الأحد 2019/8/18 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
بين أمريكا والإمارات .. هذه رحلة البحث عن الآثار العراقية المنهوبة
بين أمريكا والإمارات .. هذه رحلة البحث عن الآثار العراقية المنهوبة
تحقيقات
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

البينة الجديدة / القسم السياسي

بعد عقود من الحرب والاضطرابات في بلاد الرافدين صار العراق جنةً للصوص الآثار. في هذا التقرير المطول المنشور بصحيفة «الإندبندنت» يتواصل ريتشارد هول، مراسل الصحيفة البريطانية للشرق الأوسط، مع خبراء الآثار العراقيين الذين يسعون لاستعادة آثار بلدهم، من أجل البحث في هذه المسألة.هناك في المكاتب الخلفية في المتحف الوطني العراقي في بغداد، في نهاية الردهة الطويلة البعيدة عن المسلات البابلية والثيران الآشورية المجنحة، تجري عملية بحث وطنية عن الآثار والكنوز، حسبما ورد في التقرير.

تجلس وفاء حسن إلى مكتبها؛ تمعن النظر في حزمة من الأوراق الكبيرة، وتتنهد وهي تقلب صفحاتها. تمسك في يديها دليلًا للقطع الأثرية القديمة التي اكتشفت في الأصل في العراق، وتفرقت فيما بعد في أنحاء العالم.تقول: «إنها مبعثرة في الولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا ولبنان والإمارات وإسبانيا وكل مكان. إنها ملكنا نحن، ونحن نبذل ما في وسعنا لاستعادتها».وبحسب ما ذكر تقرير الصحيفة البريطانية،فهي تعمل   محققةً وعالمة آثار معًا، وبصفتها رئيسة قسم استعادة الآثار في المتحف، فهي مسؤولة عن العثور على عشرات الآلاف من القطع الأثرية، التي نهبت من العراق وهربت إلى متاحف البلدان الأخرى والمجموعات الخاصة، وإعادتها إلى الوطن.ويفيد التقرير بأن عملية مقايضة الآثار العراقية واستردادها أشبه بلعبة القط والفأر المستمرة منذ عقود. إذ يضم العراق داخل حدوده منطقة أثرية قد تكون هي الأهم في العالم؛ هي بلاد الرافدين، الأرض الواقعة بين نهري دجلة والفرات؛ مولد الحضارة، وحيث بنيت أولى المدن في العالم، وكتبت أولى الكلمات، ونهضت أولى الإمبراطوريات وانهارت.لكن الحروب والاضطرابات سهلت الأمور على اللصوص. يذكر ريتشارد هول، كاتب التقرير، أنه في بدايات القرن العشرين، كان علماء الآثار الأوروبيون عادةً ما ينقلون اكتشافاتهم إلى بلدانهم. وكانت عمليات التنقيب غير القانونية شائعة خلال فترة الرئيس الأسبق صدام ، خاصةً بعد حرب الخليج الأولى، إلا أن الباب لم يفتح على مصراعيه، إلا بعد الغزو الذي قادته أمريكا عام 2003 والفوضى التي نتجت عنه.يفيد التقرير بأن المتحف الوطني تعرض بأكمله للسرقة في يوم 10 نيسان 2003، وذلك بعد هروب الجنود العراقيين وقبيل وصول القوات الأمريكية لحماية المتحف؛ حيث تعمل وفاء. سُرقت من المتحف 15 ألف قطعة؛ بدايةً من أختام الأسطوانات وحتى التمثال مقطوع الرأس للملك السومري إينتيمينا. وتعد هذه واحدة من أكبر الجرائم التي ارتكبت في حق التراثات الثقافية. تقول وفاء عن ذلك اليوم: «لقد أحزنني للغاية. دخل أناس كثيرون جدًا. ودُمر المتحف بالكامل».بحسب ما ذكر التقرير، فقد أعيد فتح المتحف عام 2015، وكان انعكاسًا هزيلًا لما كان عليه في الماضي. لكن حتى وهو يخطو أولى خطواته نحو التعافي، ضربته كارثة أخرى. إذ في عام 2014 استولى (داعش)» على أكثر من ثلث البلد، بما في ذلك آلاف المتاحف والمواقع الأثرية، وكان تطبيقهم الصارم يحرم تقديس التماثيل والأضرحة.وهكذا دمروا العديد من التماثيل التي لا تقدر بثمن، وهربوا القطع الباقية لتمويل ولايتهم الإرهابية. يفيد الكاتب بأن إيرادات التنظيم في أوج قوته قدرت بـ 80 مليون جنيه إسترليني (100 مليون دولار) سنويًا، وذلك من خلال الإتجار في القطع الأثرية المسروقة في السوق السوداء.لكن شغف وفاء بآثار وطنها التاريخية كان أكبر من كراهية المتطرفين لها. تقطع وفاء قاعات المتحف مرتين يوميًا، متوقفةً للتحدث إلى الزوار وشرح المعروضات التي أمامهم بالقدر الذي يسمحون لها به من التفاصيل. وكما ترى هي، فمكان كل لوحة وكل أسطوانة استخرجت من الأراضي العراقية هو هذه القاعات.وحسبما ورد في التقرير، تقول وفاء: «نحن بلد له تاريخ عريق، وقد عاشت هنا العديد من الحضارات القديمة. إذا ذهبت إلى بابل، ستجد الأرض مليئة بالقطع الأثرية، مثل الزهور، لكن الكثير منها قد سرق».يصف التقرير مكتب وفاء، ويشير إلى ملصق معلق على الحائط خلفه مكتوبًا عليه بحروف كبيرة «القائمة الحمراء». وعليه، ترى عشرات من الصور للقطع المفقودة التي تحاول وفاء العثور عليها. من بين هذه الصور، لوح طيني عليه كتابة مسمارية تعود للمدينة السومرية القديمة أوروك (أو الوركاء)، تعود لعام 3500 قبل الميلاد تقريبًا، واسطوانة عليها اسم ملك بابل الآشوري آشوربانيبال، وتعود بدورها للقرن السابع قبل الميلاد.يفيد التقرير بأن وفاء ومعها فريقها البحثي المكون من سبعة أفراد يمشطون الإنترنت بحثًا عن علامات على مسروقات بلاد الرافدين. وتتطلب كل قطعة يعثرون عليها اتباع نهج مختلف، إذ تُستخدم الدبلوماسية في حالة القطع التي يعثرون عليها في متاحف العواصم، أما استرداد القطع من جامعي التحف، فتلك قصة أخرى. تقول وفاء: «أهم شيء هو المزادات. ننظر في القطع التي يجري بيعها، وعندما نعثر على شيء، نحارب بجهد كي نسترده».وحسبما أورد التقرير فإن وظيفة وفاء تمكنها من التواصل مع الوكالات الحكومية، وأجهزة الشرطة، والإنتربول، وجامعي التماثيل، والمتاحف والسفارات في أنحاء العالم. وهي تقول: «إن الوكالات الحكومية متعاونة مع ما تفعله، وتقدم ما باستطاعتها للمساعدة»، لكن وفاء تؤدي أغلب عملها من مكتبها في المتحف، وهو ما يقيدها.تقول: «لا أستطيع الخروج ورؤية الكثير من تلك التحف الأثرية»، موضحةً أن دور المزادات وجامعي التحف يمنعونها عادةً من تفحص القطع التي تريدها. وتضيف في حديثها إلى كاتب التقرير: «نضطر إلى الدفع للمحامين هنا في العراق للذهاب وإحضارها. وفي بعض الأحيان نتركها لأننا لا نملك المال الكافي لشرائها».يشير التقرير إلى أنه لم يُسترد إلا حوالي نصف القطع التي سرقت عام 2003. وأنه في شهر آذار من العام الجاري، أعادت الحكومة البريطانية حجرًا بابليًا عليه كتابة مسمارية، تم ضبطه في مطار لندن هيثرو الدولي أثناء محاولة لتهريبه إلى داخل البلاد. ويشير التقرير إلى أن وفاء على وشك استرداد مجموعة مكونة من 154 لوحًا طينيًا عليه كتابة مسمارية، أُخذت عام 2011.لكن مع ذلك، يلفت التقرير إلى أن جهات أخرى تقاوم استرداد الآثار. يفيد كاتب التقرير بأن لكل دولة قانونًا مختلفًا يخص حيازة القطع الأثرية، ولهذا يتمكن جامعو التحف من إيجاد طرق قانونية لأخذ قطع من آثار بلاد الرافدين؛ ما يجعل استردادها صعبًا على وفاء وفريقها.تقول وفاء: «أحيانًا يقول الناس: «إنها ملكي!». وهناك قوانين في تلك البلاد تمنحهم ملكيتها. يدفعني هذا للجنون، إذ لابد أنهم يعرفون أنها مسروقة».يعود كاتب التقرير إلى مكتب وفاء، ويصف كم الأوراق الكثيرة الموجودة فوقه، ويخص بالذكر مجلدًا يعلو فوقها جميعًا؛ هو ملف عن واحد من أكبر جامعي التحف الأثرية لبلاد الرافدين؛ المليونير النرويجي مارتن شوين.يفيد التقرير بأنه في يوم الأربعاء 10 تموز الجاري، بيعت قطعتان من مجموعة شوين في مزاد كريستي في لندن. القطعة الأولى هي لوح طيني من بلاد الرافدين عمره 5 آلاف سنة عليه كتابة مسمارية بدائية عبارة عن صور منحوتة تدل على توزيع الشهور.وهي، وفقًا للوصف الخاص بها، «أول نوع مسجل من الكتابة»، وقد بيعت هذه القطعة بـ62 ألف و500 جنيه إسترليني (78 ألف و125 دولار). أما القطعة الثانية فهي لوح بابلي يعود لعام 1812 قبل الميلاد، ويحتوي سجلًا بالملوك البابليين عبر القرون، وقد بيعت بـ18 ألف و750 جنيه إسترليني (حوالي 23 ألف و440 دولار).تقول وفاء عن اللوحين: «هذه قضية جديدة في قسمي»، لكن شوين غير جديد عليها، ولا مجموعته. يشير التقرير إلى أن شوين كان محل جدل استمر أعوامًا يتعلق بحيازته 654 إناء آراميا، وردوا إلى المملكة المتحدة في التسعينات. وتعد هذه القضية مثالًا على التعقيدات والصعوبات التي تواجهها وفاء في عملها.وفقًا لتحقيق أجرته مجلة «ساينس» العلمية، فقد اقتنى شوين 444 إناء من تاجر آثار في لندن يدعى كريس مارتن، وأتت 330 قطعة منها على الأقل من تاجر آثار أردني يدعى غسان ريحاني. ويذكر التقرير أن شوين بعدها بدأ يحصل على الأواني من ريحاني مباشرةً.لاحقًا أعارت منظمة شوين كوليكشن الأواني إلى كلية لندن الجامعية من أجل إجراء دراسات عليها، لكن عندما تساءل برنامج وثائقي نرويجي تناول هذه المجموعة عن أصول تلك القطع، شكلت الجامعة لجنة تحقيق معنية باكتشاف مصدرها.يشير التقرير إلى أن نتائج التحقيق لم تعلن قط، وأن شوين رفع دعوى قضائية ضد كلية لندن الجامعية كي تعيد إليه الأواني الأثرية. وقد فاز بها ودفعت الكلية مبلغًا لم يُفصح عنه كتعويض له. ولاحقًا أصدرت بيانًا أنكرت فيه وجود «دعاوى تعارض حقوق وملكية شوين كوليكشن أو الإشارة لذلك».لم تنشر كلية لندن الجامعية التقرير وقتها، وقيل إن ذلك كان جزءًا من التسوية. لكن كولين رينفرو ـ عالم الآثار بكلية كامبريدج – والذي كان ضمن هيئة الخبراء التي كتبت التقرير، نشر النتائج التي خلص إليها. وحسبما أفاد تقرير «الإندبندنت»، فقد أخبر رينفرو مجلس اللوردات – وهو عضو فيه – أن التحقيق خلص إلى «احتمالية أن تكون الأواني قد أخذت من العراق، وأن نقلها حدث بعد تاريخ 6 آب 1990، وهكذا فهي غير قانونية».ووفقًا لمراجعة لتقرير مجلة ساينس، أشار الخبراء إلى قانون في العراق يعود إلى عام 1936، يمنع تصدير التحف الأثرية لأي غرض باستثناء العروض والأبحاث. لم يشكك التقرير في حق شوين في ملكية الأواني، لم يجد «دليلًا مباشرًا يعارض أو يطعن في صدق شوين». ومع ذلك، فقد أوصى بأن «تعاد الأواني الأثرية إلى قسم وزارة الآثار العراقية».من جانبها أنكرت منظمة شوين كوليكشن صحة نتائج التقرير التي كشفها رينفرو. وقال متحدث باسمها إلى صحيفة «الإندبندنت»: «بعد التحقيق والبحث الذي أجراه الخبراء في كلية لندن الجامعية عن مصدر الأواني، فقد أعلنت الكلية تأكيدها على عدم استحقاق أي جهة أخرى غير شوين كوليكشن ملكية تلك الأواني».وأضاف المتحدث باسم منظمة شوي كوليكشن: «أي ادعاءات بأن مجموعة شوين قد تكون مسروقة أو مهربة غير صحيحة. كانت الأواني جزءًا من مجموعة معتمدة جمعت معًا على مدار الأعوام من قبل أجيال متعددة من جامعي الآثار في الأردن، قبل عام 1965 (في الثلاثينات)، ومنحت ترخيص تصدير سليم من قبل السلطات الأردنية في عام 1988».يعمل علي الطائي، موظف الشؤون القانونية في قسم استعادة الآثار مع وفاء، ويقول إنهم لم يتواصلوا مباشرة قط مع شوين. يقول أيضًا: «قمنا بمحاولات متعددة لاسترداد التحف الفنية بالسبل الدبلوماسية الرسمية، لكننا للأسف لم نحصل على استجابة ملموسة للمشكلة». ويضيف: «سنلجأ بالطبع إلى الطرق الأخرى، كالمعاهدات الدولية وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. علينا ألا ندخر وسعًا في هذه المسألة».وتشير صحيفة «الإندبندنت» إلى أنه على الرغم من ذلك، ترى وفاء أن هذه الآثار ملك للعراق. تقول: «عليهم أن يحاولوا، تخيل إذا كان الوضع معكوسًا. إذا رزحت دولتك تحت الاحتلال، وإذا جاء عليها اللصوص و(داعش) وأخذوا كل شيء وباعوه للعراقيين. كيف كنت ستشعر؟».يفيد التقرير بأن هذه القضية ليست سوى واحدة من بين قضايا أخرى متعددة تسعى فيها وفاء، لكن مهما بلغ عدد القطع التي تستردها، فهي تحارب في معركة صعبة. إذ لم تنته بعد غنائم التاريخ العراقي.يوجد في أنحاء العراق ما يزيد عن 10 آلاف موقع تاريخي مهم، ومع ذلك فلم يتم التنقيب إلا في 10% فقط منها، حسبما أورد التقرير. وهناك آلاف المواقع المتروكة دون حراسة؛ ما يجعلها عرضة للمهربين.يقول برونو ديزلاند، وهو معماري مختص في صيانة الموارد في اليونسكو: «أعمال التنقيب غير المشروعة المتواصلة هي أكبر تهديد تواجهه الآثار العراقية حاليًا. وهي تحدث كل أسبوع في المواقع الأثرية في أنحاء العراق كله».يشير ديزلاند إلى أن الافتقار إلى الجهود المنسقة بين الوكالات الحكومية المختلفة، وقواعد البيانات المركزية من أجل تتبع القطع المفقودة، يعيق عمل هؤلاء الذين يحاولون استرداد الآثار. علاوة على أن البعض يبقي على الآثار فترة أطول مما هو ضروري. يقول: «الدول الأجنبية ليست إيجابية بما يكفي من ناحية إرجاع الآثار إلى العراق. إذ يعتقدون أنهم يحافظون عليها بإبقائها لديهم فترة أطول».

المشـاهدات 575   تاريخ الإضافـة 24/07/2019   رقم المحتوى 18858
أضف تقييـم