الأربعاء 2019/3/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
هل من وصفة عربية لهزيمة السترات الفرنسية
هل من وصفة عربية لهزيمة السترات الفرنسية
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* ياسر سليمان غليون

بداية عندما تتغلغل عقدة النقص والشعور بالدونية في جدلية العلاقة مع الآخر، واستحكام فوبيا الإخوان لدى إعلاميي الدولة العميقة، ممن يتقنون جلد الذات والترويج لنظرية المؤامرة، عندها ندرك دوافع هذا الانحياز السافر نحو تجريم العربي أينما كان، والتطوع بتبرئة الفرنسي من التظاهر، وإيهام المواطنين بأن هنالك أياد خفية تعبث بمستقبل فرنسا، علاوة على تصوير التظاهرات كما لو كانت جرماً شنيعاً تحاسب عليه التشريعات.ومن ذلك ما ورد على لسان الكاتب السعودي محمد يحيى القحطاني على حسابه في تويتر حين قال «إن المجنّسين من تونس والمغرب والجزائر، هم الصداع النصفي المزمن في فرنسا» فهذه الأقوال تأتي مؤازرة لليمين الفرنسي الذي يزعم أن المهاجرين مصدر قلق وجودي على التركيبة العلمانية، في حين ظل الرئيس ماكرون يدافع وبشدة عن سياسته تجاه المهاجرين، بوصفها قضية إنسانية عادلة، ملتقياً في نهجه هذا مع سياسات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

    وأما ارتداء الفرنسيين للسترات الصفراء فقد جاء مطالبة بالحقوق، وليس غريباً أن يقوم أوروبي بتحطيم واجهة متجر أو حرق سيارة! فقد شاهدنا تظاهرات السبت أو ما أطلق عليها «الجولة الرابعة» والتي بدأت بصدامات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين، ورافقها عمليات تكسير للمحلات التجارية والممتلكات الخاصة والعامة على حد سواء، وتسببت هذه الاضطرابات التي تجري حالياً في مواسم التسوق لأعياد الميلاد بضربة قوية لقطاعات التجزئة والسياحة والتصنيع، بعد أن عرقلت حواجز الطرق سلاسل الإمداد وقلصت من حرية التنقل، وباتت فرنسا تعيش حالة من الغليان الشعبي.ولسنا هنا في معرض استذكار الماضي الاستعماري وتطبيقاته المتمثلة في المتاجرة بسكان المستعمرات الأصليين، واقتياد الأفارقة عبيداً وبيع أعضائهم البشرية! وقتل ما يفوق المليون ونصف جزائري، ممن طالبوا بحريتهم وتصدوا للهيمنة والاستعمار، ويشبهه أيضا ما ورد في صحيفة مصرية: «إن واشنطن تستخدم الإخوان في عمل قلاقل لرئيس فرنسا ماكرون رداً على إعلانه عن رغبته في تكوين جيش أوروبي موحد!.
ما هي حقيقة السترات الصفر؟
على الرغم من العنف إلا إن الاحتجاجات حظيت بدعم الرأي العام، وساهمت في تدني شعبية ماكرون، وقد بلغت نفقات الحكومة مقارنة بالناتج القومي الإجمالي نسبة 56 في المئة في 2017 هي حركة فرنسية احتجاجية تحت مسمى (Mouvement des gilets jaunes) بمعنى السترات الصفراء، والتي ظهرت على الشبكة العنكبوتية في أيار الماضي، ثم ما لبثت أن قامت بمظاهرات بدأت يوم السبت 17 تشرين الثاني 2018، وجاء اختيار السترات الصفراء كرمز خاص يشمل جميع السائقين الملزمين بموجب قانون عام 2008 بحمل سترات صفراء مميزة عالية الوضوح، وارتدائها عند خروج السيارات عن الطريق في حالة الطوارئ كتدبير للسلامة، ونتيجة لذلك أصبحت السترات العاكسة متاحة على نطاق واسع وبكلفة متدنية وتحمل أبعاداً رمزية، وتم اختيار اللون الأصفر بموجب الرؤية المحيطية للعين، وهي أعلى بمقدار 2.5 مرة للأصفر مقارنة باللون الأحمر مثلاً.كما أن اللون الأصفر يحتوي على قيمة انعكاس ضوئية عالية ويسهل تمييزه عن أي خلفية ومعظم أرباب العمل من الصناعيين يفرضون على عمالهم استخدام هذه الملابس، كنوع من معدات الوقاية الشخصية ليصبحوا مرئيين بصورة عالية، كأقرانهم من عمال السكك والطرق والمطارات وراكبي الدراجات، وساهم استهدف فئة السائقين في تأجج الأزمة عبر فرض زيادات ضريبية على الوقود وسرعان ما شملت كل طوائف الشعب الفرنسي.وأما بخصوص مطالب الحركة فهي لا تقتصر على إلزام الحكومة بالتراجع عن ضريبة الوقود بل تتجاوزها نحو الوضع المعيشي وغلاء الأسعار وهبوط القيمة الشرائية وتدهور الخدمات والتوزيع العادل للثروة، وإعادة فرض ضريبة التضامن على الأثرياء، ورفع الحد الأدنى للأجور وتحسين مزايا التقاعد، وإلغاء الضريبة على ساعات العمل الإضافية، وتقديم منح للأسر المعوزة، وفي نهاية المطاف إقالة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي استخدم سلطاته الشاملة في مواجهة إصلاحات السوق والاقتصاد الحر بإصلاحات قاسية ومفاجئة مرت عبر مخاضات عسيرة.ولم تفلح تماما في إفراز التشوّهات نظراً لتمايز رؤية الاقتصاد بين النظرة الوطنية اليمينية والنظرة اليسارية النابعة من الاقتصاد الموجه، وهي مسألة معقدة ذات تراكمات تاريخية تتجاوز الأربعين عاما، ظهرت بعيد الانقسام العميق بين الشعبوية اليمينية والنخبة العميقة، ولذا نجد تفسيراً لهذا الحراك الشعبي البعيد عن الانتماءات الحزبية، وبالتالي وجد له قبولاً بين أوساط السياسيين من أقصى اليمين المتشدد وأقصى اليسار في عمق الشانزليزيه.وعلى الرغم من العنف إلا إن الاحتجاجات حظيت بدعم الرأي العام، وساهمت في تدني شعبية ماكرون، وقد بلغت نفقات الحكومة مقارنة بالناتج القومي الإجمالي نسبة 56 في المئة في 2017، وهي نسبة مرتفعة للغاية مما تسبب في إعاقة حركة الاقتصاد، وجعل المهمة شبه مستحيلة في تهدئة الاحتجاجات الشعبية، بل على النقيض من ذلك ازدادت نسبة مشاهدي القنوات الفرنسية الإخبارية مثل قناة «بي إف إم تيفي»، و»إل سي أي» و»فرانس أنفو» اللواتي قمن بتوصيف الحراك الاجتماعي غير المسبوق، وقد أسفر ذلك الحراك الشعبي عن مقتل بضعة أشخاص، وجرح العشرات من المتظاهرين واعتقال الآلاف.ينبغي على الفرنسيين توظيف الذباب الإلكتروني لمهاجمة السترات، وإشعار الرأي العام بأن فرنسا ستنهار في ليلة وضحاها، حتى وإن بنيت على أسس صحيحة من العدالة والحرية والمساواة.وإزاء هذا الحال لم يستمر صمت ماكرون طويلاً، وجاء خطابه القصير بمثابة دليل على انهيار شعبيته، مما دفع بصحيفة «لوفيغارو» اليمينية للانحياز للحراك الأصفر، وثبت أن الحكومة ليست بمستوى الحدث، وكذا الحال مع صحيفة «ليبراسيون» اليسارية التي ابتعدت هي الأخرى عن مساندة السياسات الحكومية، أما صحيفة «لومانتيه» لسان الحزب الشيوعي المؤيدة للحراك الاجتماعي، فلم تتوقف هي ورفيقتها «لوموند» عن انتقاد سياسات ماكرون، مما حدا بالناطق الرسمي باسم السترات بينجامين كوشي إلى التصريح بأنهم سيواصلون التصعيد للنهاية، والخلاصة لقد وقفت معظم وسائل الإعلام إلى جانب مطالب الحراك، ولم تجد الحكومة الفرنسية سوى صحيفة «لوجورنال دو ديمانش لكي تتفهم مواقف الحكومة وصمتها مبدية الوفاء لماكرون، فجاء مانشيتها العريض بعنوان: «ماكرون سوف يتحرك».
أين تبدأ الوصفة؟
ينبغي على الفرنسيين توظيف الذباب الإلكتروني لمهاجمة السترات، وإشعار الرأي العام بأن فرنسا ستنهار في ليلة وضحاها، حتى وإن بنيت على أسس صحيحة من العدالة والحرية والمساواة، وإغفال تغطية المظاهرات التي شهدها شارع الشانزلييه، والتركيز في هذه الوصفة على تتبع تصريحات ماكرون وتلميعها حين وصف الاحتجاجات بالهزيلة والهمجية، وتضخيم الإجراءات الملموسة والفورية التي أعلن عنها، والاتكاء على فرضية صعوبة التوصل لحلول بالنظر إلى العجز في الموازنة الفرنسية، والرغبة في تجنب مخالفة قواعد الاتحاد الأوروبي، والتأكيد على أنه ليس لدى ماكرون مساحة تذكر لتقديم مزيد من التنازلات، وفي نفس الوقت يجب تبرير أن الإجراءات لن تشمل رفع الحد الأدنى للأجور، بحجة أنه سيدمر الوظائف، لأن الكثير من الشركات الصغيرة لن تتحمل ذلك وستهدد بالإفلاس.كما ينبغي تبني تحذير المتحدث باسم الحكومة بنجامين غريفو من التوقعات غير الواقعية حين قال «لن تُحل كل مشكلات محتجي السترات الصفراء بالعصا السحرية، وتجاهل مقولة المتظاهرين: «لن تصمد إلى ما بعد عيد الميلاد يا إيمانويل»، وينبغي الإكثار من الحوادث المفتعلة من مثل تلك التي تم الزعم فيها بأن شرطية فرنسية صرخت: لا تخربوا وطنكم مثل العرب.كما ينبغي الإشادة بتصريحات مدعي عام باريس، حين قال: الإجراءات القضائية سريعة وصارمة، ولن يتم التهاون في ملاحقة مرتكبي أعمال العنف، ويجب عدم الإشارة لكون بعض الموقوفين ينتمون إلى اليمين واليسار المتطرفين، وعدم طمأنة الضحايا من التجار ومالكي السيارات التي تم حرقها حتى تتم شيطنة السترات الصفراء، كما يجب على وسائل الإعلام دعوة ترامب إلى عدم التدخل في شؤون فرنسا، وإخفاء استطلاعات الرأي التي لا تصب في صالح الحكومة، كما ينبغي تجنب الإشادة بسلوك ماكرون المشين حين تحمل جزءاً من المسؤولية عما شهدته البلاد ! والتركيز على انتقاده لأعمال الشغب، كما ينبغي التغاضي عن قيام بعض العمال بتنظيف شوارع العاصمة من الزجاج المهشم وسحب هياكل السيارات المحترقة بعيداً.
* كاتب عربي
 

المشـاهدات 262   تاريخ الإضافـة 18/12/2018   رقم المحتوى 10997
أضف تقييـم