الإثنين 2019/9/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
تداعيات الأنا وشعرية القصد للشاعرة التركمانية (منور ملا حسون) .. يكشف هذا الانفتاح الذي تمارسه (الأنا) عن الكثير من فرص الهيمنة الموزعة في ثنايا القصيدة
تداعيات الأنا وشعرية القصد للشاعرة التركمانية (منور ملا حسون) .. يكشف هذا الانفتاح الذي تمارسه (الأنا) عن الكثير من فرص الهيمنة الموزعة في ثنايا القصيدة
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

د .ناظم حمد السويداوي / ناقد وشاعر / السليمانية
ح1 

إنَّ الرغبة في الاقتراب من القصيدة وفهم مكنونات الذات محكوم بالكثير من الرؤى والمرجعية الثقافية للشاعر، الأمر الذي يولّد مجموعة من المعايير التي تبرّر القول وتكشف عن مناطق الغموض في الشعر، وهذا هو الذي يحرّك النص ويجعله ذا قيمة تذكر. فحقل التجارب الشعرية مليء بالكثير من الأسئلة الهاجسة المحملة بدلالات ثقافة العصر، الذي يحوي إغراءات كثيرة تزين القصيدة بكل ما هو مكثّف، بدفقة شعورية تكشف الجوهر الخلاّق للشاعر.. ولأنَّ القصيدة هي ذات تفاعلية بين طرفين (الأنا والآخر) فإن الإستكشاف المعرفي للباث هو الذي يكشف هوية النص بوصفه مناخاً من الكلمات التي تحيل بالضرورة الى صراع داخلي يتشاكل مع مواقف متأزمة في الذات الأنسانية، ويخلق فجوة من التوتر، يتخفّى خلفها الشاعر بحجج تؤسّس لمجموعة من المشاهد المتلاقحة التي تصوّر الواقع، وتحرّض المتلقي على الكثير من الإنفتاح على مساحة القصيدة. وإذا كان لابد من هيكل يرسم قصيدة الشاعرة التركمانية (منوّر ملا حسون) فإننا نحتاج الى مجموعة من الألوان التي نشتغل عليها، لنرسم هذا الحلم الرؤيوي وإظهاره الى مساحة الوجود، كونه حلماً منوّعاً يشتغل على ثيمة  (الأنا) الواعية بكل شيء، وهي ذاتها التي تكثّف المشهد وتفعّل الحضور. كما لو أنَّ الشاعر (يتحدث عن نفسه (الذات) عبر الحديث عن آخر (موضوع) وهو يتحدث عن آخر عبر الحديث عن نفسه، وهو لا يخاطب نفسه أو الآخر كلاً على حدة، وإنما يخاطبهما معاً، فنراه يخاطب الآخر لينبئ نفسه بشيء ما، ومع ذلك فإنَّ الشيء الذي ينبىء به نفسه يتأتى من الآخر). 
وهذا التقويض في الإحساس، هو الذي يكشف تداعيات الذات الشاعرة ويمنحها بُعداً انحرافياً يعمل في فضاء مرموز، ويتناغم مع القصد الذي تريده الأنا بتفصيلات وجزئيات متنوعة بتنوع القصد ذاته. بهذا التدرج من الفهم، يتحقق لدينا البعد الإقناعي لحجج الشاعرة، فكل شيء في قصائدها يحتفظ بقدرته على الحراك ضمن منظومة من الإنساق المتفاوتة. وهذه الحركة وهذا الإنتقال من حالة السكون هو الذي يهيئ المتلقي أن يذهب بعيداً، ليتفيأ بمقاصد الشاعرة التي تتجاوز هدف الوصول إلى إجابات تفتح آفاق انتظار (الآخر) طويلاً: 
تنهدت الريح قرب نافذتي  
وأزاحت شبح السنين 
فتأنقت خطواتي المتعثرة
بعد أن كانت 
تائهة في فراغ الدروب ..
أنت ..
كتابي الذي بين يدي 
قرأتك 
وللمرة ما بعد الألف أقرؤك !
وأنا أصارع ظنوني 
والوهم يعصف سنيني 
...
صحائفك 
باتت تنزف جرحاً 
ولهيب الشوق لم يعد 
يسكن أنحائي 
إنّ الفعل (تنهّدت) يدل على الإنفراج الذي يدفع بالذات أن تشق طريقها بدلالات وإيحاءات تحقق إتصالاً بينها وبين (الآخر)، ويكشف هذا الإنفتاح الذي تمارسه (الأنا) عن  الكثير من فرص الهيمنة الموزعة في ثنايا القصيدة، إذ تتمظهر المسميات بشكل لافت (خطواتي، الدروب، كتابي، ظنوني، صحائفك) بوصفها سبيلاً للإقناع وتشييد الحركة داخل النص. وهذا هو الذي يحتاجه المشهد الشعري لينمو في تخوم النص. لكننا حين نتحول الى المقطع الأخير من القصيدة، نُغري أنفسنا بالكثير من آليات الإصغاء والإستقبال، على أن تكون رغبة التلقي أكثر انشداداً، في ظل هذا التحريض الذي تمارسه الذات حين تكون في حضرة الآخر. هذا يعني أنَّ النص الشعري ينتهك اللغة بتحريض من الشاعرة، ليخلق لغة إيحائية بديلة للغة العادية، وما التعبير والمحتوى إلا دوال شعرية تتجاوز حدود اللغة المطابقة في القول. والهدف الكافي وراء كل هذا التصور هو إبراز المفارقة على أنها تشخيص لظاهرة الأسلوب الذي تسلكه الشاعرة، في مقابل توفير المناخ التواصلي بين الباث والمتلقي، بحيث لن يكون هناك أثر دون اجتماعهما في صعيد واحد، لهذا نفترض المقدرة التي تتمتع بها الشاعرة لإحداث نوع من الوعي في الذاكرة الشعرية , يتم بمقتضاها خلق مسافة شاسعة بين طرفين يريد احدهما التقرّب من الآخر :
واقفة أنا 
على بوابـة الخوف 
أدفن السر الصامت 
في عيني 
وجموح الكلمات 
يجتاح دمي
فتنطلق القوافي .. كل حرف 
لظى ..
وسهام الصمت بين الحشا 
تغور 
وإذا بأوتاد القلب 
تختلُّ من جديد    
والهداة المعهودة فيه 
تستحيل مرجلاً 
وبركاناً يفور 
إنَّ الحضور الفعلي للأنا جاء مباغتاً و طارئاً , فتعطيل آلية الفعل (أدفن) هي التي خلقت هذا التصور, لاسيما إذا إجتهدنا في تأويل العلاقة بين طرفي الأنا والآخر , إلاّ أنَّ هذا لايمنع أن تتحقق مجموعة من التنويعات الإيقاعية بما يشي بحزن ثقيل تمارسه الذات في فضاء كئيب يحيل القوافي الى لظى, والصمت الى سهام. فالمصوَّر الشعري ينتخب لنا منظوراً قرائياً بهوية الأفعال المتحركة في اطار الخوف ممَّا هو آت, وهذه اللقطات التي تسجلها الأفعال المضارعة, هي عبارة عن مونتاج يشدنا الى فضاء التخيّل بما هو قادم.

المشـاهدات 128   تاريخ الإضافـة 25/08/2019   رقم المحتوى 19758
أضف تقييـم