الأربعاء 2020/1/22 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
العراق .. من أجل الوحدة
العراق .. من أجل الوحدة
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* خافيير سولانا

مع انتشار حالة من الغضب الشعبي في العديد من الدول حول العالم، لم تحظ المظاهرات الجماهيرية الحاشدة التي اندلعت في العراق، والتي أدت إلى سقوط حكومة البلاد، بالكثير من الاهتمام نسبياً في الغرب. فعلى الرغم من أن العنف الذي ارتكبته قوات الأمن العراقية قد تسبب في استشهاد اكثر من 500 شخص، إلا أن الاضطرابات في البلاد كانت حاضرة بشكل مستمر على مدار العقود القليلة الماضية لدرجة أن العديد من المراقبين الغربيين أصبحوا غير مبالين بها. وليست هذه هي الحقيقة المزعجة الوحيدة: على عكس فنزويلا أو هونج كونج، فالغضب الشعبي في العراق موجه نحو نظام يرعاه الغرب..

بعد الهزيمة الإقليمية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عاد العراق إلى حد ما إلى الوضع الذي كان قائما، بيد أن تأثيرات تمرد التنظيم السلفي لا تزال ظاهرة. حيث مر العراق بحالة من التعافي هي جيدة وسيئة في الوقت ذاته، ويرجع ذلك إلى أن العيوب الصارخة التي تبتلي النظام السياسي في البلاد لم تُصحح بعد. فبدلا من التطلع إلى تطوير شعور أكبر بالتماسك، أسس دستور 2005 -بدعم من الولايات المتحدة- نظاما لتقاسم السلطة يستند إلى معايير عرقية ودينية. وبدلا من احتضان الديمقراطية، غذى الدستور الحالي دوامة الطائفية التي كانت تمزق البلاد بالفعل، والتي أدت في نهاية المطاف إلى ظهور داعش.سيكون من السذاجة أن نعزو جميع مشاكل العراق إلى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 والأخطاء اللا نهائية التي صاحبت ذلك. لكن الاستراتيجية الأميركية لتغيير النظام في العراق كانت بحد ذاتها شديدة السذاجة حيث تجاهلت حقيقة أن سجل مثل هذه السياسات ذاخر بالفشل. مهما كان الدافع الرئيسي لإدارة جورج دبليو بوش، فقد أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة مهووسة بالتدخل العسكري القسري الرافض للمبادئ الأساسية للدبلوماسية. المشكلة ليست أن العراقيين لم يفهموا سوى لغة القوة، كما أشارت بعض الأصوات التي تخدم مصلحتها الذاتية، لكن الحكومة الأميركية لم تحاول فهم العراقيين بالقدر الكافي من الجدية. أضف إلى ذلك أن فشل العملية الأميركية لم يثبت عدم إمكانية ترسيخ الديمقراطية في العراق. وفوق كل شيء، سيكون من الحكمة تجنب التفسيرات القائمة على الوصم والتي تضرب بجذورها في فكرة الحتمية الثقافية. لكن ما ثبت بشكل مقنع هو أن حرص أميركا على تشكيل النظام العراقي بين عشية وضحاها وفقا لرغباتها كان محض خيال. الحق أن الاضطراب الحالي في العراق، حيث تتساوى التعددية مع المحسوبية، ليس سوى جزء من مشهد بانورامي اجتماعي سياسي مُقفر في نظر المواطنين. حيث تسير أوجه القصور المؤسسي في العراق جنبا إلى جنب مع شعور واسع النطاق بالإذلال نتيجة إخضاع البلاد لإرادة القوى الأجنبية. وتُعتبر الولايات المتحدة هي المثال الأكثر وضوحا، لكنها ليست المثال الوحيد على الإطلاق. في الواقع، ترتبت على حرب العراق أيضا عواقب جيوستراتيجية مروعة بالنسبة لأميركا، لأنها فتحت الأبواب أمام النفوذ الخارجي. تؤكد مئات البرقيات الاستخباراتية التي سُربت مؤخرا مدى ضخامة هذا التأثير الخارجي، الذي ظهر جليا في عملية تعيين رئيس الوزراء.مع استمرار الاحتجاجات الجماهيرية، يبعث العراقيون برسالة مفادها «لقد طفح الكيل». حيث لم تهدئ استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي غضب المتظاهرين الذين يدعون إلى إصلاح كامل للنظام السياسي ووضع حد للتدخل الأجنبي. ومما لا يخلو من دلالة أن الشعب -بموافقة الزعيم الروحي آية الله العظمى علي السيستاني- هم من قادوا الاحتجاجات ويثق معظم العراقيين بالسيد السيستاني. وعلى الرغم من أن الاحتجاجات لم تنتشر إلى المناطق الغربية (بما في ذلك المناطق الكردية)، فقد دعم العديد من أعضاء هذه المجتمعات أصوات الاحتجاج. قد يؤدي هذا إلى ظهور مفارقة أخرى، حيث ينتهي المطاف بنظام تقاسم السلطة الذي غذى الكثير من الانقسام في العراق إلى أن يكون سببا في توحيد مواطني البلاد، وإن كان في معارضتهم له. وعلاوة على ذلك، فإن هذا التحول المثير في الأحداث يدعو إلى التشكيك في النماذج المستندة إلى تأثير الثقافة، والتي سيطرت على الكثير من التحليلات حول وضع العراق وبقية المنطقة. تُبرز الاحتجاجات في العراق حقيقة مفادها أن الدوافع ذات القدرة الأكبر على إحداث التغيير تنشأ دائما من داخل المجتمعات. والواقع أن أفضل طريقة يمكن أن يتبعها الغرب هي تأييد روح هذه الحركات الشعبية، لكن دون تدخل مفرط. علاوة على ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تُدرك أخطاءها السابقة جيدا، وأن تتوقف بشكل نهائي عن السعي إلى تغيير الأنظمة السياسية، سواء من خلال التدخلات العسكرية أو الضغط الاقتصادي. واذا عدنا للخريطة المنقحة التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في عام 2013، المتعلقة بإعادة هيكلة الشرق الأوسط، فقد تم تقسيم سوريا والعراق إلى أربع دول، منها دويلة «سنية» وأخرى «كردية» يتم إنشاؤهما على أراضٍ مجتزأة من دولتي سوريا والعراق الحاليتين. وقد نشرت صحيفة أوزغور غوندم الكردية في تركيا قرار ومحضر الاجتماع الذي أعدت فيه وكالة المخابرات المركزية غزو العراق من قبل داعش. تشير هذه الوثيقة إلى أن مسرور بارزاني، رئيس الاستخبارات آنذاك كان أحد المشاركين في هذا الاجتماع التخطيطي الذي انعقد في العاصمة الأردنية عمان في اليوم الأول من شهر حزيران 2014. لقد ثبت دعم حكومة إقليم كردستان العراق لغزو داعش للعراق من حقيقة أنها سمحت بذبح الرجال اليزيديين الأكراد في سنجار، وسبي نسائهم، ومن نجا منهم، نجا بفضل مؤازرة إخوتهم في سوريا وتركيا الذين أتوا إلى المنطقة من سوريا ومن تركيا لإنقاذ من تبقى منهم، تحت النظرات الساخرة لعناصر البيشمركة. ارتكب تنظيم داعش كماً هائلاً من الفظائع التي تقشعر لها الأبدان، وفرض حكمه بقوة الإرهاب. مارس تطهيراً دينياً ضد اليزيديين الأكراد، والمسيحيين الآشوريين، والشيعة العرب. لقد استفاد هؤلاء «الخارجون عن القانون» من الدعم المالي والعسكري لوكالة الاستخبارات المركزية، والبنتاغون، بالإضافة إلى دعم ما لا يقل عن سبع عشرة دولة، وفقاً للوثائق المنشورة في صحيفتي «ترود» البلغارية، و«جوترنجي ليست» الكرواتية. لا أحد يعرف حتى الآن كيف تحول حزب العمال الكردستاني في عام 2005 من حزب سياسي ماركسي-لينيني مؤيد للاتحاد السوفييتي السابق، إلى ميليشيا «إيكولوجية» تحررية ومؤيدة لحلف شمال الأطلسي، كما لا نعرف أيضاً ما التغيير الذي طرأ على «وحدات حماية الشعب» في عام 2014، حيث يتم توصيفهما دولياً بشكل متغير، تبعاً لموقعهما من الحدود السورية-التركية، فهما منظمتان إرهابيتان، حين تتواجدان فوق الأراضي التركية، لكنهما يصبحان حزبين سياسيين معارضين «للنظام الديكتاتوري» حين يتواجدان فوق الأراضي السورية! لم ترتكب «وحدات حماية الشعب» فظائع مماثلة لتلك التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي، لكنها مع ذلك لم تتردد في ممارسة التطهير العرقي في المنطقة المسماة «روجافا» ونهب أرزاق عشرات الألوف من الآشوريين، والعرب السوريين وطردهم من بيوتهم وأراضيهم، مما يشكل جريمة ضد الإنسانية.هذه الممارسات هي التي دفعت البنتاغون إلى تسليحهم علناً، حسب ما ذكرت مجلة جينيس البريطانية، وكما أشارت أيضاً صحيفة ألمانيفستو الإيطالية، وما كشفت عنه فرنسا على لسان رئيسها فرانسوا هولاند، في ذلك الحين. بعد سقوط «دولة الخلافة»، طلب حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، من دمشق السماح لهم بعبور خطوط الجيش العربي السوري لإنقاذ إخوتهم الأكراد المهددين بالفناء على يد الجيش التركي في الشمال الغربي من البلاد، فنالوا مرادهم.الوثائق والحقائق السابقة غير كافية لتنبئنا من على صواب أو على خطأ، فهذه مسألة أخرى، لكن المؤكد أنه من المستحيل في الميدان أن تكون أنقرة ضد كل من داعش وحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، من دون الوقوع في تناقضات لا يمكن التوفيق بينها.وعلى هذا الاساس لن يتغير العراق ولا أي دولة أخرى للأفضل بالإكراه. بل في الواقع، لن يتحقق التقدم إلا من خلال مشاريع محلية تهدف إلى توحيد الصف وتعطي غالبية المجتمع أملا حقيقيا.
* الأمين العام لحلف الناتو سابقاً

المشـاهدات 330   تاريخ الإضافـة 08/01/2020   رقم المحتوى 23173
أضف تقييـم