الإثنين 2019/9/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
إلى من سيميل بوتين لو احتدم الصراع .. تركيا أم السعودية والإمارات
إلى من سيميل بوتين لو احتدم الصراع .. تركيا أم السعودية والإمارات
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* ديمتري ترينين

من الناحية الجيوستراتيجية، تسعى روسيا لتوظيف جميع أدوات القوة والدبلوماسية والمعلومات ومبيعات الأسلحة وصفقات الطاقة والقوة المباشرة والاستغلال المستمر لكل انقسام عرقي وديني يمكن العثور عليه في الشرق الأوسط.ولتحقيق هذا الهدف، تتبنى روسيا استراتيجية دولية أوسع، تتمثل في: استغلال أو خلق الأزمات الإقليمية كلما أمكن ذلك لشق طريق العودة أمام الكرملين إلى صدارة المشهد، باعتبارها قوة عالمية كبرى يجب أن تكون جزءًا من حل تلك القضايا. والحد الذي يمكن أن تصل إليه موسكو باعتبارها قوة عظمى في الشؤون العالمية، هو ما يحدد حجم مكانة بوتين في الداخل.

والهدف من سياسة بوتين الخارجية هو استعادة مكانة روسيا بوصفها قوة عالمية كبرى». لكن ربما يكون هناك هدف آخر أكثر أهمية هو رغبة بوتين في حماية روسيا من «الإرهاب الإسلامي المتطرف»، الذي استغل بوتين الخوف منه للصعود إلى السلطة خلال الحروب الوحشية في شمال القوقاز خلال فترة التسعينيات.مع الفارق بين الشخصيتين والسياقين والقوتين، يشبه بوتين في هذا المقام تحديدًا الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح الذي قال: «إن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين»، لذك فقد «حكم دائمًا عن طريق خلق البلبلة والأزمات»، كما تقول سارة فيليبس الخبيرة في الشؤون اليمنية في مقال كتبته في صحيفة «الجارديان». لماذا تهتم موسكو بعلاقاتها مع السعودية والإمارات؟.قد تكون سوريا هي القضية الأكثر إلحاحًا فيما أطلق عليه زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، «البلقان الأوراسية»، لكنها ليست القضية الوحيدة أو محور سياسة روسيا في الشرق الأوسط.الأولوية الثابتة لروسيا داخليًا وخارجيًا هي الظهور المستمر باعتبارها قوة عظمى عالمية متيقظة تقاتل ما تعتبره تهديدات غربية لتقويض الدولة. ويعتقد الكرملين أنه إذا لم تلعب روسيا دور القوة العظمى في المناطق ذات الأهمية الحيوية مثل الشرق الأوسط، فلن تكون دولة ذات شأن على المستوى العالمي، حسب ستيفن بلانك، كبير زملاء مجلس السياسة الخارجية الأمريكية.الهدف الرئيسي لروسيا في هذه المهمة هو: تشكيل كتلة معادية للولايات المتحدة. تحقيقًا لهذا الهدف، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادة دول الشرق الأوسط 25 مرة خلال عامين (2016-2017)، أي أكثر بخمس مرات من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وفقًا لتحليل أجرته مجلة «نيوزويك» للاجتماعات الرئاسية.من بين دول الشرق الأوسط، تبرز السعودية والإمارات باعتبارهما قوتين إقليميتين ثريتين ترى روسيا ضرورة مد جسور التعاون معهما لعدة أسباب:العمل مع دول الخليج يضمن ارتفاع أسعار الطاقة؛ وهذا أمر حيوي بالنظر إلى مركزية الهيدروكربونات في البرامج الصحية والاقتصادية الروسية.من خلال الاستثمارات والتجارة المتبادلة بين روسيا ودول الخليج؛ يمكن لموسكو الالتفاف على العقوبات الغربية، وزيادة التأثير الاقتصادي على أوروبا من خلال صادرات الطاقة.تسعى موسكو إلى منع الصراع بين شريكها الإيراني وهذه الدول السنية وإسرائيل؛ تجنبًا لعودة الولايات المتحدة إلى الصورة بشكل كبير، وإعطائها الفرصة لتنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى تهميش روسيا في الشرق الأوسط.تريد موسكو السيطرة على العلاقات التي قد تطورها دول الخليج مع الأقاليم الإسلامية في روسيا؛ لمنع انتشار الأيديولوجيات «غير المرغوب فيها». حيث أعلن مكتب الأمن الفيدرالي الروسي أنه عثر في مناسبات عدة على مطبوعات سعودية في داغستان وإنجوشيا تروِّج لـ«لأيديولوجيات متطرفة».في الوقت ذاته، لطالما كانت تركيا هي «النجم الهادي لسياسات بوتين في الشرق الأوسط»، على حد قول بلانك في «أتلانتك كاونسل». لسنوات، سعى الرئيس الروسي لإصلاح العلاقات الروسية-التركية، عازمًا بوضوح على تقليص ارتباط تركيا بحلف الناتو.بنى بوتين قوة اقتصادية هائلة في تركيا من خلال مبيعات الطاقة (الهيدروكربونية والنووية) والآن صفقات الأسلحة. وعلى الرغم من التوتر في 2015-2016 بعد إسقاط تركيا طائرة روسية على حدودها مع سوريا، أقام بوتين علاقة شخصية وثيقة للغاية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.تعد تركيا مثالًا على سياسة روسيا الأوسع، حيث ترتبط صفقات الطاقة والأسلحة على المستوى الإقليمي باتفاقيات تسمح لروسيا بالوصول إلى الموانئ والقواعد البحرية والجوية وغيرها من المنشآت التي تتحول في كثير من الأحيان إلى قواعد روسية.تسمح هذه القواعد لموسكو ببسط نفوذها العسكري -كما كانت تتوق تاريخيًا- إلى بلاد الشام والبحر المتوسط، مع قطع طريق حلف الناتو إلى البحر الأسود، وكبح قدرة الحلف على شن عمليات سواء في الشرق الأوسط أو ضد روسيا من البحر الأبيض المتوسط والبلقان. وما بدأته روسيا بضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، جعل نشر قواتها في البحر المتوسط والشرق الأوسط تكملة لا مفر منها.في المقابل، يرى أردوغان أن روسيا هي القوة المهيمنة في الأزمة السورية، لذلك يواصل العمل مع موسكو على أمل التأثير في مستقبل سوريا، وتحديدًا الحد من قوة وتأثير الأكراد.وحتى بعيدًا عن القضية السورية، يرى أردوغان أن روسيا تمثل ثقلا موازنًا مفيدًا للعلاقات مع الغرب. يرى يرجح مويرا جوف-تايلور في مركز «وودرو ويلسون» أن أردوغان يريد أن يبعث برسالة إلى الأوروبيين مفادها أن تركيا لديها حلفاء آخرين يمكن أن تتحول إليهم عندما يتراجع دعم الشركاء الغربيين.تركيا والسعودية قوتان كبيرتان في الشرق الأوسط، لكنهما ليستا صديقتان تمامًا. صحيحٌ أنهما اتخذا الموقف ذاته في سوريا منذ البداية، فضغطا للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، ونقلا مساعدات إلى الجماعات المسلحة ذاتها. لكن الرياض كانت تنظر بتشكك مبكر إلى سياسة أنقرة الداعمة لجماعة الإخوان المسلمين، وهو الموقف الذي تُوِّج بتأييد سعودي للانقلاب العسكري الذي أطاح الإخوان في مصر.كما وقفت تركيا والسعودية على طرفي نقيض حيال قطر؛ الإمارة الغنية بالغاز التي لا تزال أفضل صديق للأتراك في الشرق الأوسط، وراعية الإخوان المسلمين، لكنها في المقابل أغضبت محمد بن سلمان، الذي لا يروق له أيضًا تعاون تركيا مع إيران، عدو السعودية اللدود، ثم جاء مقتل الصحفي جمال خاشقجي ليضع المزيد من الزيت على نيران الخصومة.هناك أزمة جديدة بين السعودية وتركيا، يتوقع بيرول باسكان في «معهد الشرق الأوسط» أن تكون أشد وطأة من النزاع حول مقتل خاشقجي، تتعلق بوحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها تركيا الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وبالتالي فهي تراها جماعة إرهابية تشكل تهديدًا أمنيًا.بينما تسعى أنقرة إلى القضاء تمامًا على الوحدات المسلحة الكردية من شمال سوريا، تسعى السعودية لمغازلة الأكراد بمشاركة حليفيها الإقليميين القويين: الإمارات ومصر. نتيجة لذلك، أصبحت المشاعر المعادية للسعودية متفشية في تركيا، ويرجح بيرول أن تنتشر على نطاق أوسع وأعمق في المستقبل القريب.لم يعد من المفاجئ الآن قراءة مقالات لكتاب موالين للحكومة التركية يعلنون فيها أن السعودية والإمارات عدوان لتركيا. كما يتوقع أن تكون إعادة إعمار سوريا معركة أخرى بين القوى المتنافسة التي تحاول ترسيخ نفوذها في البلد التي دمرته الحرب من خلال دفاتر الشيكات؛ ما دفع الصحفي مارك تاونسند إلى القول أن «معركة سوريا بدأت للتو».على الرغم من أن التنافس التركي-السعودي يمثل مصدر قلق كبير، فإن العداء بين تركيا والإمارات قد يكون في النهاية أكثر إشكالية -بحسب ديريك دافيسون- ذلك أن الإمارات كانت أكثر صرامة من السعوديين تجاه جماعة «الإخوان المسلمين» (التي يدعمها أردوغان و«حزب العدالة والتنمية» بقوة)، حسبما يلفت حسين إيبش، الباحث المقيم في «معهد دول الخليج العربي» في واشنطن.تعارض الإمارات بشكل قاطع لا لبس فيه جميع أشكال الإسلام السياسي وتسييس الإسلام وأسلمة السياسة. يقول ديريك دافيسون في موقع «لوب لوج»: «أي إصدار من هذا النوع هو لعنة من منظور دولة الإمارات العربية المتحدة. وهي ملتزمة بما يرقى إلى مستوى السياسة العلمانية في المنطقة، وفصل الدين عن السياسة».في المقابل، لا يمكن أن تتخذ السعودية موقفًا حاسمًا تجاه الفصل بين الدين والسياسة، لأن المملكة تقدم نفسها باعتبارها دولة دينية، ويستمد ملكها شرعيته من خدمته للحرمين الشرفين، متخذًا من القرآن دستورًا.يضيف دافيسون : «ولي عهد أبو ظبي، الأمير محمد بن زايد، هو الزعيم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة، ويعتبر على نطاق واسع مرشد محمد بن سلمان، الذي يشجعه على تبني سياسة معادية لتركيا. لذلك، فإن أي تقارب تركي-سعودي يجب أن يبدأ بابتعاد محمد بن سلمان عن حليفه الإقليمي الأقرب في الإمارات».وبعدما كانت الإمارات تبتعد عن الأضواء، حتى عندما تدعم العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، مثل: حرب الخليج عام 1991، أصبحت الآن تنشط في تمويل الوكلاء وتسليحهم وتدريبهم في ساحات الصراع المختلفة، بل وتتسابق لتدشين قواعد عسكرية في أفريقيا.ماذا لو تفاقمت التوترات بين «الإخوة الأعداء» إلى مستوى الاشتباك العلني أو حتى تصعيد الحرب بالوكالة في أنحاء المنطقة؟ ماذا لو أدارت الولايات المتحدة وجهها في الاتجاه المعاكس، وتركت حلفاءها السنة يسوون حساباتهم بأنفسهم؟.هل يمكن أن يقرر أردوغان أن هناك زعيمًا واحدًا فقط يستحق التعامل معه، هو: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حسبما كتب الباحث ديميتار بشيف في موقع «أحوال تركية»؟ أم أن أولوياتهما ورؤاهما الاستراتيجية المختلفة، ناهيك عن انحياز روسيا لأحد الجانبين إذا اشتعل الموقف؛ يشكك في إمكانية ازدهار التحالف بين أنقرة وموسكو إلى ما هو أبعد من المستوى الراهن، كما يرجح خبير الشؤون التركية، سنان سيدى، في تحليل نشره «ستراتفور»؟.لعل الجواب الأدق هو أنه إذا كان «بإمكان روسيا أن تتعامل مع الجميع في الشرق الأوسط، وهي ليست الصديق المفضل لأحد»، فلماذا تخسر هذه الميزة التي قال عنها فيصل اليافعي في صحيفة «ذا ناشونال»: «سعي موسكو لتحقيق مصالحها الخاصة، وعدم الانحياز إلى جانب؛ هو ما يمنحها قوة كبيرة».مع التغير الكبير والسريع في المنطقة، فإن الموقف الأقوى هو: عدم اختيار جانب. لعبت موسكو هذه اللعبة بذكاء؛ حيث تبنت نهجًا براجماتيًا، يفضل عقد الصفقات العسكرية ومد جسور العلاقات الدبلوماسية على العلاقات الدائمة. وبهذه الطريقة، تتمتع روسيا بالحرية في السعي وراء مصالحها الخاصة، مع الحفاظ على علاقات جيدة نسبيًا مع الجميع. ففي الشرق الأوسط الذي يتسم بالتحالفات المتغيرة، هناك فائدة كبيرة لكونك شريكًا غير مستقر.بكلمات أخرى: الصديق الأقرب لروسيا في الشرق الأوسط هو: المصالح الروسية، التي تحتم على الكرملين الاستثمار في كل شيء وتوظيف الصداقات كما العداءات، بل وخلق الأزمات إذا استدعى الأمر، طالما لم تخرج الأمور عن نطاق السيطرة.

* مدير مركز «كارنيجي» 
في موسكو
 

المشـاهدات 458   تاريخ الإضافـة 02/06/2019   رقم المحتوى 17091
أضف تقييـم