السبت 2019/11/16 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
«الناتو العربي» وورطة الحروب البينية والإقليمية المفتوحة
«الناتو العربي» وورطة الحروب البينية والإقليمية المفتوحة
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* محمد عبد الحكم دياب

يتعمد عدد من المورخين مجانبة الصواب؛ وهم يكتبون عن الأحلاف الإقليمية، خاصة تلك المستهدِفة لـ«القارة العربية» والعالم الإسلامي، وكانت حجة ما بعد الحرب العالمية الثانية هي محاربة الشيوعية ومواجهة الاتحاد السوفييتي السابق؛ وكانت في جانب منها عدوان ضد بزوغ وولادة حركات التحرر العالمية وصعود حركة القومية العربية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وكثير من أولئك المؤرخين كانوا على دراية بأهداف أحلاف تلك الحقبة ومراميها، لكنهم أخفوا عدوانيتها ضد القوى الصاعدة، من أجل الحيلولة دون سقوط الاستعمار القديم، وتحديدا في صيغتيه البريطانية والفرنسية، وتزامن ذلك مع ظهور الإمبراطورية الأمريكية على المسرح العالمي، وخروجها من عزلتها مع تسويات الحرب العظمى (1914 ـ 1918).

وبدأ شهر عسل لم يستمر طويلا بين أمريكا ومصر، ومع حلول عام 1956، وردا على سعي مصر للاستقلال والتنمية والوحدة، وجديتها في إقامة مشروعات زراعية وصناعية كبرى، وإصرارها على تنفيذ السد العالي؛ تدخلت واشنطن لدى «المصرف الدولي للإنشاء والتعمير»، الذي استجاب وسحب تمويل السد.. وردت مصر بتأميم قناة السويس لتوفير التمويل المطلوب.. وأُعْلِنت حرب استعادة القناة في وجود حلف بغداد، الذي إنشئ في 1955 وانتهت الحرب باستعادة القناة وهزيمة سياسية ماحقة لقوى الاستعمار القديم، وظهور الولايات المتحدة لاعبا بديلا على المسرح الدولي.وتجلت توابع تلك الحرب في اضطرار الجيوش الغازية للإجلاء للمرة الثانية في عام واحد، (خرجت قوات الاحتلال البريطانية من قواعدها في قناة السويس في حزيران/يونيو 1956… وأُجْليت مرة أخرى ضمن قوات الغزو الأنكلو فرنسي؛ في مثل هذا الشهر من نفس العام). وحين باءت محاولات الاحتواء البريطانية والفرنسية والأمريكية لمصر بالفشل، بادرتها هذه الدول بالعداء السافر.
وكان التأثير المتزايد لحركة التحرر العربية قد نجح في إجلاء الاحتلال البريطاني عن السودان ومصر، وتلى ذلك الخروج من العراق، وعدن وجنوب اليمن، ومع مطلع السبعينيات ترك محميات الخليج العربية، وكان الاستيطان والوجود الفرنسي في الجزائر وشمال إفريقيا قد تضعضع، ومع الضربات المتتالية ضد الاستعمار القديم برز الاعتماد على «الدور الوظيفي» للدولة الصهيونية، والهدف من اغتصاب فلسطين، وامتداد خطره إلى الوجود العربي ذاته.وامتد تأثير حركة التحرر العربية إلى كثير من الدول والبلدان المتطلعة للتحرر والساعية للاستقلال، ووُلِدت «حركة التضامن الآسيوي الإفريقي»، وعبرت عن نفسها في «مؤتمر باندونغ» عام 1955. ثم ظهرت «حركة عدم الانحيار»، واتسعت دوائر التضامن العالمي؛ بانضمام دول أوربية وأمريكية لاتينية؛ متوجسة من النوايا الأمريكية. وبتزايد حدة الحرب الباردة، وتفاقم التوتر بين الاتحاد السوفييتي السابق وكتلته الاشتراكية، وبين المعسكر الصهيو غربي بقيادة الولايات المتحدة، وانتشرت القواعد العسكرية والأحلاف الدولية والإقليمية؛ في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وعضوية دول عربية وإسلامية.والأحلاف الغربية ذات طبيعة عدوانية؛ وكانت حجة محاربة الشيوعية أشبه بحجة محاربة الإرهاب هذه الأيام. وكانت في حقيقتها مناهضة للدول حديثة الاستقلال، وتعمل على إعادتها للحظيرة الاستعمارية. وبادرت بريطانيا والولايات المتحدة عام 1955 بإقامة «حلف بغداد»، واعتمد الحلف نفس الحجج، وضم دولاً إسلامية»؛ إيران وتركيا وباكستان، ومعهم العراق، وجعلوا من عاصمته بغداد عنوانا ومقرا ومركزا للحلف؛ طمعا في استقطاب مزيد من الدول العربية. واستهدف الحلف عرقلة دور مصر النشط، واصطياد من ارتبط به؛ خاصة في سوريا وفلسطين، ورافق ذلك مساندة ودعم حرب التحرير الجزائرية والمقاومة المغربية، وفي جنوب اليمن، ونجح ذلك التيار الكاسح في إفشال حلف بغداد، وبعد اندلاع ثورة 1958 خرجت بغداد من الحلف، ثم جاءت ثورة إيران 1979 فأجهزت عليه، واُضطرت بريطانيا لإعلان حله.وبرع الاستعمار التقليدي والحديث في الالتفاف على إخفاقاته وفشل أحلافه فتقرر عدم الظهور في صدارة المشهد، والدفع بزعماء دول تابعة لموقع القيادة، ومن بعيد تصدر التعليمات، وتصاغ التوجيهات، ويتم الإشراف على ما تقوم به من مهام وتكليفات؛ على غرار ما كان يتم في السابق، ونفهم نشأة «تحالف الدول الإسلامية لمحاربة الإرهاب» في الرياض بهذا المنطق، الذي استثنى من عضويته المتصدين الحقيقيين للإرهاب بأنواعه، وأضحت قيادته العربية والإسلامية واجهة لقتال ذوي القربى والأشقاء والجيران.ووصفت تقارير أمريكية وغربية الرياض بأنها عاصمة تمويل وتسليح الجماعات الإرهابية في العالم؛ المنفذة لعمليات تمكنت من الولايات المتحدة نفسها بأخطر عملية تفجيرات في 11 أيلول/سبتمبر 2001، واُتخِذَت ذريعة لغزو العراق وتقسيمه وتدميره. وإذا ما أعلن «الناتو العربي»، فلن يكون إلا وسيلة توسع ونشر فتن وحروب بينية وإقليمية ممولة من عوائد النفط، وتصب في مصلحة المشروع الصهيوني، والهدف؛ أعلنه ترامب بوضوح «بأنه لا يعنيه سوى حماية الدولة الصهيونية». وإذا قام «الناتو العربي» فسيفتح أعرض جبهات الدم؛ تستمر لسنوات طويلة، وهذا ما يتبناه ترامب ويتمناه نتنياهو، وكلاهما يبذل جهدا خارقا لإعلان الحلف العدواني الجديد بسرعة، ويضم دول الخليج العربية ومصر والأردن، ويلتحق بهم قابلون بمخطط «التدمير الذاتي» لـ«القارة العربية» وغزو إيران وكأننا نسينا ما نعانيه من غزو العراق!!.وليس ذلك بجديد، ففور دخول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، وفكرة هذا الحلف مختمرة في رأسه، وأكدها العام الماضي (2017)؛ بالدعوة لـ«ناتو عربي» باسم «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي»، ويقوم على النفخ في كور الخلاف السني ـ الشيعي المصطنع، واعتماده في تكوين كتلة عدوانية ترتبط بتل أبيب وواشنطن، وقادرة على التدخل بدعوى حماية السنة من الشيعة، ولم نسمع أن أيا منهم سعى لمصالحة العرب، وحماية الفلسطينيين واللبنانيين من العدوان الصهيوني الحقيقي والدائم، وهدف «الناتو العربي» الأوحد فتح جبهة دم جديدة، وضمان القبول بقيادة أمريكية وشراكة صهيونية.وفى هذا العام (2018)، الذي نودعه خلال أيام قليلة أعلن ترامب أن الهدف من «الناتو العربي» تشكيل «قوة عسكرية عربية مشتركة» على غرار (الناتو) الأصلي؛ لتتحرر واشنطن من عبء المواجهات الدامية مع أصدقائها وأعدائها على السواء، وتضعه على كاهل الأغنياء الأغبياء؛ القابلين بالعبودية والتبعية، ومن القادرين على وقف النزيف الأمريكي.. وتخفيف النفقات الباهظة، وتقليل التكاليف العسكرية والميدانية المستمرة. وهناك دول قبلت التورط في هذا الحلف السري!!، ويجمعها «محور الاعتدال»، ومن «شدة اعتداله» يوجه سلاحه لصدور الأهل والأشقاء والجيران، وينأى به عن تل أبيب حرصا عليها من التورط في مواجهات غير مضمونة العواقب، وهي من أعلنت مرارا أنها تتولى أمر إيران، وتترك لترامب وضع اللمسات الأخيرة لشيء يقال عنه إعلاميا «صفقة القرن»!!.و«الناتو العربي» متعثر؛ ليس بسبب الصراعات البينية وتفاقمها؛ بل بسبب ما أصاب الصورة الأمريكية من تهشيم في عيون الأتباع والمستقلين بين العرب والمسلمين وشعوب العالم المتنوعة والمتعددة، وتزايد احتمالات عزل ترامب أو استقالته. و«الناتو العربي» أسقط اقتراح «المشير السيسي» الذي قدمه في مارس 2015، ووافقت عليه جامعة الدول العربية؛ بإنشاء قوة عربية مشتركة لحفظ الأمن العربى، ومات اقتراح «المشير» بـ«السكتة السياسية»، وجاء مشروع «الناتو العربي» رصاصة رحمة قضت عليه؛ ومع ذلك فالظروف غير مواتية في المدى المنظور، فالجبهات العربية والإسلامية والأوربية والأمريكية متصادمة وتائهة ومرتبكة، وتواجهها عقبات لا تبدو أنها ستذلل قريبا!!.

* كاتب من مصر

المشـاهدات 414   تاريخ الإضافـة 25/12/2018   رقم المحتوى 11296
أضف تقييـم