الأحد 2019/8/18 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
كانط مثقفاً
كانط مثقفاً
مقالات
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

داود السلمان
بالضرورة أن يكون الفيلسوف مثقفاً، وليس بالضرورة أن يكون المثقف فيلسوفاً؛ فالفيلسوف يحمل هوية المثقف، وقد لا يحمل المثقف هوية الفيلسوف. وعلى اعتبار أن عمانويل كانط فيلسوف من الطراز الاول، بل شيخ الفلسفة الحديثة كما وصفه أحد الكتّاب المعاصرين، وهو رائد الفلسفة النقدية في العالم، بلا منازع، لا يزال الكانطيون مؤمنين بكل ما طرحه كانط من رؤية فلسفية للكون وللوجود وللأخلاق والدين والميتافيزيقا والسياسية، وقد اعتبر كانط الاخلاق هي أساس كل شيء، يعني: إن الاخلاق هي معيار الانسان المستقيم، وهو يفضل الاخلاق على الدين، ويرى أن الانسان الذي يمتلك أخلاقاً بالضرورة أن يمتلك ديناً ويصبح إنساناً متديّناً (بالدين الذي يراه هو صحيحاً) بعكس الانسان الذي يمتلك ديناً ولا يمتلك أخلاقاً، فالدين لا يصنع أخلاقاً، والاخلاق تصنع ديناً، إذ بالمحصلة النهائية: الاخلاق هي فوق الكل، وهي القيمة الحقيقية للإنسان السوي. والثقافة، بالنسبة لكانط، التزام أكثر مما هي معيار ذي قيمة معرفية. الثقافة سلوك سوي يرتبط بقدسية الانسان والتزامه بسلوكه تجاه الآخرين، وتجاه نفسه كذلك، وبالتالي تجاه مجتمعه (المجتمع الذي يعيش في أحضانه). وتنطلق ثقافة كانط من كونه يراقب كل الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المحيطة به، سواء في داخل بلده أم خارجه، وكانط يحلل الأمور ويفلسفها برؤية ناقد بارع غير متحذلق، مطلع على كل شاردة وواردة، من خلال رؤيتين: رؤية فلسفية (فلسفة النقد التي شيّد أركانها ودق أوتادها بأرض الفلسفة الحديثة) ورؤية ثقافية شاملة، وهاتان ما جعلتا منه أن يكون كذلك مثقفاً من الطراز الاول، أي إنه بذلك يكون مثقفاً شمولياً، يستوعب جميع الأطر التي تطرأ في الساحة الثقافية والفلسفية معاً، وليس هذا فحسب، بل إن كانط كان عالماً اجتماعياً أيضاً، ذلك حينما كان يجلس مع كافة شرائح المجتمع، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم آنذاك، ويحدثهم ويستمع إليهم ويدرس مشاكلهم ويحاول أن يضع لها الحلول المناسبة، بعكس ما اتهمه بعضهم: من أنَّ كانط كان منطوياً على نفسه ومنعزلاً عن المجتمع، بهدف الانتقاص من شخصيته والتقليل من شأنه ومن فلسفته التي طغت على كافة الفلسفات الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وصار حديث الناس يدور حول فلسفته. المثقف، وعلى اعتبار أنه عقل فاعل في مجتمعه يقيم أود الحياة بكل أشكالها، فإن كانط، ومن هذا المنطلق، كان المساهم الأكثر فاعلية وحراكاً، إذ تتجه إليه الانظار أكثر من سواه في الساحة الثقافية والفلسفية معاً، حتى إنه ملأ الخافقين في أطروحاته ونظرياته التي أثارت من حوله كثيراً من الشكوك والتهم، حتى أن رجال الكنيسة (وهذا هو ديدنهم) اتهموه بالإلحاد، رغم أنهم  لا يعون أسلوبه في الطرح، وادعوا أن أسلوبه صعب، وهو ما جعله يطلق العنان لقلمه وأن يعطي مساحة واسعة لتفكيره الحرّ، حتى أنتج فكراً لا يزال الى يومنا هذا محط نظر وتفكر من قبل المعنيين في هذا الشأن.

المشـاهدات 737   تاريخ الإضافـة 28/02/2019   رقم المحتوى 13895
أضف تقييـم