المتهمة أصلاً بأنها «حكومة الأغنياء»؛ فيما أكدت وزارة المال الفرنسية أن «ضريبة الخروج» سيتم «استبدالها» بآلية «أكثر تحديداً للأهداف».على الرغم من تاريخ ماكرون القصير سياسيًّا سواء منذ دخوله عالم السياسة (12عاماً) أو بعد انتخابه رئيساً (سنة و7 أشهر) إلا أنه لم يخلُ من كثير من الجدل حوله؛ فماكرون لم يكن له توجه سياسي واضح لدرجة أن عدداً من المراقبين وصفوه بأنه ليبرالي اجتماعي، فيما صنفه آخرون بأنه ديمقراطي اشتراكي! بل حتى في ممارسته عند انتمائه للحزب الاشتراكي فإنه دعم اليمين في الحزب الذي ارتبط موقفه السياسي بسياسات «الطريق الثالث».ثم بعد أن أصبح رئيساً استمرت إثارته للجدل في مواقف عدة منها داخليًّا: إعلانه أنه لن يتحدث خلال يوم الباستيل(الاحتفال باليوم الوطني الفرنسي) مخالفاً بذلك تقليداً قائماً منذ مدة طويلة؛ مبرراً ذلك بأن طريقة تفكيره كانت «معقدة جدًّا» على الصحفيين، وكان استقبال وسائل الإعلام لهذه التصريحات سلبيًّا على نطاق واسع حيث قام موقع بزفيد «BuzzFeed» الفرنسي بنشر مقالة بعنوان: «عشر جمل معقدة جدًّا قالها ماكرون، عذراً أيها المغفلون»!.في آيار الماضي أعلن ماكرون أن ضريبة الخروج»Exit Tax» المفروضة على الأغنياء الخاضعين للضرائب والمنتقلين إلى الخارج، هي بمثابة «رسالة سلبية لرجال الأعمال»، مؤكداً السعي لإلغائها، وعلى خلفية هذا التصريح تعرض ماكرون لموجة انتقادات في فرنسا حول السياسة الضريبية للحكومة المتهمة أصلاً بأنها «حكومة الأغنياء»؛ فيما أكدت وزارة المال الفرنسية أن «ضريبة الخروج» سيتم «استبدالها» بآلية «أكثر تحديداً للأهداف». والملاحظة الملفتة هنا هي أن ماكرون نفسه ابن الطبقة المتوسطة؛ لكنه، بعد أن أصبح رئيساً، أخذ يفكر ويتصرف لمصلحة طبقة الأغنياء وكأنه أحد أبنائها!.في مطلع العام الحالي قامت الحكومة بزيادة أسعار الوقود والضرائب المفروضة عليه23بالمائة على الديزل و14بالمائة على البنزين، ولم تكتفِ الحكومة بذلك؛ بل إنها ترغب في رفع الرسوم من جديد مطلع العام القادم، في إهمال جديد لغير طبقة الأغنياء.وبسبب النقطتين السابقتين اندلعت منذ الشهر الماضي التظاهرات الشعبية غضباً واحتجاجاً فيما عُرف بحركة السترات الصفر ، والتي تندد بارتفاع تكاليف الوقود وتغيير نظام دفع الضرائب والسياسات الاقتصادية عموماً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.ومن التصرفات المثيرة للجدل لماكرون خارجيًّا التالي: بينما كان ماكرون يتحدث في قمة مجموعة العشرين في هامبورج عام2017م، سأل مراسل من ساحل العاج ماكرون عن احتمال سياسة مشابهة لمشروع مارشال الاقتصادي الأمريكي التي يتم تنفيذها في أفريقيا، أجاب ماكرون قائلاً: «المشاكل التي تواجهها أفريقيا اليوم مختلفة تماماً، وهي حضارية»؛ ثم تابع معترضاً على النساء الأفريقيات اللواتي ينجبن «سبعة أو ثمانية أطفال». هذا التصريح خلَّف تعليقات سلبية واتهامات لماكرون بالعنصرية، عوضاً عن كشفه عن جهله؛ لأن إحصائيات البنك الدولي تشير إلى غير ذلك.موقفه من حفتر: فاجأ ماكرون الجميع بمخالفته التوجه الغربي والأوروبي تحديداً بدعمه للواء الليبي المتقاعد والمنشق في ليبيا خليفة حفتر ما أثار حفيظة الجميع.موقفه من وقف تسليح السعودية: وسط حديث العالم عن ضرورة وقف تسليح السعودية في حرب اليمن على خلفية قتل جمال خاشقجي، خرج ماكرون بتصريح مفاجئ آخر؛ حين فصل بين بيع الأسلحة للسعودية وقضية خاشقجي، معتبراً أن «الدعوة لوقف بيع السلاح» إلى الرياض هي «من باب الديماغوجيا البحت»!، وغني عن القول أن الديماغوجيا الحقيقية هي الفصل بين الأمور في مسألة تتعلق بشخص واحد هو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.تظاهرات ذوي السترات الصفراء قد هزت كثيراً ما تبقى من مكانة ماكرون؛ والتي ما زالت تتصاعد وتزداد؛ ما يعني تداعيات أخرى على ماكرون، ومن يدري ربما تقضي على مستقبله كأصغر رئيس لفرنسا!.والآن مع تصاعد الأحداث في فرنسا، وخضوع الحكومة في فرنسا لمطالب ذوي السترات الصفراء، والذين، بالرغم من ذلك، لم يوقفوا احتجاجاتهم؛ بل رفعوا سقف مطالبهم لتصل إلى المطالبة باستقالة ماكرون نفسه. ومع مواقف ماكرون السابقة وغيرها كانت سبباً في انخفاض شعبيته بدرجة كبيرة في استطلاعات الرأي وصلت في 25 بالمائة وفق الاستطلاع الذي أجرته مجموعة أبحاث «إيفوب» ونشرته في 18تشرين الثاني الماضي.مع ما سبق غدا مما لا شك فيه أن تظاهرات ذوي السترات الصفر  قد هزت كثيراً ما تبقى من مكانة ماكرون؛ والتي ما زالت تتصاعد وتزداد؛ ما يعني تداعيات أخرى على ماكرون، ومن يدري ربما تقضي على مستقبله كأصغر رئيس لفرنسا! كل ما يمكن قوله هو أن إيمانويل ماكرون يحصد الآن أولاً ثمرة تبرُّئه من طبقته التي ينتمي إليها، وثانياً ثمن مواقفه وسياساته الديماغجية غير واضحة المعالم أو الاتجاهات.في عام 2016م شكَّل ماكرون حزبه السياسي أو لنقل حركته السياسية التي حملت اسم «إلى الأمام!En Marche!»، وهي حركة شعبية وصفها ماكرون بأنها «ثورة ديمقراطية» ضد نظام سياسي متصلب في 21 كانون الأول عام1977م وُلِدَ إيمانويل جون-ميشيل فريديريك ماكرون»Emmanuel Jean-Michel Frédéric Macron» في مدينة أميان الفرنسية في عائلة من الطبقة المتوسطة؛ حيث يعمل والده فرانسوا طبيباً ووالدته جان ميشيل أستاذة علم الأعصاب بجامعة بيكاردي. وعلى الرغم من أن والديه لم يكونا متدينين، إلا أن إيمانويل أبدى اهتماماً بالدين؛ حيث تم تعميده بناء على رغبته وهو في سن الثانية عشر، كما كان التلميذ السادس على مدرسة بروفيدانس وهي مدرسة ثانوية كاثوليكية خاصة في مدينة أميان هذه المدرسة أسسها مجمع اليسوعيين. ثم انتقل ماكرون إلى باريس ليكمل سنته الأخيرة في الثانوية في مدرسة هنري الرابع، درس بعدها الفلسفة في جامعة غرب باريس نانتير لا ديفونس»Université Paris Ouest Nanterre La Défense»وحصل على شهادة الدراسات المعمقة»DEA»، كما حاز على درجة الماجستير في الشؤون العامة وهو في الـ24 من معهد باريس للدراسات السياسة»Sciences Po»عام2001م، ودرس في المدرسة الوطنية للإدارة»École Nationale d’Administration»في ستراسبورغ بين عامي2002 و2004م.تنقل ماكرون في مساره المهني في أكثر من مجال؛ ففي2001م عمل كمساعد تحرير للفيلسوف والمؤرخ الفرنسي بول ريكور، ثم بدأ حياته المهنية في القطاع العام عام2004م عندما عمل كمفتش عام للمالية في وزارة الاقتصاد الفرنسية بعد تخرجه بفترة وجيزة، وفي عام2007 قام الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي باختيار ماكرون للعمل ضمن لجنةٍ لدعم الاقتصاد المالي الفرنسي وتحسينه، تحت رئاسة جاك أتالي»Jacques Attali»؛ حيث ما لبث أن شغل ماكرون منصب نائب رئيس اللجنة. وفي عام 2008م، دخل ماكرون العالم المصرفي والاستثماري حين تلقى عرضاً للعمل كمصرفي في بنك روتشيلد وسي؛ الأمر الذي جعله يترك العمل الحكومي الأمر الذي كلفه دفع 50 ألف يورو لينهي عقده مع الحكومة، وفي هذا البنك أظهر ماكرون تميزاً جعله يتدرج في التسلسل الوظيفي إلى أن أصبح مديراً تنفيذيًّا فيه.دخل ماكرون عالم السياسة عام 2006م عندما انضم إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي، إلا أنه ما لبث أن تركه عام 2009م؛ غير أن هذا لم يمنعه من تكوين علاقة وثيقة مع زعيم الحزب الاشتراكي فرانسوا أولاند، ولعب دوراً أساسيًّا في حملة أولاند الرئاسية؛ ليشغل بعد انتخاب أولاند رئيساً للبلاد عام 2012م، منصب نائب الأمين العام للرئاسة في قصر الإيليزيه. في عام 2014م تم تعيين ماكرون وزيراً للاقتصاد والصناعة والشؤون الرقمية في حكومة مانويل فالس «Manuel Valls». وفي عام 2016م شكَّل ماكرون حزبه السياسي أو لنقل حركته السياسية التي حملت اسم «إلى الأمام!En Marche!»، وهي حركة شعبية وصفها ماكرون بأنها «ثورة ديمقراطية» ضد نظام سياسي متصلب، تبعها تنحيه عن منصبه كوزيرٍ للاقتصاد؛ ثم ما لبث أن أعلن في أواخر 2016م عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2017م، تلك الانتخابات التي نجح فيها بعد جولة إعادة مع مرشحة حزب الجبهة الوطنية «فرنسا» اليميني المتطرف ماري لوبان وبفارق يقترب من الضعف.

* اعلامي وكاتب مصري
 

المشـاهدات 416   تاريخ الإضافـة 11/12/2018   رقم المحتوى 10717
أضف تقييـم