الجمعة 2020/7/10 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
لم تكن عائلتنا فريدة في هذا السياق بل هي مثال لحالة أعم لعبتها الشرائح المتعلمة دينياً أو مدرسياً في مرحلة من تاريخ العراق
لم تكن عائلتنا فريدة في هذا السياق بل هي مثال لحالة أعم لعبتها الشرائح المتعلمة دينياً أو مدرسياً في مرحلة من تاريخ العراق
ملف من الماضي
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

       كامل الدلفي

حكت لي جدتي المؤمنة يرحمها الله قالت: (كان الخيالة يأتون إلى بيتنا في قرية الرعاش من بعد ٣٠ و٤٠ كيلو مترا من قرى ونواحي وقصبات الميمونة يحملون المكتوب (رسالة) الوارد إليهم ليقرأه لهم جدك أو ابوك أو انا إن لم يكونا حاضرين. وكنت اقرأه لهم من خلف ساتر القصب).ان زمان هذا الحدث يمتد من حوالي العام 1935م فصاعدا. إذ بدأ الشباب الريفي يتطوعون في الجيش.. أو يُرسلون إلى الخدمة الإجبارية.. ونشطت الرسائل في الحروب خاصة في حركة مايس1941 وحرب فلسطين 1948 والعدوان على مصر 1956.. وخفّت حركة الوافدين إلى منزلنا لقراءة مكاتيب المرسلين بعد أن انتشرت مراكز التعليم الملائي في القرى.. والتحاق كثير من أبناء الفلاحين إلى تلك المراكز ومن مسافات بعيدة، فقد كانت جدتنا يرحمها الله قد باشرت بتعليم الاولاد والبنات لأكثر من عقدين. وتعلم خلق كثير قراءة الحروف على يديها. وجئنا إلى بغداد ولم تختف ظاهرة مجيء الناس إلى بيتنا بغرض قراءة الرسائل وقد كان الدور فيها لوالدي بعد أن كبر الجد والجدة، وكان على الأكثر يكتب لهم رسائلا إلى أبنائهم أو إخوانهم بخط جميل وبديباجة ثابتة أو متغيرة بحسب الضرورة وقد نشطت الظاهرة في بيتنا في الستينيات إبان حرب الشمال والسبعينيات في حرب أكتوبر 1973.. وقد دخلتُ إلى سياق اللعبة مبكرا واعتنيتُ بخطي كثيرا وكان الوالد يشجع انغماسي فيها. ودخلت أغراضٌ أخرى في كتابة النصوص على يد والدي تتعلق بالشأن القبلي والتجاري والأحوال.. في المستوى القبلي هناك كتابة السواني (سنائن العرف) وكتابة المخالصات والاحلاف وملخصات الفصول ومشجرات النسب وفي التجارة العقود والمشاركات والكمبيالات وايجار البيوت ومكاتبات الديون وفي الأحوال عقود الزواج والطلاق والنشوز والوصايا والعرائض لمختلف دوائر الدولة خاصة النفوس والجنسية والأحوال الشرعية. وتسجيل تواريخ الوفيات والمواليد لأفراد العائلة والمقربين.. وكان اغلب الجيران حين يولد مولود لهم يأتون إلى والدنا ليمنحه اسماً من القرآن الكريم. وخفت الظاهرة كثيرا في الثمانينيات سيما في حرب الثماني سنوات مع إيران بسبب تقدم وتوسع دائرة التعليم. وانحصرت على كتابة الرسائل لأبناء العائلة الملتحقين في الخدمة العسكرية وفي جبهات الحرب. احتفظ بـ6 رسائل بخط والدي للفترة بين 1980/1982 تصور بهاء عواطفه ورقة مفرداته وقوة عبارته وجمال خطه. أكاد أجزم بأن النص المحلي انطوى على صدق هائل ودقة في التصوير ونقل الواقع وامتلاك حشمة هائلة وعواطف إنسانية كهائلة.. وكان العمل والجهد المبذول هو قربة إلى الله وبغرض تقديم الخدمات الإنسانية إلى محتاجيها. لم تكن عائلتنا فريدة في هذا السياق بل هي مثال لحالة أعم لعبتها الشرائح المتعلمة دينيا أو مدرسيا في مرحلة من تاريخ العراق وكانت ترى أن ذلك تكليف ضميري لا مناص من تنفيذه. اقارن هذا الموروث الباذخ إزاء ما تهيأ لنا من إمكانيات هائلة في انتشار النص وبإمكان اي نص مجاني تكتبه على وسائل السوشيال ميديا أن يبلغ تخوم الصين أو جاوه أو الازتيك لكنه نص مفارق لمحتوى النص الأسبق ولا يقارن به.. في الأعم تجد انه مشبع بالانانية والمقايضة وحب الإعجاب ولربما يحمل في طياته الفتنة و اللا وطنية واللا إنسانية وقلة ادب مباحة. هل ذلك يحدث لأن الأخلاق العامة تراجعت. أم أن برامج عالمية تتطلب ذلك ام ان موجة من فردانية رثة غلبت طباع المدونين.ام غياب دور طبقة الانتلجنسيا إلتي حكمت الأدوار السابقة ام أسباب أخرى وأخرى؟

المشـاهدات 366   تاريخ الإضافـة 09/01/2020   رقم المحتوى 23218
أضف تقييـم