الجمعة 2019/9/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
فيلم الرحلة للمخرج محمد الدراجي حكايات الخيال والواقع على شكل مراحل متداخلة
فيلم الرحلة للمخرج محمد الدراجي حكايات الخيال والواقع على شكل مراحل متداخلة
- فنية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

الفيلم محاكاة ساخرة ومريرة للواقع العراقي في فترة من أعقد الفترات التي مر بها ما بعد 2003

قراءة / حسين السلمان

منذ البدء يمنح فيلم الرحلة للمخرج محمد الدراجي المعنى الفكري حيث يتجسد عنوان الفيلم على شكل مراحل متداخلة حتى ينضج معناه ليصبح متكاملا أمام المشاهد. وهذا اول اشتغال سينمائي يتعامل بحرفية مع عنوان الفيلم .لقد حمل الفيلم طابعا خاصا لتناول العنف. فجاء على شكل مرحلتين :الاولى بوصفه ظاهرة سياسية والثانية بوصفه طابعا دينيا واجتماعيا .أن هذا البناء أعتمد على مغزى كبير استطاع الفيلم في البداية أن يجرده بشكل سليم من الصفة الانسانية وليصل به الى مرحلة الختام وهي اسقاط وادانة هذا الجرم المقيت. ولذا وضعت شخصية الفتاة  ضمن اطر سردية عملت على كشف الطبيعة الاجرامية في كل أحاسيسها الشخصية.. 
وحسنا فعل الكاتب المخرج بأن جعل الارهابي أنثى وهو خروج جميل عما هو متداول لدى الجميع، وهذه واحدة من الانزياحات التي يتمتع بها الفيلم. أن هذه الافتراضات في القص (فيما يخص الاحداث) تشكل اهتماما واسعا بالرؤيا الايجابية في تقديم المجتمع العراقي متكاملا بما يحمل من تناقضات واشكاليات، فجاء الفيلم دراسة اجتماعية نفسية متجسدة في مكان واحد وفي زمن لا يتعدى اليوم الواحد. وهذا اشتغال خطير في السينما لا يقدم عليه الا من كان مقتدرا في التحكم بالمكان والزمان. ولقد افرز السرد الصوري قدرة المخرج في تطويع العناصر السينمائية لهذا الغرض.
إن الفيلم محاكاة ساخرة ومريرة للواقع العراقي في فترة من أعقد الفترات التي مر بها ما بعد 2003. لذا فان شخصيات الفيلم انتمت الى ذلك الترابط الحقيقي مع الوضع الاجتماعي القائم في محطة القطار. هذه المسارات المتنوعة للحدث (الاطفال الباعة، الشاب، الموسيقار، الفتاة الهاربة، الامريكان) استطاعت ان تجسد ما هو دفين داخل تلك الشخصيات التي تواجه الهزيمة والانكسار، وهما نتاج طبيعي للعنف التدميري السائد. الا ان الفيلم توغل عميقا في كشف تلك الابعاد عبر طريقة التواصل فيما بينها وهو تعبير عن نزعة أنسانية لها من المبررات الكثيرة.إن التركيز على خواص الشخصية (الفتاة) هو واحدة من ضرورات الحدث. لان الشخصية والقصة يشكلان حالات من المشاعر، سواء كانت مشاعر عاطفية شديدة كما تجسدت عند الشاب أو انعدام تام لكل القيم الانسانية عند الفتاة. فإن وجود الطفل الرضيع ضمن الاحداث يشكل حبكة متناسقة مع عمليات التحول الحاصلة للشخصية، لقد تقدمت الفتاة وهي تحمل حالة عاطفية منهارة، وهذا انعكاس للافكار والمعتقدات التي تشبعت بها، كما كان الحب (بمختلف اشكاله) عنصر متغيرات في المعنى العام للفيلم. وهو الذي جعل من الفتاة، وحتى الشاب، الدخول في حقل العاطفة الانسانية النبيلة (الطفل الرضيع). وهذا مفهوم مشرق بابعاده التي هي واحدة من الخطابات السينمائية المهمة في الفيلم حيث كان المتلقي بحاجة كبيرة لها. إن الكاتب يبدو مصدوما من السلوكية الطارئة على المجتمع. ولهذا كان ناقدا لاذعا لمجتمع المحطة الا انه يتجلى مشرقا بخطاب إنساني رفيع ليدعو الى تعامل رقيق واسلوب ينتمي الى التحضر في العلاقة والمخاطبة.وهنا فانا لا انشغل بالآراء الآلية الجامدة التي تنادي بضرورة ان يقدم الفن حلولا نهائية لحياة متغيرة ومتجددة. إن التحليقات السردية والبصرية في الفيلم منحت قدرة كبيرة في جعل الواقع اليومي البسيط يرتقي  الى عرض جمالي مدهش، لان الخيال دفع الاحداث الى ما هو غير ممكن التوقع والتصور  وقد منحنا متعة عالية. لذا تشكل القضية الاخلاقية مرحلة الذروة حيث تكون الشخصيات قد وصلت حد الشعور بالاثم والجريمة في عجزها عن حب الآخرين، وهو الاغتراب عن الحياة. إن كل ما يمكن استنتاجه ان الفتاة والشاب أصبحا في بوتقة واحدة من التشابه، واصبح كل منهما يفكر في الآخر، حتى تتعمق التحولات، ليظهر احساس متبادل غير معلن ظهر كمصدر قوة في التحول الانساني للشخصيتين الى ما هو جميل.. لان تراكم العذابات التي تحاصر الفتاة اصبحت عنصرا مفيدا في تحول وتطور شخصيتها لتصبح بعد ذلك تواقة الى ممارسة الحياة الانسانية الطبيعية. وهذا شكل من اشكال التمرد على العنف والموت حيث أصبح هذا شرطا من شروط الحدث الفيلمي. فكل الحكايات تتجاور وتشكل المعنى العام وهي حالة استثنائية في السرد تعمل على كشف الاطار المرحلي (الفترة التي تمت فيها احداث الفيلم) والواقع المتسيد على تلك الحكايات. يكمن القول أن الهدف في هذا هو البحث عن الجمال من خلال العنف، من خلال قصة شخصيتين (الارهاب واللصوصية) بما يحملان من تناقضات واختلافات، الشاب يعلن رفضه لوجودها الزائف ويعمل على التخلي عن واقعه المزري، والى ما يجعلهما يتحدان في رفض ماضيهما، وهو في جوهره رفض الواقع الراهن البغيض. ان هذا التوغل الكبير في داخل النفس المغتربة هو شكل لقدرة المحاولة الموضوعية التي استندت على الواقع المتخيل، وهو أساس للمعنى الرئسي للفيلم، وهذا تعبير سينمائي جميل عن مفهوم الاغتراب. فالفتاة والشاب شخصيتان لا يريان الا تلك السوداوية المقيتة للحياة، وحين يتم تفكيك هذا الواقع وتحويله الى اشعاعات ضوئية من الاحاسيس الممتلئة بلحن الحياة حيث تمتلئ بالحب كل الاماكن الشاغرة داخل النفس البشرية ليبدأ تفعيل المشاعر لتعانق جمال الحياة الجديدة (الالعاب النارية والاضواء المشرقة). من هنا حمل الفيلم دقة معيارية للتفاصيل المادية (الصغيرة منها والكبيرة) ليضع شخوصه في مواجهة صراع مرير مع فوضى الحياة التي اصبحت ضمن تطورات الاحداث ونضوج الوعي محطة سخرية من الشخصيات ذاتها، بعد ان عاشت حزينة ذليلة غارقة بين ما هو وهم وما هو واقع .فالاغتراب للشخوص هنا ليس ابتكارا شخصيا  بقدر ما هو فرز لحقيقة المرحلة والجدب الذي يغزو الروح الانسانية، ألا أننا نجد في ثنايا الاحداث توكيد أخلاقي كبير يشير الى أن الانسان حتما ينتصر. لقد جاءت عملية أعداد هذا الفيلم من الفكرة والسيناريو وحتى المونتاج النهائي وليدة صراع عنيف من أجل تجاوز الاشكاليات البنائية والعاطفية والعقلية، وهذا تاكيد على ان الفيلم تعامل مع واقع متحرك ومتجدد وقادر على أحداث تغير وهو الخطاب الاساس له.

المشـاهدات 157   تاريخ الإضافـة 18/02/2019   رقم المحتوى 13419
أضف تقييـم