الثلاثاء 2019/7/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
لماذا يصر عباس على التنسيق الأمني مع إسرائيل رغم كل عيوبه
لماذا يصر عباس على التنسيق الأمني مع إسرائيل رغم كل عيوبه
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* دالـيــــا حـتــوقـــــة

إن كلًا من إسرائيل والسلطة الفلسطينية في أمس الحاجة إلى بعضهما البعض؛ إذ إن الأولى تحتاج التنسيق الأمني مع الأخيرة لوأد أي انتفاضة في الضفة الغربية، في حين لا يمكن للأخيرة التخلي عن التمويل القادم من إسرائيل، وإلا انتهى وجودها. بعد منتصف ليل 11 حزيران الماضي، لاحظت قوات الأمن الفلسطينية سيارة مشبوهة تسير في الظلام خارج إحدى قواعدها. فاقترب أفرادها للتحقق من الأمر، ليفاجأوا بوابل من النيران من قوة إسرائيلية متخفية باتجاه مقر للأمن الوقائي؛ مما أسفر عن إصابة ضابط فلسطيني. ما حدث بعد ذلك هو موضع نزاع، إذ زعم الجيش الإسرائيلي أن قواته ارتكبت خطأً غير مقصود بظنها أن قوات الأمن الفلسطينية هي عناصر فلسطينية مسلحة، وتبع ذلك تبادل لإطلاق النار.

ولكن رفض إبراهيم رمضان، محافظ نابلس، ادعاء الجيش الإسرائيلي بأن قوات الأمن الفلسطينية أطلقت النار على القوات الإسرائيلية، وقال إنهم فجأة وبدون مبرر حاصروا مجمع قوات الأمن لمدة ساعتين. وقد أدان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية الحادث، ووصفه بأنه تصعيد خطير يهدد السيادة الفلسطينية.وقال رمضان: «هذه ليست المرة الأولى – ولن تكون الأخيرة – التي يلحق فيها جيش الاحتلال الأذى بشعبنا، ولكن الجزء الخطير في هذا الحادث هو استهداف مقر عسكري فلسطيني». ووصف الحادثة بأنها جزء من استراتيجية إسرائيل لإثارة الفوضى وعدم الاستقرار في الضفة الغربية، وإعطائها ذريعة لضم الأراضي من جانب واحد أو تنفيذ سياسات أخرى تتفق مع صفقة القرن الأمريكية.
سابقة خطيرة
هذا الحادث مهم لسببين؛ فقد وقع في المنطقة أ من الضفة الغربية، والتي – من الناحية النظرية على الأقل – تقع تحت السيطرة الإدارية والأمنية الفلسطينية الكاملة. كما أنها المرة الأولى منذ سنوات عديدة التي تتعرض فيها القوات الفلسطينية، التي تتعاون أمنيًا بشكل وثيق مع إسرائيل، لهجوم إسرائيلي.بموجب اتفاق أوسلو الثاني في عام 1995، قُسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية منفصلة: المنطقة أ، حيث تقع معظم المراكز الحضرية الفلسطينية وتكون السلطة الفلسطينية مسؤولة اسميا عن الأمن والإدارة المدنية؛ والمنطقة ب، وتشمل المناطق النائية من المدن والقرى الفلسطينية المبنية حيث تطبق السلطة الفلسطينية القانون المدني، مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية؛ ثم المنطقة ج، حيث تقع جل المستوطنات الإسرائيلية وتشرف إسرائيل على الشؤون الأمنية والمدنية.تقع غالبية أراضي الضفة الغربية «حوالي 60%» في المنطقة ج التي تربط المستوطنات الإسرائيلية، بينما تفصل القرى والمدن الفلسطينية عن بعضها البعض. لقد عملت الولايات المتحدة دائمًا منسقة بين قوات الأمن الإسرائيلية والفلسطينية، إذ لعبت دور الوسيط النزيه، إذا جاز التعبير.في الواقع، فإن الضفة الغربية لا تدار من قبل السلطة الفلسطينية وحدها مثلما أقرت اتفاقيات أوسلو إذ تقوم القوات الإسرائيلية بانتظام بمداهمة قرى ومدن الضفة، وتروع وتحتجز وتقتل الفلسطينيين. كما عانت قوات الأمن الفلسطينية لتفادي نظيرتها الإسرائيلية في الأماكن العامة، وكثيرًا ما تراجعت إلى ثكناتها عند إخطارهم بأن جنود الجيش الإسرائيلي يعملون في المنطقة المجاورة. والمتضرر الأكبر هو الشعب الفلسطيني، الذي ينظر بعين الريبة للتنسيق الأمني بشكل عام، ويشبهه بالشر الضروري في أحسن الأحوال والخيانة في أسوأ الأحوال.تقول تامي رفيدي، وهي ناشطة في مجال حقوق الإنسان خاضت الانتخابات المحلية عام 2012 مع قائمة فتح: «يقتحم الإسرائيليون رام الله وقتما يشاؤون، ولا ترى أحد أفراد قوات الأمن الفلسطينية في المنطقة المجاورة. لكن عندما يكون هناك احتجاج من جانب المعارضين الفلسطينيين، ترى العشرات منهم. لهذا السبب لا يمكن لإسرائيل أن تسمح بإضعاف الأمن الفلسطيني. لأن قواتنا الأمنية تجعل عملهم أسهل».تلقت قوات الأمن الفلسطينية تدريبات ومعدات من الولايات المتحدة منذ تأسيسها رسميًا في الضفة الغربية وغزة في التسعينيات بعد توقيع اتفاقات أوسلو – تضيف حتوقة. لكن إسرائيل دمرت قطاع الأمن الفلسطيني خلال الانتفاضة الثانية من عام 2000 إلى عام 2005، بما في ذلك البنية التحتية والمعدات.
جذور التنسيق الأمني
مع نهاية الانتفاضة الثانية عام 2005، تولى محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية. قبلها عامين فقط، كان رئيس وزراء غير منتخب وصل إلى السلطة بدعم من الولايات المتحدة لأنه كان أكثر قبولا لدى الأمريكيين من ياسر عرفات. قام عباس على الفور بتنفيذ إصلاحات ضخمة في قطاع الأمن كي يثبت لإسرائيل والمانحين الغربيين أنه جدير بالثقة.وزُودت القوات الفلسطينية بالمدربين الأمريكيين وذلك ضمن مهمة المنسق الأمني الأمريكي، كيث دايتون، في 2005. لكنها سهلت أيضًا التنسيق مع السلطات العسكرية الإسرائيلية وحتى الأمن الخاص في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. خلال مهمة دايتون من 2005 إلى 2010، كان مسؤولًا عن تشكيل قوات الأمن الوطنية الفلسطينية. فأشرف على تجنيد وتدريب الآلاف من القوات الفلسطينية المنتشرة في جميع أنحاء الضفة الغربية، وبشكل أساسي لملاحقة نشطاء حماس والعصابات الإجرامية.خضع المجندون للفحص من قبل وكالة المخابرات المركزية وأجهزة الأمن الإسرائيلية والأردنية قبل تدريبهم في الأردن. وقال دايتون أمام حشد في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في عام 2009: «ما أنشأناه هو رجال جدد». ومع ذلك، فإن قوى الأمن الفلسطينية التي أشرف عليها دايتون متهمة من جماعات حقوق الإنسان بقمع المتظاهرين المحتجين على سياسات عباس في الضفة الغربية، حتى بين صفوف فتح. ربما يكون مستوى الجريمة قد انخفض، لكنهم متهمون بإقامة دولة بوليسية.
الاقتحامات الإسرائيلية لمدن الضفة لا تنتهي
تعتمد السلطة الفلسطينية على موافقة الجيش الإسرائيلي في أداء وظيفتها الأساسية وهي إدارة الشؤون المدنية والأمنية لرعاياها في ظل ظروف شديدة التقييد. تسيطر إسرائيل على حدود الضفة الغربية، وتدمر اقتصادها، بينما تقتحم بانتظام مناطق يفترض أنها ذات سيادة تحت ستار العمليات الأمنية.قادت هذه المعادلة غير المتوازنة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الضغط لحمل الحكومة الإسرائيلية على الالتزام باتفاقياتها السابقة والقانون الدولي. وشملت هذه الجهود الدبلوماسية السعي للحصول على اعتراف الأمم المتحدة، والانضمام إلى المنظمات الدولية، وتقديم شكاوى إلى محكمة العدل في لاهاي، بل حتى التهديد بتفكيك نفسها كليًا؛ مما يجعل إسرائيل مسؤولة وحدها عن حوالي 5 ملايين شخص يعيشون تحت الاحتلال، وفقًا لاتفاقيات جنيف.
بداية التململ
لكن الوضع قد يكون مختلفا الآن ففي الأشهر الأخيرة، رفضت السلطة الفلسطينية قبول تحويل الضرائب التي تجمعها إسرائيل نيابة عنها. بدأ هذا بعد أن اقتطعت إسرائيل مبلغًا تقول إن السلطة الفلسطينية تعطيه لعائلات الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وأولئك الذين قتلوا على أيدي القوات الإسرائيلية والمستوطنين، والفلسطينيين الذين قتلوا أو سجنوا بعد هجومهم على الإسرائيليين.كما يتقاضى موظفو السلطة الفلسطينية نصف رواتبهم فقط منذ فبراير، بعد أن قطعت الولايات المتحدة كل المساعدات للفلسطينيين للضغط عليهم للموافقة على صفقة القرن التي لم يكشف عنها بعد من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.تدرك السلطة الفلسطينية حجم المخاوف من الاضطرابات الناجمة عن الجمود السياسي والوضع الاقتصادي السيئ. في الواقع، لقد انقلب ضباط الأمن الذين يتواصلون مع الإسرائيليين في بعض الأحيان، وذلك وفقًا لدراسة أجراها نيري زيلبر وغيث العمري، ففي أوج موجة من عمليات الطعن والهجمات بالسيارات التي قام بها الفلسطينيون، نفذ 13 اعتداء على الإسرائيليين أفراد من قوات الأمن الفلسطينية.في مقابلة له مع صحيفة نيويورك تايمز، حذر رئيس الوزراء أشتيه من أنه إذا استمرت إسرائيل في حجب الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية، فقد يعني ذلك تسريح أعضاء من الأجهزة الأمنية الفلسطينية. إذا حدث ذلك، واصل اشتية، سيكون «صيفًا ساخنًا جدًا على كل المستويات».الكثير من عمليات الطعن والدهس نفذها رجال أمن فلسطينيون إن السلطة الفلسطينية بحاجة ماسة إلى عائدات الضرائب التي كانت ترفضها، ولا شك أنها ستبدأ في تسريح بعض من قواتها الأمنية قريبًا. ومع وجود عدد أقل من القوات في الشوارع لكبح جماح الاضطرابات الداخلية، يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة. في الوقت الحالي، يبدو أن السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنتظران لمعرفة من الذي سيضرب أولًا.في غضون ذلك، يبدو أن إدارة ترامب انحرفت عن المسار الذي سلكه أسلافها، الذين سعوا إلى ضمان استمرار التنسيق الأمني بين الجانبين. في وقت سابق من هذا العام، استهدف تمويل آخر أجهزة الأمن الفلسطينية عندما دخل قانون مكافحة الإرهاب الأمريكي حيز التنفيذ. توقف الفلسطينيون عن قبول المساعدة من واشنطن خوفًا من المقاضاة، لأنه بموجب القانون الجديد، قد تخضع أي حكومة تقبل أموالًا من واشنطن لقوانين مكافحة الإرهاب الأمريكية. كان قطاع الأمن الفلسطيني يتلقى في السابق حوالي 60 مليون دولار سنويًا من الحكومة الأمريكية.
سياسات ترامب تزيد الوضع تدهورًا
قال طارق باكوني، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية: «أعتقد أن إدارة ترامب قد أساءت تقدير الموقف. فلعلهم ظنوا أن بوسعهم إجبار السلطة الفلسطينية على تقديم المزيد من التنازلات، أو تسجيل نقاط سياسية على المستوى المحلي، لكنها جاءت بنتائج عكسية بالنظر إلى استعداد السلطة الفلسطينية للتخلي عن المبلغ بالكامل، لأنها تعرف أن الولايات المتحدة لن تدع التنسيق الأمني ينهار».يبدو أن ترامب، الذي يركز على السياسة الداخلية والالتزام بمساعدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إعادة انتخابه في سبتمبر (أيلول)، يكتب لنتنياهو شيكًا على بياض، ويثق فيه ضمنيًا في عدم الإضرار بالمصالح الأمريكية في المنطقة. لكن الأمور أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. فبسبب السياسة الداخلية ومقدار الدعم غير المحدود من البيت الأبيض، قد يتخذ نتنياهو خطوات ذات عواقب بعيدة المدى في المنطقة، مثل ضم أجزاء من الضفة الغربية – وهي قرارات يعارضها حتى مستشاروه العسكريون والاستخباراتيون.يقول الجندي: «الحقيقة هي أن السلطة الفلسطينية قد استخدمت الأمر في الماضي كتهديد للاستفادة من إسرائيل، لكن هذه المرة لديها أزمة مالية حقيقية». وأضاف: «لقد فقدوا التمويل الأمريكي. الوضع يائس للغاية – لقد اضطرت السلطة الفلسطينية إلى خفض نصف رواتب الموظفين العموميين. وهذا يمثل تهديدًا كبيرًا».كان إنهاء التنسيق الأمني دائمًا آخر تهديد تلقيه السلطة الفلسطينية  وقد تحمّل حتى أكثر الأحداث فظاعة. عندما توفي زياد أبو عين، وزير الفلسطيني، بنوبة قلبية في عام 2014 بعد تعرضه للاعتداء من قبل جندي إسرائيلي، واصلت السلطة الفلسطينية التعاون مع إسرائيل في القضايا الأمنية. أثبت الحدث، والعديد من الأحداث الأخرى التي شملت مقتل فلسطينيين بسبب القوات الإسرائيلية، مدى مركزية التنسيق الأمني بالنسبة للسلطة الفلسطينية. فقد وصف عباس التنسيق مع القوات الإسرائيلية بشأن المسائل الأمنية بـ«المقدس وغير قابل للتفاوض».في عام 2015، دعا المجلس المركزي الفلسطيني – وهو ثاني أعلى جهاز تنفيذي لمنظمة التحرير الفلسطينية – إلى إنهاء التعاون الأمني مع إسرائيل. لم تنفذ التوصية. منذ عام 1993، ازداد حجم جهاز الأمن الفلسطيني وزاد نفوذه. واليوم، تنفق السلطة الفلسطينية على الأمن أكثر مما تنفقه على التعليم والصحة والزراعة مجتمعين. وقبل أن تقطع الولايات المتحدة المساعدات عن السلطة الفلسطينية، تلقى قطاع الأمن حوالي ثلث المساعدات الخارجية المقدمة للفلسطينيين.في استطلاع للرأي أجري مؤخرًا قال 65% من الفلسطينيين إنهم يريدون من السلطة الفلسطينية أن تتخلى عن التنسيق الأمني، بينما قال 78% إنهم لا يعتقدون أن السلطة الفلسطينية ستتخذ مثل هذه الخطوة على الإطلاق. قد يكونون على حق؛ فالقيام بذلك سيجعلها بلا قيمة. يقول باكوني: «إن الغرض الوحيد من السلطة الآن هو إدارة السكان الفلسطينيين الخاضعين لاحتلال إسرائيل، من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية حذرة والقمع الأمني».في الواقع، تعرف القيادة الفلسطينية جيدًا أن تحويل هدفها من إقامة دولة مستقلة إلى دولة ثنائية القومية مشتركة هو السبيل الوحيد للضغط بحق على حكومة إسرائيل. لكن مثل هذا الجهد من شأنه أن يهدد إقطاعيتهم ومصالحهم الاقتصادية المختلفة، التي تتشابك مع الاقتصاد الإسرائيلي. يقول الجندي «أعتقد أن إنهاء التنسيق الأمني هو آخر شيء يريده عباس. وأعتقد أنه سيسرح موظفين آخرين في قطاعات أخرى، لأن الأمن مهم لبقاء نظامه. سيبذل قصارى جهده لتجنب الوصول إلى ذلك المنزلق، لكنه قد لا يكون قادرًا على تجنبه».
* كاتبة في مجلة فورين بوليسي
 

المشـاهدات 330   تاريخ الإضافـة 10/07/2019   رقم المحتوى 18399
أضف تقييـم