الثلاثاء 2019/6/25 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
رحلة مع (مسافر زاده الخيال) لحمدي العطار
رحلة مع (مسافر زاده الخيال) لحمدي العطار
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

بحث أعدته الطالبة علياء حسين هاشم .. دكتوراه أدب / الفصل الثاني / جامعة القادسية

المبحث الثاني: البناء الموضوعي للرحلة
لما كانت الثقافة هي (منظومة القيم الأساسية للمجتمع) فقد ركزت هذه الرحلة على موضوعات أساسية كانت الشاغل الذي شغل المؤلف وهو يكتب رحلة منطلقاً من ثنائيات ناتجة عن طريق المقارنة الداخلية في النفس حيث تشغل باله وهو يدون مشاهداته في رحلته، وتتصل هذه الثنائيات بالمكان الذي يحلُّ فيه وطبائع الناس وديانتهم وما يتصل بتقاليدهم الشعبية والاجتماعية ووفرة الخدمات لديهم؛ سواء أكانت خدمات عامة تقدمها الدولة لمواطنيها أو خدمات خاصة تُقدم للسائحين كالطعام والشراب..

                                              أوَّلاً: ثنائية المكان 
تمثِّل قدرة البشر على البناء والتشييد أهم عناصر الثقافة. ولما كان التشييد لا يقوم إلا على مكان معين وبقعة من الأرض معروفة ومحددة، أصبح هذا البناء علامة ومعلما يتسم به المكان الذي حمل هذا البناء ونُسب إليه، فكان البناء وما يتصل به من عمران أكثر ما يجذب الزوار والرحالة ومن يمر بالمكان، فأصبح وصف المكان لازمة من لوازم الرحلة، يصفه الرحالة وينزلون به ويعجبون بما فيه، ويتخذون اتجاهه موقفاً يكوِّن المكان العنصر الأثير بالنسبة للكاتب فهو يرحل من أجل المكان فيقف فيه ويتأملهُ طويلاً ليبدأ بوصفه، والغالب في هذه الأمكنة هو جمالها، فكل الأمكنة التي زارها الكاتب ووصفها في رحلته كانت جميلة وما عليه إلا إظهار ذلك الحسن والجمال، ويتصل المعيار الجمالي لديه بعدة عوامل تجعل من المكان المفضل لديه جميلاً وممتعاً، ومن هذه المعايير جودة التصميم وثراء البيئة وحسن اختيار أجزاء المكان وتاريخه القائم على حكاية أو ربما أسطورة. أما ثنائية المكان فهي تتشكل نفسياً داخل نفس الكاتب؛ وذلك لأنه ينطلق من همٍّ ثقافي عاشه في العراق ، ويتمثل هذا الهم في رؤيته أن كل ما في العراق هو أدنى منزلة وأقل شأناً من غيره من البلدان، قد لا تكون هذه المشكلة عائدة للعراق نفسه وإنما بسبب ظروف قاسية ألمَّتْ به أهمها الحروب والحصار والويلات المتلاحقة، فهذا الشعور المضمر لدى الكاتب هو الذي يحرِّك تلك الهواجس، فعندما يقف على اي بقعة من الأرض يتأملها ويتأمل بلده ومكانه الذي يعيش فيه من دون ان يصرح بذلك ويجري مقارنة داخل شعوره ووجدانه فيظهر ما مكنون للمكان الجديد فيتغلب بحسنه وجماله ويسد الهوَّة الحاصلة ويُشبع الحاجة التي ظلت طوال سنين وربما عمر بأكمله غير مشبعة لمواطن سكن العراق ومرت عليه تلك الظروف القاسية ولم يتمكن من مغادرته أو الارتحال عنه، وإذا يجد نفسه اليوم في المواجهة مع مكان جديد يُحاصره بعمارته وجماله وطرافه تاريخ تسميته فيقف الكاتب أمامه مُعبراً في سيل من الكلمات كل ما يشعر به وما يكنه لهذا المكان الجديد والعابر في الوقت نفسه.
الموضوع الاهم
يتضمن وصف المكان في الرحلة الموضوع الأهم في هذا الادب وذلك أنه ينتقل من مدينة الى اخرى ويقف عند تاريخها ومعالمها وما تشتهر به من صناعة او حرفة أو ميزة وقد يدخل في التفاصيل أحياناً، لكن الغالب انه يمر بها مختصراً ويصفها بعين المُشاهد او العابر سريعاً لأنه مرتبط بمجموعة من المسافرين لهم وقت يحلون به ويرحلون ولا يستطيع ان يتأخر عنهم. ومن ذلك وصف المؤلف لمدينة صور في لبنان. أو فنسيا مول في تركيا. أو وصف سنتر مدينة يريفان في أرمينيا. أو مدينة الفجيرة في الإمارات.
ثانياً: ثنائية الدين
يتصل بعملية الارتحال ووصف الرحلة الحديث عن الديانة لتلك الدول والامم، ولاسيما أن الكاتب رحل مُتنقلاً بين عدة دول أغلبها على دين واحد هو الاسلام، لكن الدافع الى ارضاء حاجة ثنائية ينطلق منها في صميم شعوره هو النظرة الدين المتأثرة بالظروف المعاصرة وما مرَّ به الدين في العراق من تجربة منفتحة أدَّت الى بروز الاسلام السياسي أو المتدين السياسي وتصديه لأمور الحكم والقيادة والانفتاح على جميع مرافق الحياة بطريقة لم تكن مألوفة قبل تاريخ 2003م. وبسبب كثرة ما تعثر الاسلام السياسي ومن يحكم باسم الدين في الحكم ووضع نفسه في الاتهام دائما كونه سارقاً ومغتصباً لحقوق الشعب تكرست هذه النظرة في نفس الكاتب وأخذت مأخذاً من وجدانه وشعوره انعكس في حديثه عن رحلاته وما يشاهده وما يلتقي به من أناس في تلك الدول، فكان كثيراً ما يتحدث عن ديانتهم ومعتقداتهم، ولما كان اغلب هؤلاء هم مسلمين فإنه يلجأ الى ابراز ما يمتازون به من مراسيم وتقاليد دينية لم يألفها في العراق فيوغل في استبطانها وارجاعها تاريخياً ليقف على حصيلة مهمة من المعلومات ليقدمها الى قرائه؛ ومثال ذلك قوله: ((تتصف الديانات في بداية تأسيسها ونشر دعوتها وتعاليمها وإرساء طقوسها واكتمال طروحاتها النظرية بالعقولة والاعتدال والتعامل الانساني والطابع العاطفي الرقيق، بل أن كل الديانات كانت في مرحلة التأسيس هي من تتعرض للعنف والاضطهاد.. ومن ثم يحكي لنا التاريخ ما يرتكب باسم الديانات النبيلة من جرائم وفظائع كبيرة ورهيبة ولا يمكن استثناء اية عقيدة دينية من تهمة التطرف لما يقترفه بعض الأعوان والمؤيدين من أعمال قتل وتنكيل لاتباع الديانات الاخرى)). ولم يكتفِ بالملاحظات العابرة والخاصة به وانما تناول ذلك في اطار اوسع: ((في ارمينيا هناك اهتمام كبير بالدين، وانها اول دولة أوربية كانت تعد الدين المسيحي أساساً لنظامها السياسي...)).
ثالثاً: ثنائية التقاليد والفلكلور
لقد كان للفلكلور والعادات الشعبية نصيب وافر من رحلة (مسافر زاده الخيال)، وموضوع الفلكلور والأدب الشعبي من الموضوعات المهمة التي تُثير قريحة أي زائر أو رحالة يريد أن يكتب عن بلد أو مدينة ما، فلا بدَّ أن يعرج أولاً على عادات أهلها في المأكل والملبس والمشرب والاحتفال بالأعياد وطقوس الزواج وغيرها .وينطلق الكاتب في هذه الرحلة من ثنائية ثقافية طرفها الأوَّل ما يمتلكه من خزين معرفي حول العادات والتقاليد التي عاشها في العراق، ويمثل الطرف الثاني ما وجده من عادات تختلف عمَّا ألفهُ؛ فراقتْ لهُ تلك العادات وأعجبه ذلك الفلكلور الذي تمتاز به تلك الشعوب، فعقد مقارنة مضمرة وخفية بين تراثه الشعبي وتراث تلك الشعوب، فكان البارز من تلك المقارنة حديث طويل عن تلك العادات والتقاليد لأُناس لم يرهم من قبل ولكن سمع بهم وبتقاليدهم لكنه لم يعاينهم عن قرب أو يشترك بها ويشعر بها ذلك الشعور الدافع الى توثيقها والكتابة عنها. ويكثر لديه الحديث عن فلكلور الشعوب والوقوف عند معالمه ورموزه، ومنها رمز الغزال في أرمينيا ((وهناك أسطورة تقول بأن الغزال قد جرحت قدمه وشفي عندما غمس قدمه في مياه ينبوع ساخن، ولتعزيز رمز القصة هناك على تلة تطل على المدينة نصب تمثال للغزال)). وتكلم كثيراً عن عادات الشعوب وتقاليدهم ولاسيما في الأفراح واقامة الاعراس، لكن حديثه عن تلك العادات مجزوء وغير مكتمل دائما وهو مرتبط باللحظة التي يرى فيها حفلة زفاف او تعميد طفل في الكنيسة، فلا يملك معلومات ثقافية عما قبل تلك المشاهدة او بعدها، يقول في وصف عرس رآه في أرمينيا وهو داخل مصادفة الى كنيسة (كيغارات كاني): ((صادف عند تواجدنا داخل الكنيسة حفل زفاف وتعميد طفل، العروسة كانت جميلة وترتدي ثوب الزفاف الابيض ومن دون مكياج! العريس كان يرتدي القميص والبنطلون، استأذنا من العريس والتقطنا مجموعة من الصور، وكان المدعوون والمشاركون في الزفة أكثر أناقة وتبرجاً من العروس)). يبدأ الثقافي من النقطة التي يتجاوز عندها البشر كل ما اكتسبوه من الطبيعة بالميراث. وبذلك تدخل الموضوعات الاخرى التي يصنعها الانسان أو يكون سبباً في ايجادها واعطائها صفة معينة واتخاذها رمزاً له تاريخ مُميز يقوم على حكاية يحفظها الأجيال ويتناقلونها عن تسمية المكان وتاريخه باختصار، وقد ركز المؤلف على هذه السمة الثقافية التي تمتاز فيها تسميات المدن والمعالم والرموز الثقافية، فخلف كل تسمية حكاية، يقف عندها الرحالة ويرويها لنا؛ ومن ذلك حكاية نهر الكلب التاريخي في لبنان ((أن تلك المنطقة فيها كلب ينبح بصوت عال ليس لإزعاج الناس النائمين في الليل الهادئ بل لتنبيه اهالي المنطقة عندما يهاجم الأعداء قريتهم، وحينما احتل العثمانيون هذه القرية سارعوا في قتل هذا الكلب الذي كان يُفشل عنصر المباغتة عندهم...)). وكذلك حكاية شارع الحمرة في بيروت وقصته التي رواها المؤلف: ((في شارع الحمرا ولهذا الشارع وتسميته قصة تاريخية، شبَّ نزاع بين بني تلحوق والدروز مع بني الحمرا المسلمين الذين كانوا يترددون على بيروت لبيع محاصيلهم الزراعية...))، أو شرحه لتمثال حريصا في جونية: ((وكلمة حريصا مشتقة من اللغة الفينيقية وتعني الطرف الحاد ولتمثال حريصا قصة غريبة))، ولم يكمل القصة وإنما تحدَّث عن صناعة التمثال فقط، وكذلك حديثه عن (العديسة) و(جبل ملتا).
رابعاً: ثنائية الخدمات
يمثل موضوع الخدمات لأي بلد مستواه الحضاري الذي ينطلق منه ومدى ما وصل إليه من رُقيٍّ ينعكس في ثقافة ذلك البلد ويعود على شعبه بقيمٍ مألوفة متبعة في معالجة الأزمات وإدامة تلك الخدمة من أجل استثمار ذلك الحضاري وديمومة الثقافي بوصفه منظومة القيم الأساسية للمجتمع. ولما كان الكاتب يصدر عن همٍ ثقافي راسخ ومألوف هو تردي الخدمات في العراق وتراجع مستواها في بلد يمتلك رصيداً من الحضاري ويمتلك تاريخاً طويلاً في العمران والبناء؛ جاءت توصيفات الكاتب لتصبَّ في تلك الثنائية (الخدمة/انعدامها).

المشـاهدات 104   تاريخ الإضافـة 20/05/2019   رقم المحتوى 16684
أضف تقييـم