الإثنين 2019/9/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
وقفــــــات علــــــى شواطئ عكــــــاب الطـــــــاهر
وقفــــــات علــــــى شواطئ عكــــــاب الطـــــــاهر
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

 عبد المنعم ناصر العيساوي 
أهداني الصديق الكاتب والمهندس والإعلامي عكاب سالم الطاهر نسخة من كتابه الجديد الموسوم (على شواطئ الذاكرة) الصادر عن مكتبة الدار العربية للمنشورات، فانقطعت عن العالم لقراءته على مدى يومين متتاليين، كانت بحق سياحة ثقافية مذهلة وممتعة تعرفت من خلالها على ما مر به الكاتب من ظروف ومواقف و(مطبات) كادت أن تؤدي به الى التهلكة، بالاضافة الى تعريفنا بالعديد من رجالات العصر الذين كانت لهم بصمة في الاحداث، فالكتاب بالاضافة الى انه يصلح أن يصنف من كتب السيرة فهو ايضاً يؤرخ لمرحلة مهمة من مراحل تأريخنا المعاصر..

لا أريد هنا الحديث عن الطاهر بوصفه كاتباً، ولا أريد الغور في تقنيات اسلوبه بالكتابة لأنني سبق وأن كتبت مقالاً بهذا الشأن قبل سنوات بعنوان (عكاب سالم الطاهر قلم سومري أصيل) نشر في جريدتي البينة الجديدة وصوت بغداد، وذلك إبان قراءتي كتابيه الموسومين (موضوعات الكتابة) و(على ضفاف الكتابة والحياة _ الاعتراف يأتي متأخراً) لذا سأقتصر في سطوري التالية على وقفات وتعقيبات على بعض ما أورده الكاتب من موضوعات في كتابه الجديد، استفزت ذاكرتي، فانبرى يراعي معقباً راجياً أن يتسع صدر استاذي الطاهر على ما يرد فيها...
في مقدمة هذه المحطات ما ذكره الكاتب عن علاقته بالشاعر الراحل حسين مردان, واشارته الى ان مردان كان يحب نفسه مستشهداً بحادثة اهداء الشاعر ديوانه ذائع الصيت (قصائد عارية) الى نفسه, وأنا أبرئ مردان من أدواء الأنانية وحب النفس واعتقد ان تصرفه هذا يدخل في (خانة) تمرده على المجتمع الذي لم يعتد على هذا النوع من الشعر, وكأنه يقول للمحافظين الذين اعترضوا على الديوان (انا لا أكتب لكم وأنما أكتب لنفسي), ودليل ذلك ما صاحب صدور الديوان من ضجة ورفض ومنع للتداول. 
وحسين مردان عده النقاد واحداَ من الشعراء الصعاليك في الشعر العراقي اضافة الى الشاعرين عبد الامير الحصيري وعبد القادر رشيد الناصري, والمعروف ان الصعلوك لا يحب نفسه, بل كان يعرض نفسه للخطر من أجل فقراء قومه، وشاعرنا المبدع حسين مردان عرف عنه حبه وتشجيعه للمواهب الشابة وهذا ما شهد به القاص نزار عباس في مقاله المنشور في مجلة ألف باء بعددها المرقم (885) الصادر في ثمانينات القرن الماضي والذي جاء فيه (في منتصف الخمسينيات, أذكر اني حملت الى المرحوم حسين مردان مسودة قصة, كنت في الصف الرابع الاعدادي, وكان يعمل في صحيفة الأخبار, كنت متهيباً, مرتبكاً, رحب بي وقرأ القصة بهدوء, ثم التفت نحوي باسماً, وبصوته الضخم قال (ثق يا صديقي انك تكتب الآن أفضل مني عندما كنت في سنك), ويضيف عباس (ذهب التهيب والارتباك وغمرني شعور من الثقة بالنفس لا حدود له, وخرجت من غرفته وأنا أكاد أطير من الفرح كما يقولون, خرجت من عنده لكي أكتب وأكتب..) 
وحين حط الطاهر في محطة أخرى من محطات ذاكرته ميمماً صوب الاندلس (جرح العرب القديم) ذاكراً هزيمة آخر ملوك العرب فيها (عبد الله بن الأحمر) وعودته منكسراً باكياً الى أمه التي قالت له شعراً:
إبك مثل النساء ملكاً مضاعاً
          لم تحافظ عليه مثل الرجال
الا ان الطاهر ذكر مضمون ذلك نثراً لا شعراً, وهذه المحطة أوقدت شمعة ذاكرتي على قصيدة للشاعر عبد القادر رشيد الناصري حفظتها في سبعينات القرن الماضي وكنت أقرأها من ساحة مدرستي الابتدائية استهلها بقوله:
لقد أضعنا من الخذلان أندلساً
فهل نضيع فلسطيناً وننخذلُ؟!
ولشاعر الرومانسية العربية  نزار قباني قصيدة ملؤها الأسى تشعرنا بالألم على فقدان الاندلس جاء فيها:  
لم يبق في أسبانيه 
منا. ومن عصورنا الثمانيه
 غير الذي يبقى من الخمرِ 
بجوف الانيهْ ..
وأعين كبيرة .. كبيرة
ما زال في سوادها ينام ليل الباديهْ
لم يبق من قرطبة 
سوى دموع المئذنات الباكيهْ
سوى عبير الورد والتأريخ والاضاليهْ
لم يبق من ولادة ومن حكايا حبها
قافية ، ولا بقايا  قافيهْ
لم يبق من غرناطة 
ومن بني الأحمر الا ما يقول الراويهْ
اعود الى محطة أخرى من شواطئ الطاهر لاتوقف عند حديثه عن الشخصية الاسلامية المثيرة للجدل (يوسف القرضاوي)، وتعجبه من علاقة القرضاوي الاخواني بداعش متسائلاً - (كيف يصادق الاخواني يوسف القرضاوي كياناً تكفيرياً وارهابياً مثل داعش؟).
وهنا حق لي ان  أعجب من (عجب) أستاذي الطاهر ، وهو العارف بأن تنظيم الاخوان المسلمين ومنذ تأسيسه ونشأته على يد حسن البنا عام 1928 (بات الشجرة المسمومة التي أنبتت ثمار التكفير القاتلة) وان الافكار الواردة في كتاب سيد قطب (معالم الطريق) كانت عظيمة الأثر في نفوس غالبية قادة الحركات الارهابية.
وبعيداً عن السياسة وارهاصاتها، اشار الطاهر الى تعرفه (من خلال أسفاره) على العديد من النساء منهن الرومانية (نادية كوماتسو)، والصحيح ان اسمها (نادية كومانتشي) وهي لاعبة الجمباز الشهيرة التي أبهرت العالم في دورة مونتريال الاولمبية عام 1976 عندما حطمت الرقم القياسي في التأريخ الاولمبي وحصلت على العديد من المداليات الذهبية وهي لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها، ويذكر ان كومانتشي غادرت بلادها  قبل فترة وجيزة من سقوط نظام تشاوشيسكو عام 1989 لتستقر في الولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته أشار الكاتب الى علاقة الصداقة التي ربطته مع (مونيكا) مديرة التلفزيون القبرصي التي اشترطت عليه أن يدفع ثمن البنزين الذي تستهلكه سيارتها اثناء تجوالهما معاً في شوارع نيقوسيا، وهنا توقفت ملياً وأنا اقارن ذلك مع الكرم الذي عرف به العرب، اذ كان جدنا حاتم الطائي يأمر غلامه بأن يوقد النار حين يجن الليل ليهتدي له من أضل طريقه وهو القائل: 
واني لعبد الضيف مادام ثاوياً
     وما في إلا تلك من شيمة العبد
وفي محطة أخرى أشار الطاهر الى العديد من المصريين الذين عملوا في مؤسسة الاذاعة والتلفزيون العراقية منهم المخرج (محمد توفيق) مخرج الأيام الطويلة، والصحيح ان اسم مخرج هذا الفلم هو المخرج المصري توفيق صالح، والفلم عن قصة بنفس الاسم كتبها عبد الامير معله، سرد فيها قصة هروب الرئيس السابق صدام حسين بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد عام 1959.
وفي حديثه عن مدينة السماوة اشار الكاتب الى اعتزازه بعدد من الشخصيات السماوية منهم الشاعر (عريان السيد خلف)، وحسب معلوماتي ان السيد خلف ليس سماوياً، وانما هو من مواليد قلعة سكر على ضفاف نهر الغراف بالناصرية عام 1940 وتوفي في بغداد عام 2018.
وعن علاقته ببعض الشخصيات الاعلامية تذكر الطاهر ذكريات وأحداث جمعته مع عبد الجبار محسن اللامي وأمير الحلو، واللامي كان كاتباً لامعاً كنت أحرص على قراءة مقاله الاسبوعي عندما كان رئيساً لتحرير مجلة الف باء، وكنت أجد في اسلوبه شبهاً بأسلوب جبران خليل جبران، واعتقد ان المسؤوليات والمناصب التي كلف بها حينذاك أكلت كثيراً من جرف ابداعه الصحفي، ثم جاءت افتتاحيات جريدة الثورة (التي نسبت له) بعد الانتفاضة الشعبانية والتي تتهم أهل الجنوب بالعجمة وانهم من اصول هندية (وانهم من مربي الجاموس الذين توارثوها من اجدادهم الذين جاء بهم محمد القاسم من الهند قبل قرون) لتزيد من حنق غالبية الشعب العراقي عليه، مع انه كتب مقالاً قبل وفاته  أواخر عام 2012 يبرئ نفسه من كتابة هذه المقالات وينسبها الى رأس النظام المباد، اما الاعلامي امير الحلو فسبق لي الاطلاع على كتاباته حتى بعد عمله في جريدة (الجريدة)  التي اصدرها قيس العزاوي بعد سقوط النظام ولكني لا اتفق مع بعض ما اورده الطاهر عنه بقوله (امير الحلو كان قومياً ولم يكن على وفاق مع النظام) اذ سبق وان قرأت له مقالات تنبئ عن غير ذلك ولست ادري اذا كان الطاهر مطلعاً على سريرته من خلال الصحبة والزمالة.
وعن علاقة الطاهر بالصحفي والقائد الشيوعي عبد الجبار وهبي اقول لقد بدا واضحاً تأثر الطاهر بأبي سعيد وهذا تجلى من خلال حرصه على قراءة ومتابعة كتاباته في جريدة اتحاد الشعب منذ بواكير صباه واقتفى الطاهر اثر ابي سعيد في اعتماد اسلوب السهل الممتنع والميل الى الكتابات الساخرة احيانا، واني أسال متعجباً كيف لم يتأثر الطاهر باتجاه ابي سعيد السياسي لا سيما وان البيئة التي كان يعيش فيها كانت تساعده على ان يكون (يسارياً ماركسياً)، لست ادري؟ الرحمة لأبي سعيد الكاتب الكبير الذي خلف لنا ارثا صحفيا ثراً اضافة الى ان ابنته (المطربة انوار عبد الوهاب) حلقت بعيدا في سماء الفن العراقي الأصيل ..
واشار الطاهر الى انه عمل تحت خيمة الصحافة العراقية مع عدد من الشخصيات المندائية، مؤكداً انه يجد في المندائيين طائفة مسالمة ودودة مبدعة، وأنا  أتفق مع ما ذهب اليه في وصفه الجميل لهذه الطائفة المحترمة التي ربطتني علاقات صداقة حميمة مع العديد من ابنائها، ولم أجد منهم الا الطيبة والسماحة وكأن قلوبهم شواطئ للحب عمدت بمياه الانهار الجارية التي يعشقونها في موروثهم، فتطهرت من كل أدران الحقد والضغينة والبغضاء، اضافة الى عشقهم اللامتناهي للعراق وان أجبرتهم الظروف على مغادرته، وكأني اسمع صدى صوت شاعرة الحب والجمال المندائية لميعة عباس عمارة وهي تناجي بغداد من غربتها: 
بغداد تائهة أنا حيرى
     من بعد صدرك لم اجد صدرا
واخيرا.. شكراً للطاهر، فقد كان التجوال في شواطئ ذاكرته سياحة ثقافية جميلة، وشهادة موضوعية على عصر ضم الكثير من المتناقضات، ومما اضفى على الكتاب اهمية هو شخصية الكاتب بأبعادها الصحفية والسياسية وما امتاز به اسلوبه من عفوية وعمق وموضوعية، ولغته التي مزج فيها بين الحس الصحفي والسرد القصصي ليقدم للقراء زاداً ثقافياً شهياً، وجاء تقديم المؤرخ العراقي الكبير د.ابراهيم العلاف ليضيف الى الكتاب قيمة اخرى.. 
تحياتي لأستاذي الطاهر، داعياً الله ان يمد بعمره ليتحفنا بالمزيد مما يجود به قلمه الرقراق.
 

المشـاهدات 217   تاريخ الإضافـة 08/09/2019   رقم المحتوى 20245
أضف تقييـم