الجمعة 2019/12/13 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
السرد الشهرزادي في رواية هسيس اليمام للروائي سعد سعيد
السرد الشهرزادي في رواية هسيس اليمام للروائي سعد سعيد
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / موسى حسين القريشي

نهضت الرواية العراقية اليوم على يد الصفوة من كتابها إذ صارت تُقرأ وتتنافس عليها دور النشر العربية وتنال الجوائز الكبرى كذلك صارت فناً أدبياً يُدّرس ويترجم إلى اللغات العالمية كما أُجريت حولها اليوم الكثير من القراءات والدراسات النقدية الأكاديمية منها وغير الأكاديمية، وصار لها تراث ضخم نعتز به ونعاود قراءته من حين إلى آخر حتى أصبح لدينا ضربٌ من الحمى تنتاب النقاد، وكذلك الدارسين من طلبة الدراسات العليا فتستحوذ على اهتماماتهم فأخذوا يستمدون منه موضوعات لرسائلهم وأطاريحهم، وهذا في حد ذاته عامل شدٍّ وجذب مهم لهذا الجنس الأدبي الذي له ملامحه الخاصة حتى شاع بين جمهور القراء والنقاد والأدباء بـ(أن هذا العصر ليس بعصر شعر بل هو عصر الرواية)..إن هذا الحكم باعتقادي وكما أكده بعضهم إنه لم يطلق اعتباطاً ولا يحمل دلالات الانحياز والتأثر بل إنه حكم موضوعي تؤكده الساحة الأدبية العراقية والعربية ودور النشر التي انتعشت أخيراً بإصدار الكثير من الروايات العراقية والعربية على السواء.
واليوم يظهر في منجز السرد العراقي تنوعاً كبيراً في الإبداع السردي بكل أشكاله وتقنياته نجده يتجسد في أعمال كبيرة لدى بعض الكتاب وما رواية (هسيس اليمام) إلا واحدة من هذه الأعمال الناضجة للروائي المتألق سعد سعيد الذي عاش فترة طويلة من النجاحات والتفوق والإبداع إذ صدرت له (6) أعمال روائية على التوالي الدومينو 2007، وقال الأفعوان 2009، ويا حادي العيس 2010، وفيرجوا ليا 2012، وثلاث عشرة ليلة وليلة 2013، وهسيس اليمام 2015، فضلاً عن مجموعته القصصية كواليس القيامة الصادرة عام 2008م.
وهو بهذه الأعمال الناضجة يعد أحد العلامات البارزة في الفن الروائي العربي ورقم مهم في الرواية العراقية ذلك لأن أعماله تتسم بعبق الإنسانية والتراث السردي وبنحو أكثر حداثة وهو أيضاً يؤسس لنفسه سيرة إبداعية مميزة متجددة الأشكال والأنماط وبتقانات مختلفة، فروايته هسيس اليمام مغايرة تماماً لما ألفناه من روائع أعماله السابقة وأجدني أنه يبحث عن إمتاع القارئ في كل أعماله فينقله من متعة إلى أخرى ولعل هذه الرواية تعد واحدة من إبداعاته الروائية المفعمة بالمتعة والإقناع واللافت للنظر أننا نعرف ((ظاهرة الكتابة النسوية ونعني بها كتابة المرأة للرواية)) فكيف بنا برجل مثل سعد سعيد يكتب بإحساس المرأة ويفوقها مشاعراً وبناءاً ووصفاً للمواقف التي هي فيها او لها. وباعتقادي أن هسيس اليمام هي أول رواية عراقية متكاملة كُتبت بإحساس المرأة حتى الآن إذ حظيت بإعجاب واسع من لدن النقاد والقراء انطلاقاً من الإمتاع السردي الذي عرف به أُسلوبه عبر تناولاته المتجددة لأنواع السرد الذي لم يوفق فيه أكثر الروائيين العراقيين والعرب إبداعاً وشهرة ولا أدري أين نضع هذه الرواية أضمن فهرست الأدب النسوي أم الأدب الذكوري.
من الواضح جداً أن سعد سعيد قد نجح في استدراج القارئ وشده إلى الرواية من أول عبارة فيها ((موتي يا موتي العزيز..)) (الرواية ص11) على لسان حال هديل وفي الحقيقة هي بوح منها تخاطب وتنادي من خلالها (الموت) الذي داهمها بعد استفحال مرضها إذ وجدت نفسها تستنجد به ليتركها وقتاً إلى حين اللقاء حباً منها في البقاء في قيد الحياة لتقص عليه أسرارها وتقرأ مذكراتها التي لا يمكن كشفها لأي إنسان تبوحها له، فاختارته أن يكون لها كما على لسان حالها ((سأتجاوز جميع البشر وأكتب لك لأني أشعر بك كصديق أمين صديق سأجده ينتظرني حتماً يوم اللقاء)) (الرواية ص11) واللقاء هنا يحمل دلالة التأجيل لحتفها المحتوم الذي ينتظرها بعد حياة مليئة بالأسرار فتخاطب الموت وتقول ((أنا لا أُخطط للقائك قريباً إذ مازال الطمع بمتع الحياة يتملكني)) الرواية ص11.
وبهذا فقد وفق في توظيف عنصر السرد والتشويق تأثراً بحكايات ألف ليلة وليلة فشهرزاد استطاعت أن تنقذ حياتها بالعبارة التي تقول: (وأدرك شهريار الصباح فسكتت عن الكلام المباح).
ويقودنا سعد سعيد من خلال عمله إلى المزيد من المتعة التي نتحسسها من مواقف امتدت على طول الرواية وتجسدت في معظم شخصياتها وبخاصة شخصية هديل المحورية التي تلقي بكامل ظلالها وهيبتها على بقية شخصيات الرواية إذ هي التي تروي (للموت) أسرارها وقصد سعد من ذلك جذب القارئ إلى عمله ومن ثم ليريه واقعاً لا يغفل عن رؤية النقائص والعيوب فيه ليهبط به إلى أديمه النابض برعشات الفساد والانحلال والانفلات في كل شيء والذي يهدد الأسرة والمجتمع على السواء.
لقد استطاع سعد سعيد في أن ينقلنا من متعة إلى أخرى ومصدر هذه المتعة هو هديل فما أن يدغدغ سمعنا بعباراتها وأصواتها التي تطلقها في مواقف الضعف حتى تعود إلى هديرها الهائج الرهيب حينما تتلاشى عند وطأة العنفوان الجسدي والمتعة الجامحة المرتبطة في أرض الواقع المر، فهو يحملنا باستمرار على ظهر أمواج صاخبة بالمتعة في مواقف مختلفة وغير مكررة لبت حاجات المتلقي في الإمتاع متجنباً أي خرق صريح للأذواق والتقاليد الأدبية المقبولة إلا القليل منها.
وتكتمل العبرة من الرواية من خلال النهاية إذ نجد أن الموت الذي كانت تخاطبه هديل قد جاءها بشخصية (حيان) حين قال لها:
- صدقيني هي الحقيقة العظمى الموت هو مكمل الحياة ومن دونه لن تكتمل الدورة.
- فلم تنبس هي ببنت شفة، فقال وهو يركز على كل حرف ينطقه.
- هو الحين يا هديل.
- أي حين يا حيان؟ (الرواية ص213).

المشـاهدات 129   تاريخ الإضافـة 01/12/2019   رقم المحتوى 22010
أضف تقييـم