الإثنين 2019/6/17 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
تونس تحت تهديد انقلابٍ مدعومٍ من الخليج
تونس تحت تهديد انقلابٍ مدعومٍ من الخليج
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* ديفيد هيرست

في عام 2011 انطلقت شرارة ثورات الربيع العربي من تونس، ليمتد صداها إلى الدول العربية المحيطة، لكنَّ هذا المد الثوري سُرعان ما انحسر نتيجة الأموال التي أنفقها طغاة الخليج للقضاء على تلك الثورات في مهدها، بغية حماية عروشهم. ورغم ذلك حافظت تونس على قدرٍ لا بأس به من مكتسبات الثورة، وأسَّست لنظامٍ ديمقراطيٍ فعالٍ، وإن كان هشًا بعض الشيء. الأوضاع السياسية الجارية في تونس، وما يبدو جهودًا من الدول الخليجية ومصر للانقلاب على النظام الديمقراطي في البلاد. ويطرح تساؤلاته عما إذا كان العالم سيسمح بتكرار ما حدث في مصر وغيرها من الدول.

العلاقة بين راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية والأب الروحي الإسلامي للربيع العربي، والباجي قائد السبسي، الرئيس التونسي و«الذئب القديم» من عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. ويقول إنَّها كانت مستبعدةً كالتي توطدت بين مارتن ماكغينيس، القائد السابق للجيش الجمهوري الأيرلندي، وإيان بيزلي، الزعيم الراحل للحزب الديمقراطي الوحدوي. إذ كان الرجلان عدوين لدودين في الحرب، لكنَّهما أبرما شراكةً غريبةً في السلام.أحدهما يُؤمن بالإسلام والديمقراطية والثورة، والآخر سياسي كلاسيكي من عهد النظام القديم ماهر في عقد الصفقات. ويتألف حزبه من الرأسماليين والقوميين والعلمانيين الذين لا تجمعهم سوى الرغبة في إطاحة إسلاميي حركة النهضة من الخريطة السياسية.
بين الدستور والسلطة
أنَّ تلك العلاقة صمدت على مدار أربع سنوات رغم ذلك. وهذا الاتفاق بينهما الذي تفاوض الطرفان بشأنه سرًا في باريس عام 2013 أنهى أزمةً نتجت عن اغتيال سياسييّن يسارييّن: شكري بلعيد ومحمد براهمي. وبموجب ذلك الاتفاق، حصل الإسلاميون على دستورهم، في حين استحوذ السبسي على السلطة.ويُحسب للسبسي والرجال المحيطين به أنَّهم تجاهلوا عروضًا ماليةً ضخمةً من السعودية والإمارات وفضَّلوا الاتفاق الذي خلق نوعًا من الاستقرار السياسي في تونس.وكان لذلك التوافق مشاكله أيضًا. فحركة النهضة، وهي ثاني أقوى حزبٍ في تونس إثر انتخابات 2014 أصبحت جزءًا من الحكومة، ظاهريًا على الأقل، وبهذا اختفت المعارضة الفعالة.وانتهج حزبا نداء تونس وحركة النهضة نهجًا أمنيًا لمكافحة الإرهاب وعملا بالسياسة الكلاسيكية للحصول على دعم صندوق النقد الدولي، مما أبقى على الدولة وحافظ على حياتها بالكاد، دون تحقيق أي إنجازاتٍ أخرى. واندلعت تظاهراتٌ عنيفةٌ في كانون الثاني الماضي، في حين دعا الاتحاد العام التونسي للشغل إلى إضرابٍ عام  في 17 كانون الثاني 2019.وحين تخلَّت حركة النهضة عن شعار الإسلام السياسي، وأعلنت الفصل بين المسجد والحزب، ووصفت نفسها بالحركة المسلمة الديمقراطية، تلقت المديح من السبسي بوصفها حزبًا تونسيًا عصريًا. ولم تمر تلك الخطوة بسلام في قيادة حركة النهضة. إذ تعرَّض الغنوشي للانتقاد لتعريضه حركته السياسة ومعها الثورة للزوال.
حرب الخلافة
أنَّ الذئب القديم داخل شخصية السبسي لم يختفي مطلقًا. ونظرًا لقلقه على خلافته، مثل أي رئيسٍ يبلغ من العمر 92 عامًا، دفع بنجله حافظ قائد السبسي غير المتمرس سياسيًا إلى الواجهة بصفته وريثه الشرعي. وأدَّت رغبته في تأسيس سلالةٍ حاكمةٍ إلى إثارة الانقسام تلو الآخر داخل حزبه. وكان أول المغادرين محسن مرزوق، وهو الأمين العام لحركة نداء تونس، وشكَّل بعد انشقاقه حزبه الخاص «حركة مشروع تونس».وأدَّت الانقسامات إلى تقليص أغلبية حركة نداء تونس داخل البرلمان، مما جعل لقب أكبر أحزاب تونس يذهب إلى حركة النهضة، التي حلت في انتخابات عام 2014 في المركز الثاني بحصولها على 69 مقعدًا من أصل 217. وانشق أكثر من نصف نواب حركة نداء تونس البالغ عددهم 86 نائبًا منذ ذلك الحين. وتزايدت التوترات حين عيَّنت حركة نداء تونس يوسف الشاهد، التكنوقراطي عديم الخبرة، في منصب رئيس الوزراء، ضمن مساعيها لحل أزمةٍ سياسيةٍ أخرى.التناقض بين طريقتين مختلفتين جوهريًا في ممارسة السلطة. تنطوي الأولى على أن تكون مهمة رئيس الوزراء -أيًا كان اسمه- هي الانصياع الرئيس. وعبَّر حافظ السبسي عن ذلك بوضوحٍ شديدٍ في تسجيلٍ مُسرَّبٍ لتعليقاته خلال اجتماعٍ حزبيٍ عام 2017: «لم نضع (الشاهد) في هذا المنصب ليتمكَّن من تعيين مُعاونين لا نعرفهم أو (يتعامل) مع وزراء حركة نداء تونس بهذه الطريقة».أما الطريقة الأخرى فتتعلق بالتغييرات في تونس بعد سبع سنواتٍ منذ الثورة التي أطاحت بزين العابدين بن علي. إذ يُوجد الآن دستورٌ يضمن الفصل بين السلطات ويمنح السلطة التنفيذية بأكملها تقريبًا لرئيس الوزراء. بينما يُعد منصب الرئيس منصبًا صوريًا.أنَّ صراع السلطة تزايد بين حافظ والشاهد؛ إذ رغب السبسي في إزاحة الشاهد، لكنَّه رفض الاستقالة وتمكَّن من إقناع أعضاء الحركة في البرلمان، البالغ عددهم 43 عضوًا حاليًّا، بمغادرة الحزب معه. وأصبح تحالف الشاهد الوطني ثاني أكبر تكتلٍ داخل البرلمان.وأجبر الصراع داخل حركة نداء تونس حركة النهضة على الاختيار. وسعيًا للحصول على دعم النهضة في إطاحة رئيس وزرائه، رفض السبسي منح الحزب مرشحًا بديلًا. ورغب فصيلٌ داخل حركة النهضة في استمرار التحالف مع السبسي، لكنَّ الغالبية داخل مجلس شورى حركة النهضة رأت أنَّ وقوفهم مع السبسي ونجله سيُضعف الحكومة أكثر.وانتهى تحالف السبسي وحركة النهضة، وأعلن السبسي نهاية التحالف بعد أيامٍ من تعليق عضوية الشاهد في حركة نداء تونس، ثم رُفِعَت سلسلةٌ من الدعاوى القضائية؛ إذ زعم محامو بلعيد وبراهمي وجود «غرفة سوداء»، بها وثائق تتعلق بما زعموا أنَّه منظمةٌ أمنية سرية تُدار بواسطة حركة النهضة أو نيابةً عنها، لتدمير أي أدلةٍ على تَورُّطها المزعوم في اغتيال السياسييْن، وهي المزاعم التي نفتها حركة النهضة نفيًا قاطعًا.وأُسقِطَت تلك المزاعم خلال اجتماعٍ لمجلس الأمن القومي الحكومي عُقِد لبحث ملف هذه المزاعم، وهو الملف الذي تضمن تحريفًا في أسماء أعضاء حركة النهضة، وزُعِمَ فيه أيضًا أنَّ السبسي عميلٌ لأجهزة الاستخبارات الإيطالية.وعلى نحوٍ مُنفصل، رفع سليم الرياحي، وهو الأمين العام لحركة نداء تونس والذي أعدَّ لقاء باريس بين السبسي والغنوشي، دعوى قضائيةً أمام المحكمة العسكرية التونسية، تزعم أنَّ الشاهد خطَّط لانقلابٍ ضد الرئيس. ورفضت المحكمة تلك الدعوى يوم الخميس الماضي.
لم تبقَ إلى ثورة 
تونس في المنطقة
أنَّ كل هذه الأحداث قد تُشعر البعض بالرغبة في استنكار النهضة ونداء تونس، والنظر إلى الحركتين بوصفهما نِدَّين متصارعين على السلطة، لا يدركان شيئًا عن حياة التونسيين العاديين الذين لم يتغيَّر شيءٌ بالنسبة لهم.ويزعم بعض المحللين أنَّ الأزمة الحالية هي أمرٌ جيد؛ نظرًا لأنَّ اتفاق العلمانيين والإسلاميين حرم التونسيين من المعارضة القوية، ولأنَّ الغالبية لا تشعر أنَّ أيًا من الطرفين يُمثِّلها بالفعل.وهناك بعض العيوب في هذه الحجة. أولها أنَّ حركتي نداء تونس والنهضة لا تقفان على قدم المساواة. فنداء تونس تمتلك المال والسلطة الذين ورثتهما من النظام القديم. في حين تتألَّف الأخرى في مجملها من الطبقات المتوسطة والدنيا، وتُحاول تأسيس ديمقراطيةٍ في تونس.وإذا كان لا بُد من نقدٍ لحركة النهضة، فهو أنَّها ساومت على السلطة وتخلت عنها في مقابل الاستقرار.أنَّ وجود النهضة ما يزال رهن التهديد، وفي حال خسرت الحركة هذه المعركة، فإنَّ حظرها داخل تونس سيصبح أمرًا مرجحًا، كما حدث مع حركة الإخوان المسلمين في مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.والعيب الآخر لهذه الحجة هو إغفالها لحقيقة أنَّ ثورة تونس هي الثورة الوحيدة التي لم تفشل بعد في المنطقة؛ إذ إنَّها البلد العربي الوحيد الذي نجا فيه الربيع العربي ليُولد من رحمه تحوُّلٌ ديمقراطيٌ، رغم عيوبه. لذا تظل حركة النهضة بمثابة الحزب السياسي التونسي الوحيد الذي حافظ على تماسكه، وجزءًا كبيرًا من الدعم الذي يحظى به.وبفضل الانتخابات المحلية التونسية التي أُقيمت في وقت مُبكِّرٍ من العام الجاري، تقدمت حركة النهضة بفرقٍ واسع عن حركة نداء تونس. وحصلت النهضة في آخر استطلاعٍ للرأي على نسبةٍ بلغت 36.1%، في حين حصلت نداء تونس على 29.8%. وأظهر ذلك الاستطلاع أنَّ الشاهد سيكون أكثر شعبيةً من السبسي في الانتخابات الرئاسية.
شوكة في حلق الديكتاتوريات
ان وجود حركةٍ إسلاميةٍ سلميةٍ أثبتت مهاراتها السياسية في تونس يُشكِّل شوكةً في حلق ديكتاتوريات الخليج ومصر، التي بذلت كل وسعها محاولةً إنهاء تجربة تونس الهشة في الديمقراطية.وبينما رفض السبسي تلك المحاولات قبل أربع سنوات، على الأرجح لن يرفضها الآن؛ إذ تلقى السبسي زيارةً من الملياردير المصري نجيب ساويرس في 19 تشرين الثاني داخل قصر قرطاج «لإقامة شراكاتٍ مع عددٍ من المؤسسات التونسية». وأثارت الزيارة غضب النشطاء الذين وصفوه بـ«الأب الروحي للانقلاب المصري».في أعقاب ذلك، وصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى تونس. ورغم اندلاع احتجاجاتٍ واسعة النطاق ووصف الإعلام التونسي للزيارة بأنَّها إهانةٌ للديمقراطية التونسية إثر مقتل جمال خاشقجي؛ أشار السبسي إلى ابن سلمان بوصفه «نجله»، وأثنى على العائلة الملكية وأكَّد من جديد على «العلاقة الخاصة» بين البلدين.وأثارت الزيارة حفيظة اليساريين العلمانيين والإسلاميين المحافظين على حد السواء. واتهم منصف المرزوقي الرئيس التونسي الأسبق سلفه السبسي بـ«طلب أموالٍ لإفساد السياسة» من المعسكرين الإماراتي والسعودي. وقال: إنَّ الرئيس يرتكب «أخطاء فادحةً بتوجيه اتهاماتٍ سخيفةٍ لحركة النهضة». ويوضح هيرست أنَّ تلك الكلمات خرجت من رجلٍ شعر بالخيانة حين تخلَّت عنه النهضة لصالح السبسي.وإثر مُغادرة بن سلمان، ظل ثلاثةٌ من خواص مستشاريه في تونس. فضلًا عن توجيه أسلحةٍ ثقيلةٍ أخرى، تمثَّل إحداها في صورة السفير الإماراتي الجديد بتونس راشد محمد المنصوري.هناك دور محوري  أدَّاه المنصوري في إقناع مسعود بارزاني، الزعيم الكردي العراقي أنه إذا اختار المشاركة في استفتاء الاستقلال المنكوب ستحصل كردستان على دعمٍ من أموال الخليج. وأجرى مسرور، نجل بارزاني ورئيس مجلس أمن الإقليم، زيارةً سريةً إلى أبو ظبي قبل شهرٍ واحدٍ من استفتاء 25 أيلول.
بلدٌ صغير و أسئلةٌ كبيرة
يُمكن أن تتزايد الاضطرابات ونشهد المزيد من الاغتيالات السياسية التي لن يتأكَّد مصدرها، لكنَّ أصابع الاتهام ستتجه صوب حركة النهضة. وربما يشير كل ذلك إلى أنَّ تجربة تونس الهشة في الديمقراطية لن تستمر طويلًا.أمَّا عن الساسة الغربيين المستمرين في عقد صفقاتٍ مع الطغاة، لقد فقد الأمل في أن ينتبهوا لتبعات سياستهم تلك. ويوضح أنَّ الوقت سيبين للجميع إن كانت ثقة النهضة في أنَّ تونس أصبحت بلدا مختلفا في 2018 لها ما يبررها.في العام المقبل ستُجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية. أنَّ سيطرة حركة النهضة ورئيس الوزراء الشاهد على استطلاعات الرأي ستدفع بالسبسي وحلفائه الجدد في السعودية والإمارات إلى السعي لتغيير النتيجة.إذا كان العالم الأوروبي الذي تُهيمن عليه البرلمانات سيجلس على مقاعد البدلاء ليُشاهد تدمير البرلمان في تونس؟ وهل سيقف العالم صامتًا مرةً أخرى ليسمح لطغاة الخليج بتدبير انقلابٍ آخر وتدخُّلٍ جديد؟
* رئيس تحرير موقع 
«ميدل إيست آي» البريطاني

المشـاهدات 347   تاريخ الإضافـة 16/12/2018   رقم المحتوى 10865
أضف تقييـم