الجمعة 2019/12/13 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عكس ما يبدو.. روسيا تخسر في الشرق الأوسط وكل أنحاء العالم
عكس ما يبدو.. روسيا تخسر في الشرق الأوسط وكل أنحاء العالم
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* راجان مينون

انا ادحض فيه ما قد يبدو لبعض المراقبين نجاحًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العودة بروسيا بقوة إلى المسرح العالمي، وسعيه إلى تحدي المصالح الأمريكية والغربية. إن ما يبدو في الظاهر أنه نجاح لبوتين، ليس في الواقع سوى مغامرات باهظة التكلفة، تسعى إلى الاستفادة من نفوذ الاتحاد السوفيتي واستثمارات في السابق، كما في الشرق الأوسط، أو تحركات دعائية مثل القمة الأفريقية الروسية.  في الغرب، يبدو أن الليبراليين والمحافظين، على حد سواء، يتفقون على أن روسيا عادت إلى البروز كقوة عظمى ذات امتداد عالمي. وفي روسيا نفسها، يؤكد خبراء السياسة الخارجية المعروفون أنه من الأفضل للغرب أن يعتاد على عودة بلادهم إلى الظهور. 

أن مثل هذه التقييمات، التي يميل بعضها نحو الانزعاج، لا تصمد تحت ضوء الأدلة الساطع. من ناحية، فإن الناتج المحلي الإجمالي لروسيا أكبر قليلًا من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا، وهي بلد يقل عدد سكانه عن ثلث سكان روسيا. والميزانية العسكرية الروسية أقل من عُشر الميزانية العسكرية لدى الولايات المتحدة، ونحو خُمس الميزانية العسكرية لدى الصين، وأصغر من ميزانية اليابان.علاوة على ذلك، تعد نجاحات السياسة الخارجية لروسيا مبالغًا فيها. ولنفكر في سوريا. وفقًا للرواية المنتشرة فإن بوتين استفاد في عام 2015 من تذبذب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بشأن سوريا للتدخل عسكريًّا، مما أعطاه اليد العليا في الصراع لاحقًا. ولكن في الحقيقة، لم يكن لتحركات بوتين أدني علاقة بأوباما. سوريا هي الشريك الاستراتيجي لموسكو منذ عام 1956. وبدأت مبيعات الأسلحة من الكتلة السوفيتية في ذلك العام، وكذلك تدريب الجنود والطيارين السوريين في تشيكوسلوفاكيا، وبولندا المتحالفتين مع السوفيت. كما قدمت سوريا أول طلب لها في عام 1956 لنشر القاذفات والطائرات المقاتلة السوفيتية على أراضيها، وهو الطلب الذي رفضه الكرملين، وذلك في أعقاب أزمة السويس، ولمواجهة إسرائيل وتركيا.
في عقود الحرب الباردة التي تلت ذلك، أصبح الاتحاد السوفيتي المصدر الرئيسي لسوريا للمساعدات الاقتصادية والأسلحة. في عام 1971، بدأت السفن الحربية والغواصات السوفيتية باستخدام ميناء المياه العميقة في طرطوس بسوريا. وفي عام 1980، وقَّعت دمشق وموسكو معاهدة تتضمن بنودًا للتعاون الاستراتيجي.إزاء هذه الخلفية، ترتبط مغامرة بوتين في سوريا أكثر بحماية استثمار استراتيجي طويل الأمد بدا مهددًا أكثر من كونه تفوقًا على الولايات المتحدة. وكما رأى بوتين الأمر، فإن سقوط الرئيس السوري بشار الأسد كان سيؤدي إما إلى فوضى مطولة، وإما إلى انتصار للجماعات الإسلامية المتطرفة، أقوى أعداء الأسد المسلحين. وأيً من هاتين النتيجتين ستكون ضربة لروسيا، وفقًا لما يذكره «راجان مينون».على الرغم من ذلك، ما كان للقوة الجوية الروسية وحدها أن تمكن الأسد من استعادة معظم سوريا، ولكن القوات البرية وحدها هي التي يمكنها غزو الأرض. وعلى الرغم من أن القوات الروسية المتعاقدة قاتلت – وتعرضت للقتل، بعضها بسبب الغارات الجوية الأمريكية- في سوريا .ويوضح «مينون» أن القرار بالقتال في سوريا لم يكن نتيجة لتقسيم العمل من قبل روسيا؛ فقد دعموا الأسد لأسباب خاصة بهم. إن رؤيتهم لمستقبل سوريا لا تعكس بأي حال من الأحوال رؤية روسيا. كما أنهم بعد أن أراقوا الكثير من الدماء، لن يسمحوا لروسيا بتشكيل السياسة السورية منفردة. بمعنى آخر، لم تفز روسيا حقًّا بسوريا. وعلى أي حال، لن تكون سوريا جائزة كبيرة.وفقًا للبنك الدولي، يعتقد أن تكلفة إعادة بناء سوريا، التي تحول جزء كبير منها إلى ركام، ستصل إلى 250 مليار دولار، أي أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا لعام 2010. هذا المبلغ يتجاوز كثيرًا ما تستطيع روسيا أن تتحمله. بالنسبة لمبيعات الأسلحة الروسية المربحة في المستقبل إلى سوريا، هناك مسألة بسيطة تتعلق بكيفية سداد الأسد ثمنها.أن مكاسب روسيا في بقية الشرق الأوسط مبالغ فيها. موسكو بالطبع  نشطة في الصراع في ليبيا. لكن جهود إعادة النظام، ناهيك عن تحقيق نفوذ مهيمن، في بلد مزقته الحرب يضم حكومتين متنافستين: رجل عسكري قوي طموح هو خليفة حفتر، وكوكبة من الميليشيات المسلحة، لن يكون في النهاية سوى جهد ضائع.  وقد أدانت إحدى الحكومات الليبية بالفعل استخدام روسيا للمرتزقة هناك. إلى جانب ذلك، تعد روسيا واحدة من العديد من الدول التي تسعى إلى النفوذ في ليبيا، وبعضها (الداعمون الرئيسيون لحفتر مثل مصر والسعودية على سبيل المثال) أقرب إلى ليبيا، ولديهم فرصة أكبر في تحديد مسارها.وبالنسبة لدول أخرى إن «حركة روسيا ونشاطها الدبلوماسي في إسرائيل، والسعودية، ومصر أثار الكثير من الاهتمام، وقد لعب بوتين بالتأكيد بأوراقه جيدًا». ثم يستدرك الكاتب أنه «عندما يحين وقت الحسم، ستستمر كل هذه الدول في الاعتماد على الولايات المتحدة، وستكون أكثر ارتباطًا بها. لا شيء سوف يقايض العلاقة الأمريكية، على الرغم من عيوبها، بالخيار الروسي».وفي أفريقيا، فإن الواقع فيها ليس أفضل حالًا بالنسبة لروسيا. بالطبع، استضاف بوتين قمة شملت 43 رئيسًا من رؤساء الدول الأفريقية، صاحبتها الكثير من الدعاية الصاخبة في سوتشي في أواخر أكتوبر (تشرين أول) الماضي. ومن المثير للإعجاب أن الكثير من القادة حضروا. لكن ليس من الواضح ما الذي سيسفر عنه هذا المجمع بالنسبة لموسكو أكثر من الرمزية. تحتاج روسيا إلى تسلق مرتقى صعب وحاد، إذا أرادت أن تصبح لاعبًا رئيسيًّا في أفريقيا، يطغى على وجودها فيما يتعلق بالتجارة والاستثمار الأجنبي المباشر، الذي تتنافس عليه كل من الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، وتركيا، والهند.صحيح أن موسكو حققت بعض المكاسب في القارة السمراء مؤخرًا، خاصة في مجال التجارة. على سبيل المثال، زادت الواردات الأفريقية من الولايات المتحدة بنسبة 7% فقط بين عامي 2006 و2016، بينما انخفضت الصادرات بنسبة 66%. بالنسبة لروسيا، زادت الواردات والصادرات بنسبة 142% و168% على التوالي. لكن هذا الارتفاع يأتي على رأس خط أساسي صغير للغاية.وبالنسبة لدول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بلغ إجمالي التجارة حوالي 3 مليارات دولار في عام 2017، مقارنة بحوالي 55 مليار دولار للصين. بالنسبة للاستثمار الأجنبي المباشر الروسي في أفريقيا، فإن موسكو لا تحتل حتى مرتبة بين العشرة الأوائل. أن روسيا تحقق نجاحًا أكبر قليلًا عندما يتعلق الأمر بمبيعات الأسلحة. في شمال أفريقيا، تعد أكبر مورّد للجزائر، على الرغم من انخفاض حصتها في السوق من 90% بين عامي 2009-2013 إلى 66% بين عامي 2014- 2018. ومع ذلك، فإن المغرب، المشتري الرئيسي الآخر للأسلحة في المنطقة، يتطلع إلى الولايات المتحدة وفرنسا للحصول على 98% من احتياجاته. كما لبت روسيا 28% من المشتريات العسكرية لدول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بين عامي 2014- 2018 و35% من صادرات الأسلحة إلى نيجيريا، أكبر مستورد في المنطقة.حتى في الفناء الخلفي الخاص بها، أصبحت روسيا عاجزة. على سبيل المثال، أدى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 ودعم المتمردين في شرق أوكرانيا، إلى تحويل البلاد – بالنسبة لموسكو التي تعد إلى حد كبير من الناحية التاريخية، الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية والثقافية بين دول ما بعد الاتحاد السوفيتي- إلى عدو لدود. وفي الوقت الحالي، سوف تصطف «كييف» مع الغرب حتى لو كان حلمها بعضوية الناتو بعيد المنال. علاوة على ذلك، في حين أن القومية الأوكرانية المعاصرة لها جوانب كثيرة، فإن أحدها هو المشاعر المعادية لروسيا. كما تكشف التطورات في آسيا الوسطى أيضًا عن سطحية رسم روسيا في عهد بوتين كدولة تسير من انتصار إلى آخر. في هذا الجزء من العالم، الذي كان في السابق جزءًا من روسيا الإمبراطورية ثم الاتحاد السوفيتي في وقت لاحق، تسببت الصين في تآكل التفوق التاريخي الروسي، حتى وإن لم تكن حلت محل روسيا. ويعد هذا التغيير ملحوظًا خاصة في المجال الاقتصادي؛ إذ أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيسي في المنطقة، ومصدر الاستثمار. وإحدى علامات هذا التحول يتمثل في تدفق الجزء الأكبر من النفط والغاز في آسيا الوسطى شرقًا إلى الصين، بدلًا من الشمال إلى روسيا، وذلك عبر خطوط الأنابيب التي شيدتها الصين.بالطبع تظل روسيا مهمة. إن دولة يبلغ عدد سكانها 144 مليون نسمة، ولديها الآلاف من الرؤوس الحربية النووية، ومليون جندي عامل، واحتياطيات هائلة من النفط والغاز، ومقعد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ستكون مهمة دائمًا، ويجب ألا يفاجأ المراقبون عندما تتابع بقوة مصالحها في الخارج وبطرق تتحدى الغرب. ومع ذلك، فإن فطنة موسكو الاستراتيجية ومكاسبها الملموسة، لا تكاد تكون مبهرة كما يوحي الاتفاق الواضح في الآراء. يتطلب فهم ذلك نظرة واضحة إلى الإنفاق والعائد منه.

* أستاذ العلوم السياسية بجامعة نيويورك

المشـاهدات 321   تاريخ الإضافـة 24/11/2019   رقم المحتوى 21800
أضف تقييـم