الإثنين 2019/9/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
هل انهزم «ترامب إيطاليا» إلى الأبد.. أم أنه على خطى موسيليني
هل انهزم «ترامب إيطاليا» إلى الأبد.. أم أنه على خطى موسيليني
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* مأمون خلف

غرد وزير الداخلية الإيطالية ماتيو سالفيني أثناء قضاء عطلته الصيفية في جولة سياحية- ترويجية بضرورة حل الحكومة والتوجه لعقد انتخابات جديدة. الخطوة التي لم تحدث بحسب المراقبين أبدًا في العرف السياسي الإيطالي منذ قيام الدولة، لا في التوقيت ولا في طريقة الإعلان عن ذلك. «من يضيع الوقت يريد فقط حماية الكرسي، بالنسبة للبعض الكرسي أولًا، لكن بالنسبة لنا – حزب الرابطة- الإيطاليين أولًا.. لا للفوضى.. لا لحكومات تقنية.. لا لألعاب القصر.. إيطاليا هي من يقولون نعم لن تنتظر، لتكن الكلمة للشعب حالاً».

هكذا وبهذه الكلمات من إحدى البلدات الساحلية في الجنوب الإيطالي، طالب وزير الداخلية الإيطالي القوي ماتيو سالفيني عبر وسائل التواصل الاجتماعي بحل الحكومة التي هو شريك فيها، ودعا لعقد انتخابات مبكرة يوم التاسع من أغسطس (آب) وفي وقت تعيش فيه البلاد عطلتها الصيفية. لتدخل الحكومة في دوامة ساخنة منذ ذلك التصريح حتى أعلن رئيس الوزراء جوزيبه كونتي استقالته بخطاب تاريخي في جلسة علنية بثتها وسائل الإعلام أمام غرفتي البرلمان يوم 20 أغسطس 2019.منذ فوز حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2017 وأسهم السياسي الشاب ماتيو سالفيني ابن الشمال الإيطالي في صعود مستمر على الساحة السياسية الإيطالية. فالخطاب الإعلامي الذي يتبناه يركز على قضايا يعتقد الإيطاليون أنها السبب في تراجع حال البلد المستمر مثل مسألة الهجرة، والاتحاد الأوروبي، والعملة الموحدة. خلال عام من العمل قفزت حظوظ الرجل عند الناخبين في ضوء الموجة الشعبوية واليمينية التي تجتاح الغرب منذ وصول ترمب إلى سدة الحكم في البيت الابيض، ومنذ نجاح دعاة البريكست في بريطانيا بالحصول على موافقة أغلبية المواطنين بفك الارتباط مع الاتحاد الأوروبي المثقل بالمشاكل.على جانب آخر، جاء تتويج هذا النجاح في انتخابات الاتحاد الأوروبي في شهر مايو (أيار) الماضي الذي شهد صعودًا هائلًا في شعبية قوى اليمين الإيطالي، والذي فسره سالفيني على أنه قبول شعبي لسياساته وخطابه في الداخل الإيطالي والخارج الأوروبي، ودفعه إلى ترشيح أحد أعضاء حزبه عن منصب مفوض الاتحاد الأوروبي الذي يدعو إلى تفكيكه في خطوة مستفزة، وفيها الكثير من السخرية من المؤسسة الأوروبية برمتها. وكان مرشح حزبه قريبًا من الفوز لولا تخلي شركائه من حركة خمس نجوم عن دعمه نتيجة للأزمات المتلاحقة بينهما. مدفوعًا بهوس أرقام استطلاعات الرأي التي كانت تشير بنفس الوقت لتراجع كبير في شعبية حلفائه من حركة خمس نجوم قرر الرجل بعد استطلاعات الرأي في نهاية شهر يوليو (تموز) خوض تجربة الحكم وحيدًا إذ كان يُتوقع أنه سيتمكن من حصد أغلبية ساحقة تصل حد 52% من أصوات الناخبين. 
طمعًا في غاز مصر؟ لهذه الأسباب أزالت إيطاليا أهم لافتة لريجيني
دعا وزير الداخلية سالفيني لجلسة برلمانية تعقد في 13 من أغسطس للتصويت على الثقة بالحكومة. رُفض طلب الوزير بعد أن اتحد في التصويت ضده شريكه السياسي في الحكم حركة خمس نجوم مع خصومه من الحزب الديمقراطي وبعض الأحزاب اليسارية في غرفتي البرلمان في مفاجأة صاخبة، وصفعة قوية لزعيم الحزب اليميني العنصري رابطة الشمال. وتم تبرير ذلك بأن البلاد تمر في الذكرى السنوية لانهيار جسر جنوى الذي أودى بحياة العديد من الضحايا. ومن ثم لأن في ذلك اليوم تعقد جلسة أخرى مهمة في البرلمان الإيطالي سيخوض فيها معركة إصلاحية مهمة يقودها ممثلو حركة خمس نجوم حلفاء سالفيني للتصويت على تخفيض عدد مقاعد غرفتي البرلمان بـ345 مقعد، من أجل تحسين قدرة مؤسسة البرلمان على اتخاذ القرار بسرعة وفاعلية أكبر. وتم تحديد موعد يوم 20 أغسطس لاجتماع غرفتي البرلمان للبت في موضوع الثقة على الحكومة.  مساء ذلك اليوم غرد وزير الداخلية على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي مهاجمًا الحلفاء والخصوم بأنهم يتهربون من المواجهة في الذهاب لانتخابات مبكرة. وأنهم بذلك يحمون كراسيهم وامتيازاتهم لأنهم يقدمونها على مصالح بلادهم ومواطنيهم، بحجة التصويت على الإصلاحات البرلمانية. قبل السياسي الشمالي تحدي حلفائه بحل الحكومة بعد التصويت على تقليص عدد مقاعد البرلمان، الذي كانت تصر عليه الحركة كونه كان أحد شعاراتها الانتخابية التي وعدت بتحقيقه. وبنبرة إعلامية مليئة بالثقة صرح: «سنصوت، ومن ثم سنتوجه لصناديق الاقتراع. بالنسبة لنا في رابطة الشمال نحن مع تقليل عدد النواب والشيوخ في المجلس. لكن على دي مايو، وزير العمل وقائد حركة خمس نجوم، أن يكون بعد ذلك متسقًا مع نفسه، وشجاعًا». في إشارة لتحديه عبر صناديق الاقتراع، لتأكده من اكتساح الانتخابات القادمة حسب آخر استطلاعات الرأي. 
جوزيبه كونتي .. الأكاديمي الذي أطاح عرش ماتيو سالفيني
لم تكن العلاقة منذ تشكيل الحكومة الحالية قبل عام ونصف تقريبًا بعد توصل حزبي الأغلبية حزب الرابطة اليميني، وحركة خمس نجوم الشعبوية لاتفاق بخصوص الحكم على ود، بل نشب الخلاف سريعًا بين قطبي الحكومة على قضايا كثيرة منذ اليوم الأول منها من يتولى منصب رئاسة الوزراء. لذا جاء بعد مشاورات طويلة اختيار الأستاذ الجامعي في القانون الخاص في جامعة فلورنس السيد جوزيبه كونتي لتولي المنصب باعتباره سياسيًّا مستقلًا. بدا الرجل الهادئ خيارًا مناسبًا لكلا الطرفين لإنفاذ مشاريعهما السياسية في البلاد خصوصًا أنه يتفق سياسيًا مع الخطوط العامة للطرفين وبكثير من التحفظ فكّر أنه يمكن العمل سويًا. إلا أن خطابه أمام غرفتي البرلمان أظهر وجهًا آخر لم يكن ليتوقعه أحد. المحامي الذي طلب سالفيني منه  في اجتماع قصير ضرورة تقديم استقالته حتى يتسنى تشكيل حكومة جديدة من خلال انتخابات مبكرة، أجاب أن البرلمان هو المكان الذي يتم فيه اتخاذ قرارات بهذا الحجم، وليس المكاتب الخاصة، وأنه سيطلب التصويت على الثقة في حكومته أمام غرفتي البرلمان حسب الأعراف الدستورية، أو أنه سيعلن حل الحكومة حينها. من يدري ربما كان زعيم حزب الرابطة ماتيو سالفيني صباح 20 أغسطس قد استيقظ من النوم، وهو يعلم أنه لا يفصله عن سدة الحكم سوى خطاب الاستقالة، وعقد انتخابات جديدة. لم يدر في خلده أن الرئيس المحامي، والأكاديمي الهادئ قد جهز خطاب دفاع عن حكومته، وتوضيح للشعب الإيطالي حول كواليس ما حدث خلال 14 شهرًا من الحكم في محاكمة علنية سيتذكرها وزير الداخلية طويلًا. في الخطاب الذي استمر نحو 50 دقيقة تقمص رئيس الوزراء روح المحامي فيه من خلال سرده لكل تفاصيل الأعمال والمشاريع التي قامت بها الحكومة حتى حينه. وأن الفترة الحرجة التي تمر بها البلاد سياسيًا واقتصاديًا لم تكن تستدعي دعوة لحل الحكومة، خصوصًا وأن هناك الكثير من مشاريع القوانين العالقة بحاجة للتصويت، وتأخيرها ليس في المصلحة العامة للمواطن الإيطالي، وأنه لا يفهم هذه الخطوة في هذا التوقيت إن لم يكن حس بعدم المسؤولية عند نائبه الأول ووزير داخليته ماتيو سالفيني. وفسر رئيس الوزراء ذلك بتقديم زعيم حزب الرابطة مصالحه الشخصية ومصالح حزبه الضيقة على المصلحة العامة. خصوصًا على ضوء نتائج استطلاعات الرأي. فقد توجه رئيس الوزراء لسالفيني بالقول: «لم يسبق أن كاشفتك بما سأقوله الآن، فالأزمة من صنع يديك وأنت وحدك تتحمل المسؤولية، لأنك منذ الانتخابات الأوروبية وضعت أمام عينيك هدفًا واحدًا هو إسقاط الحكومة خدمةً لمصالحك الشخصية، وكانت تصرفاتك بعيدة عن حس المسؤولية الذي يفترض بك أن تتحلّى به باعتبارك وزيرًا في الحكومة».انتقد رئيس الوزراء تدخل سالفيني في عمل وزراء آخرين، وإدارات لا تدخل تحت صلاحياته واختصاصاته. كما أنه انتقد مهاجمته لزملائه وخصومه على وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة فجة وتفتقر إلى الاحترام. إلا أن أخطر ما قام به سالفيني بحسب رئيس الوزراء هو طلبه من الشعب الإيطالي النزول للساحات وإعطائه صلاحيات كاملة. لذا فرئيس الوزراء توجه بالحديث لسالفيني أثناء الجلسة بالقول: «عزيزي ماتيو! لسنا بحاجة لرجال لديهم صلاحيات كاملة، بل إلى رجال لديهم ثقافة مؤسسية وإحساس بالمسؤولية»، وأضاف أن ذلك طلب يثير قلقه.على جهة أخرى انتقد رئيس الوزراء توظيف سالفيني للرموز الدينية في الفضاء السياسي بهدف استقطاب شريحة من المجتمع من أجل التصويت لصالحه في أي انتخابات قادمة وقد عبر رئيس الوزراء عن ذلك بقوله: «استخدام الشعارات السياسية والرموز الدينية، من جانب وزير في الحكومة، لا علاقة له بحرّية المعتقد الديني بل هو ضرب من اللاوعي الديني الذي من شأنه أن يسيء إلى مشاعر المؤمنين وإلى مبدأ العلمانية التي هي من السمات الأساسية للدولة الإيطالية الحديثة». كما عاتبه بشدة لتهرّبه من المثول أمام البرلمان كي يشرح حقيقة علاقته بموسكو بعد المعلومات الصحافية التي نُشرت مؤخرًا عن تمويل روسي لحزب الرابطة عن طريق مقرّبين من سالفيني، الذي ردّ منفعلًا على رئيس الوزراء قائلًا: إن «الكل ضدّي، الكل يريد رأسي، لكنكم لن تتخلّصوا من سالفيني بهذه السهولة».في اليوم التالي للجلسة الساخنة اعتقد 60% من المستطلع رأيهم في إيطاليا أن رئيس الوزراء في خطابه هزم وزير الداخلية وزعيم حزب الرابطة ماتيو سالفيني، الذي بدا في مداخلته للرد على كلمة رئيس الوزراء مشتتًا، وغير مستوعب للصدمة. فالرجل الذي دعا لانتخابات مبكرة وجد نفسه دون أي منصب في الحكومة، ويبدو أنه سيكون بعيدًا كذلك عن أي استحقاق انتخابي. للدرجة أن ماتيو سالفيني أعلن لاحقًا بعد الجلسة استعداده للتخلي عن سحب الثقة من رئيس الوزراء والعودة للوضع على ما كان قبل الأزمة في خطوة أثارت السخرية من الرجل القوي الذي تهاوى عرشه بأخطائه.
إيطاليا إلى أين؟
يعقد رئيس الجمهورية منذ دخول البلاد في هذه الأزمة الدستورية المشاورات مع القوى السياسية الرئيسة في البلاد لاستطلاع آرائهم في محاولة لإيجاد حل ما. فإما أن تتوافق الأحزاب على تشكيل حكومة أخرى تسيّر الأعمال حتى موعد إقرار الميزانية نهاية العام، وإما في حال عدم اتفاق الأطراف فإنه سيدعو لانتخابات مبكرة تعقد في نهاية شهر أكتوبر القادم. الحزب الديمقراطي، الذي يعتبر القوة اليسارية الأولى في البلاد، سيتقدم إلى رئيس الدولة باقتراح تشكيل حكومة تغيير مع حركة خمس نجوم، المعروفة بمناهضتها للمؤسسات. وقال زعيم الحزب الديموقراطي نيكولا زينغاريتي في مؤتمر صحافي عقده في ختام اجتماع لقيادة حزبه الأربعاء، إن الحزب يريد التفاهم مع حركة خمس نجوم على برنامج قابل للتنفيذ يتشارك به أيضًا مع غالبية برلمانية واسعة. ويدور خلاف شديد بين الحزبين منذ سنوات. ولكن تشكيل تحالف يشهد إخراج سالفيني من الحكومة يشكل حافزًا قويًا للتوصل إلى تسوية بين الحزبين. لذلك يعلم سالفيني أن اتفاق كهذا في حال إتمامه بين الطرفين، وهو الذي كان يراهن على استحالته لشدة العداوة بينهما، فإنه يعني بداية نهاية مشواره السياسي في السنوات القادمة. من جانب آخر في حال عدم توافق الأطراف على تفاهمات تقرب من وجهات النظر حول الملفات الرئيسية مثل الهجرة، والبقاء في الاتحاد الأوروبي، والنظام الاقتصادي الإيطالي فإن ذلك يعني ذهاب البلاد إلى انتخابات مبكرة قد ينتصر فيها تحالف أحزاب اليمين بقيادة ماتيو سالفيني بحسب استطلاعات الرأي. ما يعني أزمة كبرى سياسية واقتصادية ستعصف بالقارة الأوروبية طوال السنوات القادمة، ويعني بالنسبة للعديد من المراقبين سقوط بوابة أوروبا الجنوبية في قبضة فاشية ربما ستستشري عدواها بين أرجاء القارة، وهو ما قد ينظر بفصل جديد في تاريخ القارة الأوروبية يعيد للأذهان ذكريات عهد موسيليني والحرب العالمية.
* كاتب عربي
 

المشـاهدات 241   تاريخ الإضافـة 25/08/2019   رقم المحتوى 19727
أضف تقييـم