الأربعاء 2019/10/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
تقانة البناء اللغوي وجمالية الصورة في أعمال الشاعر طلال الغوار
تقانة البناء اللغوي وجمالية الصورة في أعمال الشاعر طلال الغوار
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / د. باسل مولود يوسف
 

ولد الشاعر طلال الغوار عام ١٩٥٣، في تكريت، أكمل دراسته الابتدائية في القرية ثم انتقل إلى مدينة تكريت مع عائلته، ليواصل دراسته، أكمل دراسته الجامعية في بغداد.. بكالوريوس لغة عربية، وللشاعر العديد من الإصدارات ومن أهمها هي: ١. السماء تتنفتح في أصابعي- الشؤون الثقافية العراقية. ٢. حرريني من قبضتك- دار رند بدمشق- ٢٠١١. ٣. احتفاء بصباحات شاغرة- عن دار بعل- دمشق، والطبعة الثانية في دار أمل الجديدة.. دمشق ٢٠١٧ .٤ . أو الحب.. أول المعنى- عن دار بعل بدمشق بطبعتين الاولى ٢٠١٦، والثانية ٢٠١٧. كتب عنه عدد من الأدباء والنقاد، وقد صدرت ضمن كتاب (مدارات عن تجربة الشاعر طلال الغوار) عند دار الابداع- تكريت ٢٠١٣. نشر العديد من المقالات الثقافية والسياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية..

للبناء في المعاجم اللغوية دلالة فهو  يدل على الشيء المنجز، والمتحقق في الوجود، وجمعه أبنية، والبناء بالمعنى المتقدم لا بد ان يتكون من شكل ظاهر للعيان، سنطلق عليه: البناء الخارجي، وشكل آخر غير ظاهر انما يعكسه الشكل الخارجي ويدل عليه، وسنطلق عليه: البناء الداخلي. وربما يقترب هذا الفهم لبناء القصيدة من مفهوم تشومسكي في البنية السطحية والبنية العميقة، على ان التمييز بين دلالتي البناء الخارجي او الداخلي او دلالتي المنجز والاجرائي السابقتين، لم يكن واضحاً تماماً عند اصحاب المعاجم اللغوية، وبناء على ما تقدم، ونتيجة لاختلاف مفهوم البناء، وتمايز دلالته بين شكله الخارجي او الداخلي، وآليات تكوينه، سنناقش  تخدام المفردة اللغوية ويضعها في مكانها المناسب. ولنا في هذا دليل وشاهد نموذجنا الاول (قصيدة جدليات) (امشي بعيدا، حتى أقاصي الروح، وتشبه بجبل، ودع على سفوحه، تنحدر على احلامك الفائضة، ما جدوى كل هذه الطرقات، وكلماتك لا تترجل، وتسير امامك، اضلو الطريق الى السماء، لكن العاشق وحده يفتتحها، بوردة حمراء)، أستهل  الشاعر  قصيدته (جدليات) بفعل  مما جعل الايقاع سريعا وبلغة ثرة غنية جميلة سليمة، فضلا على حيازة هذا النص درجة عالية من الشعرية، التي اهتم النقاد بالشعرية واعتبروها هي هوية الإبداع الشعري، وهي العلامة الدالة على الانتماء  إلى دائرة الشعر، تحرى وادرك الشاعر الغوار كثيرا في تعامله مع اللغة، كي لا ينجرف مع لغات أخرى تبعد عمله من صفة الشعر ولكي يقدم نصوصه على طبق مرصع بالمفردة الغنية الحية والمتشظية المعاني وفي قصيدة اخرى يقدم لنا نموذج اخر (الشموس مضيئة يا صديقي، ولكنها لم تعد دافئة، فيما النهر، يعزف اوجاعنا) تألق الشاعر بانتقاء الألفاظ التي تحمل المعاني الغنية بمدلولاتها الرمزية والتي القت بظلالها على النص وجعلت منه نص مائزا مؤثرا، وحتى تتميز لغة شعر ديوانه (احتفاء بصباحات شاغرة) بسمو خصائصها الفنية التي اثارت  تلك الخواص وعمقت مدلولاتها، ونظمت سياق ألفاظها وجملها ووسعت نطاقاتها الصوتية والإيحائية، وجددت قرائنها وأغنت مجالاتها التعبيرية مما جعل من القصيدة مادة ثرية اغنت القارئ بافضل الصور البهية وهنا لابد من الاشارة الى ان نأخذ بنظر الاعتبار انه  لا يمكن أن تكون كل لغة مادة صالحة للشعر، «لأن لغة الشعر متميزة وذات خصوصية، لأنها لغة إيحاءات، إنها تقف على نقيض اللغة العادية أو لغة العلم التي هي لغة تحديدات ولغة الإيضاح. وهذا نموذج آخر للتوظيف اللغوي الرائع للشاعر  (نبتت بين اصابعنا الكلمات، ونحن نخضب أرواحنا بالحلم، وبنداء الأقاصي، فيومئ إلينا النهر، كانت تحتفي، بنا خطواتنا، فتغذ كلماتنا في صباح طويل...) حمل هذا النموذج بمعان واسعة ساعدت في تكثيف لغته وتشظي دلالته الرمزية، فضلا عن ذلك تميزت هذه القصائد  عن غيرها، حملت أكثر من وعاء لحمل المعاني، وأكثر من وسيلة للتعبير عن الأفكار. فهي المعنى نفسه. بحيث تحولت إلى مقصد أساسي في اغلب قصائده، واخص بالذكر منها قصيدة (تشرقين في قصائدي، وطفولة، والنهر، وجدليات، وانهم مهزمون وقصائد اخرى)، واحالة لغة قصائده هذه الى هدف مركزي في العملية الإبداعية، ولم تكن وسيلة لأداء شيء ما، وارتبطت لغة الغوار بسعة ثقافة الشاعر وعمق مرجعياته الفكرية وحملت بدسامة وعلمية العوامل الذاتية والموضوعية لجل اعماله التي ساهمت في تجاربه الشعرية، وكانت تمثل ترجمانا لتصوراته وحساسياته، كما أنها حملت صورة معبرة عن انشغالاته وهمومه الفكرية والنفسية والاجتماعية.. وفي هذا النص (أنهم مهزومون) تتجلى معان اخرى وجميلة لشاعريته (انهم بشر من ظلام، دخلوا قتلوا، دمروا، وبشراهة اللصوص، انتزعوا الخضرة من الاشجار، فاتسخت بهم الصباحات، اتسخت بهم الانهار) يا لجمال الصور وبهائها في هذا النص، وكانت الصور هنا ذات معان متشظية دلت على ان شاعرنا كان دقيقا وحصيفا في الاختيار والانتقاء بين الألفاظ ساعيا وراء ما يمكن أن يخدم مقصديته، وقدم صورة تقريبية لما يعتمل في ذهنه وأعماقه، وهكذا اتت اللغة الشعرية في ديوانه منسجمة مع السياق النفسي ومع التجربة الداخلية له. كما أنها اتت منسجمة مع السياق الثقافي العام، ومع الاختيارات الفنية والجمالية التي أقرها المجتمع الأدبي، واستساغها الذوق الفني السائد. لأن طلال  بقى دائما ابنا وفيا لبيئته، ولسانا صادقا حاملا لرؤية المجتمع التكريتي الثقافي الذي ينتمي إليه. ولذلك تجد اغلب تجاربه الشعرية منتمية  لسياق تاريخي أو ثقافي لمدينته تكريت الذي قضى ثلثي عمره فيها، قد انطبعت بالطابع الفني الذي تميز به ذلك السياق. فحملت قصيدته آثارا بارزة وبصمات واضحة لما تم تكريسه وتثبيته في اغلب اعماله ويعد الغوار من الشعراء الذين يوظفون اللغة الشعرية بطريقة علمية فنية حصيفة وتحمل رمزية عالية متشظية في مجال الابداع.

المشـاهدات 210   تاريخ الإضافـة 23/09/2019   رقم المحتوى 20715
أضف تقييـم