السبت 2019/5/25 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
المدينة الفاضلة في رواية (الزمن المستحيل) للروائية العراقية المغتربة وفاء عبد الرزاق
المدينة الفاضلة في رواية (الزمن المستحيل) للروائية العراقية المغتربة وفاء عبد الرزاق
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / د. وليد جاسم الزبيدي

رواية الزمن المستحيل للروائية العراقية وفاءعبد الرزاق، من إصدارات مؤسسة المثقف العربي- سيدني/استراليا، نشر وتوزيع شركة العارف، بيروت- لبنان، طبعة الأولى، سنة الطبع 2014م، قياس الورقة 5و14×5و12سم، عدد الصفحات (221) صفحة. تأتي الرواية ضمن تسلسل (5) من اصدارات الروائية بعد رواية (أقصى الجنون الفراغ يهذي). وقد قدّمَ للرواية د. عبد النبي ذاكر- المغرب، بتقديمٍ شافٍ وافٍ، ناتج عن رؤيته وقراءته، للقارئ العربي الدخول في أجواء الرواية. وقد وزّعت الروائية الكتاب بين أهداء (ص:5)، وعرفان من الروائية الى مؤسسة المثقف (ص:6)، ثم جاء التقديم (ص:9- 14)، ثم جاءت بعدها الرواية، وقد قسّمتِ الروائيةُ روايتَها على (12) رحلة..

كما عهدنا طابع وأسلوب الروائيةِ في الكتابةِ، فالروايةُ انسانيةٌ بطرحها وموضوعها، فهي تصلُحُ في كل مكان من هذا العالم، فهي تبحثُ في حياة ومستقبل جيل كاملٍ من المعوقين، ذكوراً وإناثاً، جيلٌ أفرزتْهُ مجتمعاتٌ تعاني من اضطراباتٍ وتشوهاتٍ في العلاقات الانسانية (مجتمعياً وطبياً)، مجتمعات. التطور الصناعي والتقني الذي يذهبُ ضحاياه العديد من الأطفال نتيجة تلوّث البيئة والحروب وماتُنتجهُ تلك المجتمعات من نشاطاتٍ وفعاليات؛ فضلاً عن التفاعل والعلاقات في تلك وهذه من علاقات غير سويّةٍ نابعة من أخلاقيات وتصرفات هجينة يفعلها البعض على مختلف الديانات والثقافات، كلها تصبّ في انتاج جيلٍ مشوّهٍ نلعنهُ وننبذهُ في حين يتحمل المجتمع جزءاً من هذه العاقبة. الروايةُ تمثلُ صرخةً في هذا العالم المترامي الأطراف شماله وجنوبه، شرقه وغربه، عالم الأغنياء، وعالم الفقراء، و(العالم الثالث)، وتقرع جرس الخطر لما تعاني منهُ هذه الشريحة في المجتمع الدولي من أهمالٍ ونظرةٍ دونيةٍ، وسوء في التعامل، بل أن الكثير من الدول (المتحضرة) أهملتْ قوانينُها واعرافُها المعاقين أو (المنغوليين)، بشتى صورهم وأشكالهم وعاهاتهم.. بل وصمتَ عند هؤلاء الطب، وبعض رجال الدين من مختلف الديانات والمذاهب، فهنا دعوةٌ للمؤسسات الأممية والدولية لإعادة النظر بالقوانين والتعليمات، لنصرة هذه الشريحة، وكذلك لعالم الطب والأطباء لإنصافهم، وايجاد ثقافةٍ جديدةٍ واعيةٍ تتعامل بحرص انساني وحضاري وأخلاقي مع هذا المجتمع، الذي كان ضحيةً لمشاكل هذا الكون.إنجازٌ أدبي راقٍ، يستحقُ الوقوفَ عنده من قبل المشتغلين في النقد الأدبي، وعلم الاجتماع، والباحثين في الحوار بين الأديان، والمهتمين بوضع القوانين، ليغترفوا من هذه الرواية رؤىً وأفكاراً تبني بها عالماً جديداً يؤاخي بين الإنسان وأخيه مهما كان شكله أو معتقده أو لونه –خصوصاً- ممن يعانون من عاهة. وفي (ص: 104): (هناكَ عدم رضا يسكنُ في أحشائي، كتبتُ ومزّقتُ كثيراً حتى استقرّبي المطافُ الى رواية «الزمن المستحيل» فلا تبخلْ عليّ في نهاية الأمر، وقد رافقتني من أول حرف فيها).الروايةُ قُسّمتْ على رحلات، والرحلةُ هي السفر، الانتقال والتنقل، فهناك التنقل المكاني بين المدينة والريف، ومدينة ومدينة أخرى، وهناك رحلة الروح والعقل وتنقل الفكر وحركته من حال الى أخرى.. فالرحلة حركةٌ تسري في داخل تفكير كل شخصية من شخصيات الرواية. وكان عدد رحلات الرواية اثنتىعشرة رحلة، عنونتْ (إحدى عشرة) منها بتسلسلاتها الرقمية، وذكرت الثانية عشرة (الرحلة الأخيرة) لتعطي مدلولاً للقارئ أنها آخر رحلة كي لا ينتظر رحلات أخرى في النص يتبع هذا المقطع. وهي ضمن تقنيات سردها ومنهجها في الكتابة تولدُ الرواية عندها حيثُ يصطدم القارئ بحضور كمٍ هائل من الشخصيات ينفردون به ويضخون له حوارات كبيرة وكثيرة، وكأنه فيبداية الأمر يغيش أجواء غريبة بل يسمع لغات وأصواتا غريبة لا يفهم ولا يفقه معناها في صفحاتها الأولى، وكأنها تمد خيوطاً كي تجر القارئ نحو التالي من الدهشة، فبعد أن يسترسل بالقراءة تفتحُ الرواية ذراعيها له كي تُعرّفهُ بضيوفهِ الذين عجّوا بالمكان معهُ وبالأحداث التي تتوالى.. ثم تتركُ الروايةُ للقارئ حريّة تسمية الأبطال، فهناك تعددية أسماء للشخصية الواحدة، بل والأماكن غير محددة أو مشخصة، فتترك فسحات للخيال أن يختار المكان الذي ترسمه مخيلته ويعتقدُ أنهُ الأصلح، وكذاك الزمان. فضلاً عن الميزة التي تسودُ كتاباتها وهي أن تولد حكايةٌ من رحم حكاية والرواية مشحونةٌ بلغةٍ شعريةٍ محببةٍ. هنا وضعتِ الروائية تصميم مدينةٍ جديدةٍ، وضعت فيها كل ما يساعدُ أبطالها لتجاوز الأزمات والتحديات. فقد ذكرت أحدى الشخصيات المهمة في الرواية (سحر) مدينتها التعيسة ، وقد أسمتها:  «المدينة العمياء» ليست لأنها أغفلتها ولم تحتضن شبابها، أو أن أحدا من سكانها لم يرها فقط، بل لأنهامدينة النكبات، مدينة الموت، بوفاة والديها وفقدناها لهما في عمر مبكر، ثم عيشها مرحلة الخوف بوجود زوجة والدها، وزوجها الذي كان يعاكسها ويتحين الفرص للإنقضاض على فريسته.وكذلك أولاد زوجة أبيها.. والمدينة هي التي تنكرت لهؤلاء المعوقين ونبذتهم فتبرأت منهم ، كما تبرأ مجتمع المدينة وعوائلهم منهم، فجعلوهم بذلكالمنفى، الذي أصبحَ بعد حين فردوسهم .مدينةُ الذين فقدوا بصيرتهم، ولايرون إلا أنانيتهم المتضخمة، وينفرون من الآخر، مدينةٌ يسودها العنف واللاإنسانية.ومقابل هذه المدينة التي أنتجتْ تاريخاً مظلماً لحياة «سحر»؛ أبتدعتِ الروائية مكاناً ساحراًجميلاً بمكانهِ وبمجتمعه، في قريةٍ أسمتها: «أبو فرج» –وهي المدينة الفاضلة للروائية- ، والقريةُ مكانٌ يقعُ في ظاهر المدن عادةً، ويكون الحويصلة والرئة للمدينة المختنقة بدخان الحضارة والنفاق.. وتسمية فرج جاء –في المعجم الوسيط- : الفرج: انكشاف الغمّ، وانفرجَ الشيء: إتّسعَ، وانفرجَ الغمّ والكربُ: إنكشفَ.هكذا اختارتِ الروائيةُ مكاناً يكون فرج اًلمجتمع هذه القرية الذين جاء أغلبهم من مدنٍ شتى ولكل واحدٍ وواحدةٍ من شخوص الرواية حكايتهُ وخسائرهُ وأحزانه. وهذا المكان هو جنة الفردوس، وذلك كما وردَ في (ص:41): (لم أسأل عن الراتب، مغادرتي البيت تعني الدخول الى عوالم الجنة وإن كانت في قرية ومع معوقين).

المشـاهدات 142   تاريخ الإضافـة 14/05/2019   رقم المحتوى 16483
أضف تقييـم