الأحد 2019/8/18 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
البعد الستراتيجي لتركيا ودورها في الساحة الدولية
البعد الستراتيجي لتركيا ودورها في الساحة الدولية
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* عادل الحجاري

ليس من السهل أن ينظر العالم إلى العمق الستراتيجي والبعد الجغرافي الذي مكن لتركيا أن تتجه نحو الإقلاع السريع في جل الميادين، فمن حيث التاريخ نجد أن هناك تناقضا في مصير الدول فيكون من الضروري أفول دولة وصعود دولة أخرى كحد أقصى ونقطة فاصلة بين مكامن ازدهار القوة، وإشكالية ضعف النمو، فمن حيث المكانة الستراتيجية نجد أن أكثرية الدول المتقدمة قد قطعت أشواطا بفضل الموقع والتقارب بين ثلث القارات، والإنفتاح على مختلف الأبواب التجارية، بريا وبحريا وجويا.

وتعد تركيا في هذا الشأن نجم دولة تقع بين ضفتي أوروبا واسيا شرقا تخللتها عبر التاريخ عوامل النشوء والتوسع وبناء القوة العسكرية وتصدير النفوذ، فمن شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط إلى شمال افريقيا باستثناء المغرب، ثم ما تلاها من صراع عنيف مع الدول الكبرى مروراً نحو دخولها غمار الحرب العالمية الأولى، والغاء السلطنة العثمانية سنة 1922وميلاد دولة تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك. هذا وإذا كانت تركيا قد سطرت تاريخا دبلوماسيا وسياسيا وعسكريا بفضل موقعها الستراتيجي تارة، وتمسكها بالعقيدة الإسلامية تارة أخرى، بعد أن شكلت مركز الثقل في العالم الإسلامي تحت غطاء « الجامعة الإسلامية « التي تأسست في اسطنبول سنة 1876، بفضل جيل من النخبة المنتمين للتيار السلفي كجمال الدين الأفغاني وكورقة في يد السلطان عبد الحميد الثاني لتحقيق التضامن والأخوة ومجابهة الغرب الأروبي بكافة الوسائل والإستراتجيات، لكن مفهوم الجامعة الإسلامية لم يكن مدلولا حتى الآن، حيث تحول إلى مفهوم منظمة المؤتمر الإسلامي وهي ليست كشأن الجامعة العربية، كما يعرفها الإختصاصيون في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بل العكس تأسست الجامعة الإسلامية بفضل فكرة رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، في حين أن الجامعة العربية لم تكن وليدة الا في سنة 1946 تحت اشراف بريطانيا.وينبغي التمييز بين الموقع الإستراتيجي الذي تتوفر عليه تركيا، بخصوص انفتاحها على ممرات بحرية، فهناك البحر الأسود حيث تتجه تركيا الى تصدير واستيراد مصادر الطاقة والغاز والأسلحة والقطن من الصين وروسيا، ثم البحر المتوسط الذي يمنحها أبوابا تجارية مهمة، فمن اتجاه الشمال يتحول الثقل الإقتصادي لدى تركيا الى البحث عن شركاء في الإتحاد الأوروبي، ومن الشرق حيث تصدر تركيا مختلف منتوجاتها نحو الشرق الأوسط والهند وباكستان وافغانستان، ومن جهة الغرب، نحو شمال افريقيا والقارة السمراء.    ولعل الدافع الكبير الذي تحظى به تركيا من حيث الموقع الإستراتجي، منحها أهمية كبرى في تحويل الثقل الإقتصادي المحلي والجهوي والعالمي الى مكانة مهمة بعد تخطيها الرتبة من 32 عالمياً الى 12، أو في تحويل الصناعة المحلية وتصديرها الى مختلف الدول، بحيث حققت أرباحاً بفضل وفرة الطلب على منتوجاتها الغذائية، الأفرشة، الملابس.أما استراتجية تركيا تجاه الدول الكبرى، فتقوم على التوازن في المبادلات التجارية والقوة العسكرية، حيث تعد روسيا والصين والاتحاد الأوروبي واسرائيل والولايات المتحدة من أبرز الشركاء التجاريين الكبار لدى أنقرة، كما ان استيراد ما تبقى من الصناعات الثقيلة والأسلحة، تكون روسيا وألمانيا من أبرز المصدرين لتركيا، ثم تليها الولايات المتحدة وبريطانيا، ويليها الإعتماد على ما تبقى من الصناعات المحلية بعد نجاح أنقرة في تصنيع غواصات ودبابات ومقاتلات في ظل التوتر والمنع الشديد من طرف واشنطن.لقد كان لإستراتجية تركيا في تطوير قدرات الدفاع لحماية أمنها الجوي، يهدف اساسا الى شراء أخر طراز من منظومة الدفاع إس 400 الروسية، إذ لا تزال الصفقة جارية وإقبال الضغط الكبير عليها من جانب حلفاءها في الناتو وإقناعها بالتراجع عن هذه الصفقة مقابل اتمام صفقات صواريخ باتريوت ومقاتلة إف 35 الأمريكية، حيث يتم تدريب الطيارين الأتراك في أمركيا، وفي حال عدم تراجع قرارها عن صفقات مع روسيا فإن امريكا ستلغي صفقة إف 35 وستطرد الطيارين الأتراك، يأتي ذلك كخطة بديلة ومخاوف وشيكة من جانب حلفاء تركيا في الناتو، اعتبارا لحصولها على أضخم منظومات روسية قد يمكن  روسيا اختراق المعلومات والخبرات الاستراتيجية للناتو وهو ما يمهد إلى تمزيقها.على هذا الأساس، لم تضمن استراتجية تركيا في التخلي عن قدرات الدفاع احتراما لحلفائها في الناتو، وانما اعتبرت صفقة السلاح بمثابة حماية بلادها من أي خطر محتمل، وهذا موقف جيد ومهم يحق لتركيا أن تفعل مما تشاء، ولا أي ضرر أو أضرار قد يشوه سمعاتها في المحيط الدولي، لكن ورغم الضغوطات الدبلوماسية التي حالت دون تحفظ ملموس وجوهري، هذا التحفظ ليس له اي شأن في المحيط الدبلوماسي سوى عقد صفقة، أو إبرام اتفاقيات وشراكة وتعاون استراتجي مهم كما في العرف الدولي المتعارف عليه الجميع.وفي حال تواصل الضغط الغربي الكبير على تركيا، وتهديدها بعقوبات، فهذا يشكل خطرا على الأمن والاستقرار ليس لتركيا بل للعالم فقط، اعتبارا لكون الموروث التاريخي وامتلاك معضلة القوة قصد اللحاق بالعالم الأول هو الحاجة الأسمى والغاية الضرورية لنهضة تركيا من حيث حيويتها واستراتجيتها ودخولها في خانة الدول الصناعية الحديثة.كما أنه ليس من المعقول أن تتجه واشنطن الى ممارسة الحقد الضغين على تركيا ، ونزع قوتها، وتجريدها من كل وسائل القوة والتقدم العلمي والتكنولوجي، وليس للإتحاد الأروبي أن ينتهج في حق تركيا مما انتهجته امريكا، لأن تركيا هي المظلة الدفاعية للإتحاد الأروبي من أي خطر قادم سواء من روسيا او الصين، رغم أن أوروبا لا تريد أن تخسر حليفتها تركيا التي هي بموجبها تمتلك أكبر جيش في أوروبا، وثاني جيش في حلف الناتو، فلماذا تتعامل أمريكا والإتحاد الأوروبي مع تركيا كدولة صديقة على أساس العقوبات الاقتصادية المفروضة والتدخل في شأنها والمساس ببعدها الإستراتيجي في التنقيب عن النفط في قبرص أو في وضع منطقة آمنة في سوريا لإستقرار وإعادة اللاجئين، حيث وجه أردوغان كلمة قرية للإتحاد الأروبي قائلا: إما منطقة آمنة في سويا وإما فتح الحدود لعبور السوريين نحو أوروبا من جديد.فتركيا تعيش اليوم بعدا استراتجيا مهما، وإقلاعا إقتصاديا سريعا، وثورة علمية وثقافية متنوعة، واستقرار اجتماعي، وقوة عسكرية تكلف لها الضمان والحماية، إذ لا يستطيع الغرب أن يجابهها، ولا أن يستوعب شروط نهضتها أو لمحو حضارتها وخنق دينها والإستهزاء بشعوبها، بل بدت تركيا اليوم كرجل مناسب واقف في المكان المناسب، ينتظر الوقت المناسب قصد تعميم النهضة والرخاء لشعب مناسب.وكما وقفت كالرجل أصبح الخوف من نهضتها يعم أوساط القادة وكبار المسؤولين في الغرب، كما كان لشأن الأزمة بين تركيا وألمانيا بسبب المهاجرين قد احتل مكانة مهمة في صراع دبلوماسي بينهما، لكنها في نفس الآن عادت العلاقات بين البلدين من جديد بعد الزيارة التي قام بها أردوغان الى برلين، حيث صرحت المستشارة الألمانية عن تدهور العلاقات ثم عودتها من جديد قائلا: «ألمانيا وتركيا مصير مشترك عبر التاريخ، وعلاقات استراتجية واقتصادية مفتوحة ، وسنبقى حلفاء تحت مظلة الناتو»، مما يعني أن الغرب يخاف منها ولا يود أن يخسرها، لكنه يريد أن يمارس الحيلة عليها مقابل فشلها، فالخوف ليس سببا في عبقرية ساساتها فقط، بل في استراتجيتها، وقوتها الإقتصادية والعسكرية، والتسمك بهويتها وعقيدتها ودينها الإسلامي.

* كاتب مصري

المشـاهدات 327   تاريخ الإضافـة 09/06/2019   رقم المحتوى 17214
أضف تقييـم