الإثنين 2019/6/24 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
كيف استمر الناتو متماسكًا لـ70 عامًا .. وما خططه في 2019
كيف استمر الناتو متماسكًا لـ70 عامًا .. وما خططه في 2019
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

*جاريت مارتن

على الرغم من مواجهة الناتو العديد من التحديات التي تُشكّك في جدواه وتهدد بقاءه وتماسكه منذ إعلان تأسيسه عام 1949 حتى يومنا هذا، استطاع دائمًا التعامل معها وتجاوزها. ينس ستولتنبرج، الأمين العام لحلف الناتو، من المقرر أن يحتفل هذا الأسبوع  بمرور 70 عامًا على تأسيس هذا التحالف العسكري في واشنطن، إذ يمكنه توقّع مواجهة لقاءٍ صعب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يُعد منتقدًا صريحًا لحلف الناتو، في مقابل ترحيب حار من الكونجرس.أنَّ إحياء مراسم ذكرى سنوية في ظل ظروفٍ صعبة ومضطربة ليس أمرًا جديدًا بالنسبة لحلف الناتو. إذ طوَّر التحالف على مدار السنوات آليات تعامل وتكيّف فعَّالة للحفاظ على تماسكه وتأكيد جدواه.

ليست المرة الأولى
شهد حلف الناتو اجتماعاتٍ صعبة في احتفالاته بالذكرى السنوية على مدار السنين السابقة. إذ أدَّت عدة خلافات خلال ستينات القرن الماضي إلى تآكل تماسك التحالف، تجسّدت في انسحاب فرنسا عام 1966 من هيكل القيادة العسكرية المتكامل لحلف الناتو.أدَّت هذه الفوضى الداخلية إلى جعل الذكرى السنوية العشرين للحلف في عام 1969 صعبةً بوجهٍ خاص؛ لأنَّ المادة 13 من معاهدة واشنطن لعام 1949 تنص على أنَّ الأعضاء لديهم حرية مغادرة التحالف بعد 20 عامًا؛ الأمر الذي جعل عام 1969 يُمثّل تاريخًا محتملًا لتفكّك الناتو وزوال وجوده.في عام 1989، تزامنت الذكرى ال 40 لتأسيس الناتو مع تغييراتٍ جذرية بدأت تشهدها أوروبا. فقد أسفر الانهيار النهائي للاتحاد السوفيتي عن خلق حالةٍ من عدم اليقين، وأثار تساؤلاتٍ حول مدى إمكانية استمرار الناتو على المدى الطويل.وفي ذكرى مرور 50 عامًا على تأسيسه، أي بعد 10 سنوات، أوقف اندلاع حرب كوسوفو احتفال الناتو المزمع بهذه المناسبة، والذي تضمن انضمام ثلاث دول كانت تنتمي سابقًا لحلف وارسو إلى التحالف. وأسفر تحدي كوسوفو عن أول مهمة عسكرية مستدامة لحلف الناتو.أنَّ ذلك التحالف العسكري متعدد الدول استطاع تطوير بعض الوسائل والآليات الرئيسة ساعدته في التعامل مع تلك الأنواع من التحديات:ـ
1. تجنُّب الصراعات العلنية
أنَّ أول هذه الوسائل يتمثَّل في الالتزام بتجنُّب الصراعات العلنية، إذ يمتنع الناتو عن إعلان منازعاته الداخلية على الملاْ عند مواجهة تحدّياتٍ تُهدّد وحدته وتماسكه. فبعد انسحاب فرنسا الجزئي في عام 1966، سعت بقية الدول الأعضاء، من بينهم الولايات المتحدة الأمريكية، بحسٍ واعٍ إلى تجنّب الصراع العلني، وهذا يرجع إلى عدم رغبة التحالف في إعطاء فرنسا أي مبررٍ للانسحاب الكامل في عام 1969.واجه الناتو خطر الدخول في حالة من الشلل السياسي والعسكري في عام 1999، عندما هدَّدت الانقسامات حول حرب كوسوفو بمنع التحالف من اتخاذ إجراءاتٍ على جبهاتٍ أخرى. لذا فللحد من تسرب الخلاف إلى الحملة الجوية، فصل الناتو المهمة العسكرية في كوسوفو عن أهدافٍ أوسع وقضايا أخرى في التحالف.أدَّى هذا إلى تمهيد الطريق أمام حلف الناتو للاحتفال بدوره في تحقيق التحول الديمقراطي في دول حلف وارسو سابقًا، التي كانت قد انضمت في ذلك الوقت إلى حلف الناتو. ومع ذلك، يلفت المقال إلى أنَّه بعد مرور 20 عامًا، يبدو أنَّ هذا لم يكن أكثر من مجرد نجاحٍ نسبي بالنظر إلى اتجاه تراجع الديمقراطية الذي تشهده أوروبا الوسطى في الأعوام الأخيرة.
2. إحباط المعارضة
تعمَّد حلف الناتو إحباط خطوات أي معارضة، كما فعل مع فرنسا في الستينات. إذ كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول قد برَّر انسحاب بلاده الجزئي من الناتو عبر التأكيد على انحسار التهديد السوفيتي، وواصل سياسته الخاصة الرامية إلى التوصّل إلى وفاق وانفراجة في العلاقات مع الكتلة الشيوعية، الأمر الذي سمح له بشكلٍ أساسي بالتشكيك في مدى أهمية وملائمة بقاء التحالف على المدى الطويل.من جانبه، صاغ حلف الناتو رسميًا دورًا في انفراجة العلاقات مع الكتلة الشيوعية بعد الانسحاب الفرنسي، واستطاع بذلك فعليًا إحباط محاولات ديغول. ساعدت هذه الخطوة أيضًا في التأكيد على أهمية التحالف المستمرة، على الرغم من تغيّر القواعد بين الشرق والغرب.وفي أواخر ثمانينات القرن الماضي، جابه أعضاء التحالف على نحوٍ استباقي وجهة النظر القائلة بأنَّ التغييرات الرئيسة في العالم الشيوعي من شأنها تقويض علَّة وجود الناتو. إذ أدلت رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت تاتشر بتعليقاتٍ في عام 1990 قائلةً: «لا يمكنك إلغاء وثيقة التأمين على منزلك فقط بسبب تراجع أعداد عمليات السطو في شارعك خلال الشهور الاثني عشر الأخيرة!».نظرًا إلى أنَّ التحديات المستقبلية في أوروبا المتغيرة لم تكن واضحة، استطاع الناتو أن يكون بمثابة أداة وقائية مهمة للتحوّط ضد مخاطر الغموض وعدم اليقين.
3. إضافة صلاحيات جديدة
تتمثَّل الآلية الثالثة التي استطاع من خلالها الناتو تجاوز التحديات والتأكيد على جدواه في إضافة صلاحياتٍ جديدة إلى الحلف. أنَّ غموض لغة معاهدة حلف الناتو ساعد التحالف العكسري في اجتياز فترات صعبة.إذ أضاف الناتو مهام أساسية جديدة من بينها مسؤولية تعزيز الوفاق والانفراج في العلاقات بين الشرق والغرب خلال ستينيات القرن الماضي، والتي بدورها عزَّزت تماسك التحالف وأكَّدت على الإحساس المستمر بالجدوى.تجلَّى «هذا التوسّع في الصلاحيات» بنفس القدر خلال الحرب الباردة الأخيرة. وقد استبق الناتو إسناد مهام جديدة لنفسه حتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، لضمان بقائه على المدى الطويل. وقد ربط حلفاء الناتو رسميًا في قمة تموز 1990 أمنهم بأمن خصومهم السابقين في وسط وشرق أوروبا.وبالإضافة إلى توسيع نطاق مهامه الأمنية، مثَّلت حملة القصف الجوية التي شنها الحلف في كوسوفو بداية تمدُّد صلاحيات الناتو إلى المهمات العسكرية. وبذلك يكون قد شرع الناتو، من خلال اتخاذ إجراءٍ دون إذن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، في تولّي دورٍ مؤسسي إضافي في إدارة الأزمات. ومع ذلك، جادل بعض النقاد بأنَّ آلية التوسع الجغرافي للناتو، سواءٌ في منح العضوية أو في مهامه، كانت غير حكيمة.
4. الاعتماد على القيادة الأمريكية
يرجع استمرار حلف الناتو في الأساس إلى قيادة القوى الرئيسية الكبرى للتحالف لا سيما الولايات المتحدة. إذ أدَّت قيادة تلك القوى دورًا رئيسيًا في التغلّب على التحديات في جميع الحالات التاريخية الثلاثة السابقة. وقد اتّضح ذلك على نحوٍ خاص في عام 1989، عندما ضغط الرئيس جورج بوش من أجل «أوروبا كاملة وحرة».كان بوش مصرًا للغاية على استمرار الناتو فاعلًا رئيسًا في أوروبا، على الرغم من التغيّرات التي تشهدها المنطقة. وقد ساهم الترويج لشعار أوروبا موحدة ومستقرة في السماح لبوش بمواجهة دعوات خفض النفقات وضمان القيادة الأمريكية المتواصلة والانخراط في أوروبا.وأدَّت القيادة الأمريكية دورًا رئيسًا بالمثل في الحفاظ على حالة الوحدة والتماسك داخل التحالف في عام 1999، وذلك بطرق متعددة. أولًا كان للولايات المتحدة دورٌ محوري في تعزيز توسع الناتو، وبلغ هذا الدور ذروته بانضمام جمهوريات التشيك والمجر وبولندا. ثانيًا لم يكن الناتو سيستطيع الاتفاق على نوع العمل العسكري والحملة الجوية الناتجة عنه في كوسوفو وتنفيذها بدون القيادة والقدرات الأمريكية.
كيف سيتعامل الناتو 
في عام 2019؟
على الرغم من نجاح الناتو في تجاوز العديد من التحديات، لكنَّ عداء ترامب للناتو وغياب القيادة الأمريكية للحلف يجعل الوضع في عام 2019 مختلفًا تمامًا عن التحديات السابقة التي شكَّلت تهديدًا لوحدة التحالف.ومع ذلك، أظهر التحالف في العامين الماضيين علامات الاعتماد على ثلاث آليات أخرى للتعامل والتأقلم. إذ أعدَّ مسؤولون أمريكيون ونظرائهم في حلف الناتو مسبقًا اتفاقياتٍ قبل انعقاد قمة الناتو في بروكسل العام الماضي، في خطوةٍ تهدف إلى منع ترامب من عرقلة الاجتماع.كذلك حاول ستولتنبرغ احتواء انتقادات ترامب، مشيدًا به لضغطه على الدول الأخرى لإنفاق المزيد على ميزانية الدفاع. وقد حقَّق التحالف، على الرغم من المشاحنات العلنية حول تقاسم الأعباء، تقدّمًا ملموسًا في تعزيز استعداده العسكري للرد على روسيا الناهضة مُجدَّدًا.أنَّ السؤال الكبير لعام 2019 قد يتمثَّل في معرفة ما إذا كانت آليات الناتو الثلاثة الأولى للتعامل والمواجهة، في ظل غياب القيادة الأمريكية، ستكون كافية لانتشال الناتو من غيوم اضطرابات ومآسي ذكراه السنوية.
* كاتب ومحلل سياسي امريكي
 

المشـاهدات 304   تاريخ الإضافـة 08/04/2019   رقم المحتوى 15120
أضف تقييـم