الإثنين 2019/6/17 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
الروائي واثق الجلبي وجدلية الحب والخلود في رواية (يوسف لا يعرف الحب) .. قدم لنا الروائي متناً حكائياً راعى فيه استحضار استراتيجية غير تقليدية
الروائي واثق الجلبي وجدلية الحب والخلود في رواية (يوسف لا يعرف الحب) .. قدم لنا الروائي متناً حكائياً راعى فيه استحضار استراتيجية غير تقليدية
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / رحيم زاير الغانم

تُعد الرواية القصيرة، رواية جريئة لاعتمادها على تقنيات سردية محددة من شأنها جذب المتلقي إلى متنها الحكائي، وتتحقق نجاعة العمل الأدبي في ضوء استراتيجية سردية خاصة بهذا النوع الأدبي، وهذا بالضبط ما لمسناه في رواية (يوسف لا يعرف الحب) للروائي واثق الجلبي، الذي قدم لنا متنا حكائيا راعى فيه استحضار استراتيجية غير تقليدية، يمكننا تلخيصها باستئثار الراوي العليم للسرد بشكل عام تقريبا..
 حتى أنه استأثر في روي المنلوج العائد إلى بطلي الرواية، (يوسف وسماء)، أو الشخصيات الأخرى، في تقويض بيِّن، مما سرع بدوره في وتيرة الحدث وتناميه تناميا متصاعدا، وهذا ما هيأ إلى غياب تام للفلاش باك/ الاسترجاع، الذي ألقى بظلاله على الحوار فانحسر هو الآخر. قد يرى البعض استئثار الراوي العليم بالسرد، من أساليب الروي التي عفى عنها الزمن، باعتبار ان الرواية الحديثة تعتمد توزيع الأدوار من اجل الخلاص من دكتاتورية الراوي العليم، كونه ضمير ووجدان المؤلف، إلا ان في الرواية القصيرة قد تستدعي هكذا تقنيات سردية، خصوصا إذا ما لمسنا تسرب الأسلوب الشعري المتعالي والخطاب الهادئ للمتن الحكائي، اللذين أضافا مسحة جمالية للنص المسرود، في نأيٍ عن الملل والحشو والترهل الذي نشهده في العديد من النتاجات الأدبية في مجال السرد، تحديدا الروايات الطويلة التي استدعت عزوف القراء. في رواية (يوسف لا يعرف الحب)، ذات، (75 صفحة)، تظهر شخصيتين رئيسيتين هما شخصية (يوسف وسماء)، مع ظهور شخصية (أميرة/ أخت سماء) وشخصيتي، (رامي وسعد) صديقي يوسف، في الثلث الأخير من الرواية. اعتمدت الرواية على حدث رئيسي، ممثلا بقصة حب بين شابين، (يوسف وسماء) دامت لخمس سنوات ملؤها الرومانسية والوصال الشفيف، علاقة شبه مثالية، لكنها ترتطم بالواقع الاجتماعي، وما يثار من أسئلة حول نهاية العلاقة، بلسان (أميرة)، كون (يوسف) لم يتقدم بخطوة واحدة للجم ألسنة الآخرين للاقتران بـ(سماء)، معتبرا من جري العمر حتى، علما أن (سماء) تكبر يوسف بالعمر، وقد بان الشيب عليها، يوسف الفتى الذي أنهى دراسته حديثا، التحق لتأدية الخدمة الإلزامية بعدها تقف الظروف حائلا بينهما كعدم توفر العمل لكساد البلد بشكل عام، صحا (يوسف) على حب (سماء) والشعر والرسم، المغلف بالبطالة، التي استشرت في العقد التسعيني إبان الحصار الاقتصادي، لتحيل الظروف القاسية وقتها الحب إلى أزمة وعنت دامت لسنتين مضافة للسنوات الخمس العذبة، تنتهي بالفراق،  وهذا ما صرحت به (سماء)، (يوسف لقد تعبت صدقني. سالت دموع سماء على خديها لكن يوسف لم يستطع تقديم منديل واحد)ص40، وفي هذا المشهد إيذان لنهاية قصة حب دامت سبعة أعوام، وبفقدها قد، (مرت عليه الأيام كأسنان الليث على جسد غزال لم يبلغ الحلم...)41، وقد أظهر يوسف خنوعه للظروف بتبرير غير مقنع، كونه من نوع العشاق الذين يطلبون الخلود للحب، وهو بالضبط ما يقع فيه الرجل الرومانسي، هروبا من واقع أليم حيث الفقر والفاقة التي لا تؤهله لتوفير بيت للسكن ملائم أو إمكانية إنجاب الأطفال وتوفير العيش الكريم لهم، كما توفر لصديقه (رامي) آنف الذكر، وهذا كله يمكننا عده في خانة القص العادي، وهو محور حكائي أول يمكننا التنبؤ به حتى في ظل قساوة العقد التسعيني، والذي يعد منطلقا للمحور الثاني في الرواية لما يثيره، (يوسف) من تساؤلات عن الوجود والإنسان والحياة بطرح جدلية الحب والخلود لتأخذ آفاقا أبعد، في استحضار الصورة النهائية لكل هذا الفعل الجمالي، ان الحب الذي ينتج خلودا، لا يجده في الزواج، إذ عد الجنس، قتلا له، (قرر يوسف أن ينهي لعبة الجسد ليبقى حبه خالداً) ص55، هل أن الجنس/ الزواج، بعد قصة حب ناجحة لا خلود فيه، أم أن اليأس والفقر والفاقة صورتا الحقيقة معكوسة، وقد نجد عند غيره موقفا مخالفاً عن الجنس/ الزواج عند المتصوفة مثلا، وهذا ما تحقق لابن عربي عندما تزوج بمريم بنت محمد الباجية، (أتاح له الزواج خوض تجارب نادرة امتزجت فيها النشوة بالانجذاب الصوفي، ليتكشف له الحب الصادق الذي تصحبه رغبة ملحة، يعد سبيلا إلى تحقيق التكامل الإنساني والانسجام الكوني...) ص100 من كتاب (الفناء في الإنسان): هالة العوري، إذا الجنس بعد الزواج، يأخذ أبعادا أسمى تصل إلى الانسجام الكوني، التي يمكننا معادلتها في ضوء موقف يوسف من خلود الحب بإضفاء العذرية عليه، فما الأجدى مواصلة الحب والعيش بكنف حبيبة أم التشرذم والضياع وهذا ما أقر به الراوي العليم معبرا عن خلجات (يوسف) البطل، (ربما كذبه الخلود وخدعته الأحلام فكان قميصه عرضة للتآكل؟! ربما أحب سماع الأصوات المسكوبة على خنصره ببهاء الخيبات المتلاحقة؟!) ص74.تتجه البوصلة القرائية إلى المحور الثالث الذي لا يقل شأنا عن سابقيهِ، رمزيتي (يوسف) و(زئبقية القميص) في المتن الحكائي من ناحية تحولات المعنى،  بحسب الحال أو الظرف الذي يمر به البطل (يوسف) وبحسب الأجواء النفسية أو الانتقال من مكان إلى آخر، وهنا يذهب بنا القول إلى ما تطرحه الرواية من تناص مع قصة يوسف النبي (ع)، فالقميص الذي تسوقه الرواية، (القميص العاري، القميص البلوري، قميص ذاته، القميص السارد،  القميص الكاتب القميص الرابت، قميص واحد، أقاصي القميص، القميص الأبيض...... الخ)، إذن يجب التنبه ان التناص لم يأخذ أبعاد المضمون، بل اكتفى باللفظ/ الشكل، يعني لم يقدم يوسف الذي أُسقط بالبئر، بل الذي أسقط نفسه بعد اليأس، (يوسف لا يحب الحزن ولهذا سقط في بئره بصورة غير واقعية) ص51، وهو خلاف قصة يوسف (ع) لقوله تعالى، (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجبت....) آية10سورة يوسف، إذن في الأول اختيار للمصير وفي الثاني إجبار،  هذه من مفارقات السرد التي تحسب للرواية، وكذلك رمزية القميص التي يتغير معناها بحسب مقتضى الحال، فهو حين يسرد لنا عن أيام العسكرية يضيف لفظة المُذنب، (القميص المُذنب)، وكما نعرف في لفظة المذنب إشارة لرصاصة التنوير، ليعرف المتلقي أنه على الساتر في فترة خدمته في الجيش، وهي أول ردة فعل بعد فراقه لـ(سماء)، أو (لحد القميص الغارق بتوافه الأزرار وألوانها) ص52، وفي هذا ترميز عالٍ، أن خلفَ الأزرارِ مباهج تافهة وصفها باللحد.

المشـاهدات 225   تاريخ الإضافـة 12/03/2019   رقم المحتوى 14369
أضف تقييـم