الأحد 2019/7/21 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
الشاعر الذي أطلق العنان لعباراته لتنعكس رؤياه على ذاتيته بدقة متناهية الدلالة
الشاعر الذي أطلق العنان لعباراته لتنعكس رؤياه على ذاتيته بدقة متناهية الدلالة
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / أحمد البياتي
(كلما أفسدوا قلماً طويت ورقي) مجموعة شعرية للشاعر جواد غلوم صدرت عن دار امل الجديدة / سورية ـ دمشق، وهي من القطع المتوسط وتضمنت (38) قصيدة شعرية. العنوان يمثل العتبة الأولى التي يلج منها القارئ الى عالم النص، والشاعر يبذل عناية قصوى لمسألة اختيار العناوين باعتبارها نصوصاً موازية لها اهمية كبرى في عملية القراءة والتأويل، الذخيرة المعرفية والتجارب الحياتية للشاعر مكنته من إثبات شروحه ومراميه للقارئ بدقة متناهية بتحديده الدلالة في القصيدة كون النص يبقى مفتوحا على آفاق قرائية متعددة..
صياغته اللغوية هي صياغة شعرية رقيقة وعذبة وصوره عميقة ومعظم قصائده في هذه المجموعة يتخطى فيها حدود المصير البشري ويتمنى لو كان قادراً على أن يسمع ما يرى من مآسِ الحياة واضطرابها في زمن مغلق وهو لا يملك غير قدرته الإنسانية ليوآلف بين وجوده وهذه الصور الشعرية التي صاغها، مطلقاً العنان لعباراته لتنعكس رؤياه على ذاتيته ليحقق التجسيد الحميم والإتصال الرمزي بأرواح الحقائق التي يبوح بها لأنه يتلمس ماوراء المظاهر.
لا أعبأ من رصاصة تصوب نحوي من بعيد
انها بالكاد تلامس اناملي
تدغدغ سكوني
خوفي من حجارة ترمى عليّ عن قرب
فتشج رأسي وتدمي قلبي
انها حجارة اهلي رماة المنجنيق .. مقطع من قصيدة (هزيمة بنكهة النصر) ص 34
لمست ان الشاعر يقيم علاقات جديدة بين أشياء الكون وقد استدعى ذلك ادوات تعبيرية تستطيع تجاوز معطيات الجاهز والمألوف، لذلك كان التعامل مع نصوص الشاعر بوصفها موضوعاً جمالياً يمنح أدواته الفنية من تصور خاص لمفهوم الشعر ووظيفته، حيث يتجدد الإشتغال الشعري في هذه المجموعة باعتباره فعالية لغوية ابداعية تقوم على التنظيم الخاص لوسائل التخييل الشعري من لغة وصور وأساطير وإيقاع ورموز.
ابدا ستردين اليّ كلّ احتراقي
وحروفي التي رصصتها ونسقتها
لتكون جملة مفيدة عاشقة
وضعتها في اكليل كلماتي
وضنختها بدماء المفردات
لا ارضى سوى سوار معصم القصيدة
التي صنعتها من ينابيع الكلمات العذبة
لملمي كلّ صحائفي ورسائلي
واجمعي كل ثرثراتي
التي تفوهت بها هنا وهناك.. مقطع من قصيدة (تغريد وسط السرب) ص 62
للوهلة الأولى وكأي قارئ شعرت بعطاء الشاعر عبرَ صوره الشعرية المتجددة، وجدته محاصرا نفسياً بانثيالات واحلام وآمال للكثير من مواضيع الحياة في ذاكرته التي جعله محور الدلالة في التجسيد الحي للذكريات من خلال اصراره على توليد الصور المتعددة التعابير وفق رؤياه الممتزجة بنواياه. استمر في بناء القصائد بالمهارات التي امتلكتها عندما وظف ادواته الشعرية بطريقة فاعلة ومؤثرة متوغلا بشهية جديدة للأحداث المتدفقة بصفاء الرؤية الثاقبة واللون الشاعري الجميل.
اينما تنسل يدي اتحسس لمساتك الغمام
تبلل باديتي العطشى اليك
تملؤني عشبا نديا نضيرا
واخضرارا ساطعا في مملكتي القاحلة
افتح خزانة ملابسي
يفاجئني عطرك؛ يربك انفاسي
انا المعتوه بشميم رائحتك
اتفقد طاولة زينتك
مرآتك الساكنة الحزينة
احمر شفاهك المدمى بالحنين
مكحلتك السوداء الغارقة بالبكاء
وشاحك الملتف المزين بالزنابق
فأراها توشك على الذبول .. مقطع من قصيدة ( سيدتي الغائبة) ص 80
رغبته كانت واضحة في ايصال بنائه الشعري بإحكام متدرج نحو النمو مستندا الى الوجدانية الشاعرية ذات التأثير الحسي والفاعل وهذا مااعطى للقارئ صوراً شعرية جديدة تعبر عن تجربته العميقة للحياة الواقعية بما فيها من الخليط المتجانس للأحاسيس والمشاعر الفياضة الدافقة، كون العمل الشعري يرتبط بالرغبة الجامحة في نفس الشاعر للبوح ونشر الحقائق عبرَ أضوائه الروحية المخزونة في ممرات نفسه الإنسانية فتمكن من توضيح إشارة دلالة المقطع الثاني بالمقطع الذي سبقه بطريقة رائعة فيها اللمحة الشعرية التي ولّدت الصور بجمل شعرية مصاغة بدقة تعبير.
متّكاي النجوم
ونافذتي كوّة الشمس في ضحاها الوسيم
خطاي خطى الأنبياء 
وحشتي قلب يوسف في غيهب الجب
يبكي وحيدا بلا اخوة او اب
او صديق حميم
احرفي في السماوات زخرفها
نضدتها التراتيل
ما شابها الغث والضعف
ما ارجحتها الرياح
طلعتي وجه وضاح في اوج بهجته
عاشقا للملاح
سلما صاعدا للجنان الفساح... مقطع من قصيدة (من ترانا نكون) ص 49
كما هو معلوم ان القصيدة تقدم نفسها وكأنها مُرَّكَبْ أو بناء رمزي مكثّف مزود بقيمة أكثر من الأشياء الأخرى المعروفة في حياتنا الإبداعية كون العاطفة تؤدي الى خلق العلاقة أو الإرتباط بين الموقف والموضوع المطروح من قبل الشاعر، لذلك وجدته يسفح ذاته ليتفنن في إعطاء قيمة فنية وجمالية من خلال إفتراضه للصور الشعرية النادرة التي تضفي الهناء وهي سبيله الوحيد للإتصال بالحقيقة الشعرية.
احمل خفافا او ثقالا
فالحمائل عبء ظهرك
وابعد عن الدنس البذيء
فما اعزك غير طهرك
اسطع كما الشمس الضحوك
وكن صبوحا مثل فجرك
فالليل خف على فؤادك
والهناءة طوع امرك
لا تبك ان عصف الاسى
مازال همك غير صبرك
الشعر والكلمات تحزن
حينما تبكي كحبرك
وتموت كالنسيان ان لم
تنتفض من قاع قبرك.. مقطع من قصيدة ( لو خفّن اعباء الشاعر ) ص 99
لابد للشاعر ان يمتلك رؤيا خاصة به، تختزل موقفه الفكري والجمالي من الحياة والشعر والعالم ، رؤيا تجدده من الداخل وتجعل من عمله الشعري أو مجموع كتاباته الشعرية وحدات متفاعلة داخل سياق رؤيوي متجانس شديد الفاعلية، في مجموعة الشاعر جواد غلوم هذه نظرت الى بدايات القصائد ونهاياتها فوجدت انها ترفع من وتيرة توتر التجربة وتثري المعنى وتطلقه في فضاءآت عدة تيسر قراءآت كثيرة تخصب دلالاته، واذا كان النص الشعري يبحث عن معنى للحقيقة، فان المعنى الملتقط يكون تحت أوجه عدة ، لذلك فان عودة النهاية في النص الى احضان البداية والتواشج معها يعني تشابك اللحظة النفسية واللحظة الشعورية مع لحظات التأمل في جوانب أخرى.

المشـاهدات 167   تاريخ الإضافـة 13/06/2019   رقم المحتوى 17456
أضف تقييـم