الإثنين 2019/9/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
قراءة في نص جماليات التشكيل السردي لقصة (خطوات) للقاص جمال نوري
قراءة في نص جماليات التشكيل السردي لقصة (خطوات) للقاص جمال نوري
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

الناقد الدكتور باسل مولود التكريتي (*)

في سياق النصوص النثرية الحديثة تتنوع الطرائق الأسلوبية تنوعاً ينسجم مع قواعد الأسلوب العربي القديم أحيانا كثيرة، ويكتسب وقْع الحاضر في بعض مواقفه. وأرى أن الكاتب قد حاور الأسلوبين في إبداعه هذا، حيث مال إلى الجمل الفعلية في استهلال قصته هذه، ثم أخذ التداور بينها وبين الاسمية في بعض المقاطع والجمل السردية. فجذب بذلك المتلقي لمتابعة الموقف الذي يتبناه، في حين اتجه النص إلى تكثيف اللغة لتعميق دلالات النص. فضلا عن أن مجال القصة القصيرة لا يدع للمبدع مساحة نصية للمناورة بين النص وبين المعجم اللفظي، فبدأ هذا النص مشدودا وزاد في تعمية الدلالة لتبدو جمالاً يتوارى خلف ضباب الكلمات..


ونرى ان ثمة انسجاما بين عنوان خطوات  وبين نهاية هذا النص. وقبل الولوج في تفاصيل توظيف عتبة العنوان ينبغي مناقشة هذا المصطلح من حيث المعجم اللغوي. تعني كلمة خطوات كما يلي ال خَطا خَطْواً واخْتَطَى واخْتَاطَ، مَقْلوبَةً: مَشَى. خُطْوَةُ، وخَطْوَةُ: ما بينَ القَدَمَيْنِ, ج: خُطىً وخُطْواتٌ، 
ـ خَطْوَةُ : المَرَّةُ (المعجم الوسيط جذر خطا), وتعني بالانجليزية: pipeline، اما معجم القرآن تناوله بكلمة مركبة وهي  خطُوات الشيطان: ومعناه طرقه وآثاره تحليلاً و تحريماً  . ومن هذا كله اني ارى إن القاص قصد في عتبة عنوانه المعنى الأول وهو مشى ومن خلال تتبع خطوات بناء نصه مسايرة  هذا المعنى،  مع تفاصيل نصه وكان جامعا مانعا ،احكم تفاصيل نصه بشكل دقيق.
العنوان المناسب
وبإعتقادي قد نجح القاص في إختيار العنوان المناسب لقصته وكان مثيراً مدهشاً لكاتبنا  اختياراته الخاصّة إذ يظهر أحد أشكال العلاقات على لغته أكثر من غيره، كإختيار معجمي خاص أو أسلوب نحوي معيّن، أو إيحاءات دلالية مقصودة. كما تبرز أدوات وروابط في خطابه تصبغه بصبغة خاصّة، وتؤدّي إلى ترابطه وانسجامه. هذا الترابط أشار إليه الجرجاني، وبيّن ضرورة اتّحاد أجزاء الكلام، ودخول بعضها في بعض، واشتداد ارتباط الثاني منها بالأوّل. فتوضع الجملة في النفس موضعاً واحداً، وليس “النظم” شيئاً إلا توخّي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، فيما بين معاني الكلم. من هنا  اتت  المعاني  في هذا النص متماسكة منتظمة لفظيا، وقد تعلقت  الألفاظ ببعضها والتفت. ونص (خطوات) امتاز بلغته الجميلة الحصيفة مع تطعيم النص بمفردات ثرة عميقة ذات صبغة معينة استوقفتني مرات عديدة. هذا من جهة،  ومن جهة اخرى اعطاها خصوصية جمالية ذات وحدة موضوعيّة، مما حمل نص خطوات على زج النص بلغة ذات أبعاد دلالية وجمل موجزة بعيدة عن الإسهاب الوصفي وكثرة المشاهد، وبتصوير فني لغوي ينمّ عن دراية واعية بأصول هذا الفن النثري الحديث الولادة  وحسن تمثيل له من قبل الكاتب.
المأثور الشعبي
بدت الشخوص في هذا النص  مرتبطة بالمأثور الشعبي للقصة. وهي وفقا للبنى الاجتماعية والثقافية للمجتمع العراقي، كالبنت المغلوب على امرها في المجتمع القبلي  والوالي المستبد الذي لقى حتفه في نهاية القصة،  فتمّ التلميح لأوصاف الشخوص خارجيا وداخليا وفقا لدلالة ما واقعية تحتاجها أحداث هذا النص، مع ترك مساحة مقبولة للقارئ ليضفي الوصف الذي يناسب الحدث والفكرة، مستنتجاً صوراً خاصة به يستمدّها من خياله الخاص، تواصل الكاتب إذن مع متلقيه ضمن صور شخوصه، وما يمثلون من رؤى معينة، وقد قام التواصل في التفاعل الفكريّ واللغويّ بين وجود الذات ووجود الآخر. وقد تحقّق التفاعل على أتمّ وجه وهذا ما يسجل  للقاص خطوة باتجاه الاقناع والارضاء وحسناً فعل.
النهاية
تنتهي هذه القصة بنهاية غير نمطية، وغير مرتبطة (بسياق الحركة الدلالية للحكاية)، والتي سبق الاشارة اليها وهي النهاية المحتومة للضحية ولكنها انتهت بما يلغي إلى حدّ ما تلك الملامح الاساسية لذلك العرف المعهود  والمعلوم، من دون أدنى إخبار أو إشارة، ولا حتى سياق دلالي… (ما يهشّم وحدة الصورة) بما هو غير محسوب أصلاً، فهي بالتالي جاءت مغايرة وصادمة ومربكة لأفق انتظار القارئ. لأنها كانت غير متوقعة قبل أن تحدث، بل كان  الافتراض أن يكون المتوقع عكس ما يحدث تماماً، ما يجعل المتلقي يعيد النظر فيما قرأ، فيزداد تأثراً به، بسبب ما يثيره لديه من الدهشة....نتمنى للكاتب التوفيق.
(قصة خطوات)
وحدهما خرجا، في يده كان المسدس كدُملةٍ، وجد نفسه مرغما على الإمساك بمقبضه وهو يدفن كفه في جيب معطفه الأسود الطويل. أسلمت قيادها له, ذلك الذي تلظى منذ عشره أيام على نار الألسن التي كانت تلسعه بسياطها كلما اختلف الى السوق أو عاد.. أصبح الأمر أكبر من أن يطاق وما عاد أمامه غير خيار واحد سيريحه من أوجاع الليالي التسع المنصرمة..وحدهما أصبحا أمام الخلاء بوحشته وهيبته.. بعيدا عن البيوت التي ناءت إلى الحد الذي أصبحت وكأنها ثآليل متقيحة تنتظر الانفجار.. كان ملمس الحديد يثير في نفسه الريبة والشجن، لم يكن يصدق لحظة واحدة أنها فعلت ذلك بمحض أرادتها.. لا شك أن ذلك المأفون بغطرسته قد استدرجها ونصب لها فخا محكما..حاولت أن تفسر للجميع بأنها ليست مذنبة ولم تفعل معي لأنها كانت تدرك بمجساتها أنني أصدقها، لقد نشأت على حكاياتي وقصصي التي رويتها لها.. لم تكن لتغفو الا على ذراعي وهي تستسلم للنوم بتؤده وسكينة يشفعها الدفء الذي كنت أوفره لها.. لم أستطع أن أمنع دموعي السخية وهي تتعثر في لحيتي الكثة التي أطلقتها منذ سماعي خبر اغتصابها من ابن الوالي..                                                          هنا.. في هذا المكان سينتهي كل شيء على هذه الأرض الجرداء سيسيل دمها وبعد أن تسقط وهي تتلقى رصاصتي الوحيدة ستفتح عينيها على سعتهما وتقول لي.. أبي.. أحبك دائما.. كاد الرجل أن يسقط وهو يحاول جاهدا أن تتماسك خطواته المضطربة وخلفه البنت التي مضت بخطواتها المثقلة وهي تجوس أرض الموت بانتظار لحظة الحسم التي سينفذها الأب..كانت تدرك أن جريرتها لن توفر له فرصه العيش بعد ذلك بأمان ولم تفكر بالهرب.. إلى أين ستهرب وهي تنوء بخطيئتها التي لن تطهرها بحار العالم وأمطار السماء... اقتربا من حافة الجبل.. بدا المنحدر وهو يطل على هاوية سحيقة نهاية المطاف التي ستجعل الرجل يسحب مسدسه ويجرح السكون بالطلقة الوحيدة التي عبأها في المخزن....هنا كانت الأرض تزدحم بأنواع الأزهار الملونة حين كان الربيع يدعوهما الى نضارته وسحره وعنفوانه.. كانا يركضان, طفلة الأمس جميله بضفائرها وملابسها الملونة. يمسك بيدها ويعدوان. ثم تحضنه بقوة وحب وألفه جمعتهما حتى أنها لم تكن تستطيع ان تفارقه لحظة واحدة.. وقفا وحيدين في العراء..بينهما خمس خطوات راعشة..كان قلبه يخفق بقوه بينما ترك جسدها الخائر يهفو الى الأرض.. مد كفه الباردة لتلامس شعرها المبعثر وشعر لوهله أنه يعدو خلفها وهي تكركر بضحكاتها الرقراقة مثل نسمات عليلة أو مثل فراشات انبثقت على حين غرة من إضمامة ورد فواحة.. بكى بصمت وأخرج المسدس الذي بدا ثقيلا...أثقل من كل أوجاعه... توقف لوهلة ثم تراجع قليلا وهيمن صمت كالرصاص. دبق  كالطين المعجون بماء المطر..أمسك بالمسدس وصوب الفوهة نحو الرأس الساكن بخصلات الشعر المتناثرة.. سيضغط الآن على الزناد.. ضغطة خفيفة واحدة وسأنهي الأمر..ذلك الجبان دمر حياتها بنزوته الشيطانية.. ستبقى هذه اللعنة تطاردني الى باب قبري..أي عار هذا الذي سأتخلص منه!! ابنتي الحبيبة الوديعة والرقيقة كجناح فراشة.                                                                        كيف تطاول عليك ذلك الوحش ومزق براءتك؟.استدار الرجل الى الخلف ومضى بخطوات واثقة نحو المدينة التي لاحت من بعيد وكأنها فم وحش كاسر بأنياب متآكلة.. بعد لحظات سمع دوي رصاصة هائلة مزقت ضوضاء المكان وأخرست ضحكات مدوية لرجل لم تفارق يده زجاجه الخمر وشهوة خاسرة تبرق في عينيه.
(*) كاتب وناقد من تكريت

المشـاهدات 213   تاريخ الإضافـة 20/08/2019   رقم المحتوى 19626
أضف تقييـم