أضيف بواسـطة albayyna


د. عقيل الناصري
جمع رواة  وقائع اليوم الاخير من حياة الزعيم قاسم ومهندسو ومنفذو الانقلاب، ان ساعة  الصفر بدأت بقيام العديد من لجان الانذار الحزبية باغتيال مجموعة من اقرب  المساعدين للزعيم قاسم والمنتمين الى تيار اليسار وبالاخص جلال الاوقاتي  قائد القوة الجوية وطه الشيخ احمد وفاضل عباس المهداوي وسعيد مطر ووصفي  طاهر وعبد الكريم الجدة وماجد محمد امين وغيرهم. إذ كلفت (على سبيل المثال زمرة بقيادة صلاح سالم مهمتها دار عبد الكريم الجدة، وزمرة اخرى مهمتها مهاجمة دار سعيد مطر في الفحامة (الصحيح في المأمون الناصري)، وقد تم لها ذلك، إذ كانت قد رصدت تحركاته ونظام عمله اليومي، منذ فترة طويلة نسبياً، ساعدهما في ذلك مدير الادارة في قيادة القوة الجوية صالح مهدي عماش وبعض الضباط البعثيين وانصارهم في مقر نفس القيادة، وكذلك التنظيم الحزبي المدني في كرادة مريم. ويعتبر الاوقاتي من اشد انصار النظام الجمهوري ومؤيدا للزعيم قاسم، ويتوجس الانقلابيون وخبراء الانقلابات العسكرية الامريكان من منصبه وامكانياته العسكرية في احباط محاولتهم الانقلابية في حالة نجاته من الاغتيال، خاصة، كما مر معنا، ان هؤلاء الخبراء كانوا قد اعتمدوا الطيران كعنصر اساسي في انقلابهم، ولهذا ليس اعتباطا ان تكون ساعة الصفر هي اغتيال الاوقاتي.
تمت عملية الاغتيال كما يصفها رئيس الزمرة المنفذة المدعو غسان عبد القادر في مقابلة اجريت معه في 24/1/1985، بالشكل التالي: (كلفت مجموعتي باعتقال جلال الاوقاتي، قائد القوة الجوية ومن قياديي الحزب الشيوعي، واذا مانع بذلك فيتم قتله، وفي ساعة الصفر قامت المجموعة المكلفة بذلك بعمل دورية حول داره الكائنة في كرادة مريم، وبعد خروجه من داره وفي احد الشوارع الفرعية القريبة من داره حوصر من قبل المجموعة، ما ادى به الأمر الى ترك سيارته والهرب، فقامت المجموعة المنفذة بفتح النار عليه وقتلته في الحال، وبهذا استطاع الحزب ان يتخلص من احد اقطاب السلطة المهمين والذي لو قدر له البقاء لكان له تأثير كبير في تغيير موازين القوى لصالح سلطة عبد الكريم قاسم) وبعد ذلك اتصلت المجموعة المنفذة بقيادتها واخبرتهم باتمام التنفيذ وكانت المجموعة تتألف منه ومن (ماهر الجعفري، عدنان داود القيسي، اكرم اسود، ومجيد رجب الحمداني). وكان دليل المجموعة حسب افادة عائلة الاوقاتي، محمد ثامر، اللاعب في المنتخب العراقي لكرة القدم وشقيق مدير الأمن اللاحق انور ثامر حسب استطلاعات الدكتور علي كريم سعيد. وقد تمت العملية بعد الثامنة والنصف وقبيل التاسعة صباحا. يصف حنا بطاطو عملية الاغتيال بالكيفية التالي: (كان الاوقاتي قد قاد سيارته يرافقه ابنه الصغير الى محل لبيع الحلويات قرب منزله، وما ان نزل من السيارة حتى توقفت مركبة آلية اخرج الركاب مسدساتهم واطلقوا النار عليه، واصيب الاوقاتي في كتفه وحاول ان يهرب ليختبئ، ولكنه اصيب ثانية في الرأس وسقط على الرصيف واسرع المهاجمون بالهرب واختفوا).
كانت عملية الاغتيال بمثابة اشارة الشروع للقوة الجوية في الحبانية ولقوى الانقلاب لكي تستولي على المرسلات في ابي غريب وتذيع البيان الأول، الذي كان بدوره إشارة البدء لتحرك كل المساهمين في العملية الانقلابية كل حسب المهام المناطة به والموقع المرسوم له.
ومنذ تلك اللحظة بدأ (مهرجان الدم العراقي) الذي خطط له في الاروقة الغربية، ونفذته اياد عراقية، التي كانت (في تواطؤ واضح مع حكومة الكولونيل عبد الناصر المصرية والـ(سي آي أي CIA) وباركته اغلب الدول العربية وخاصة مصر الناصرية. وأمسى الدم يسال لمجرد الشبهة او الهوية، بل حتى القتل من اجل القتل. لقد تحول العنف المادي الى نهج وممارسة يومية ذات طابع فاشي لدى سلطة القوى الانقلابية، إذ (كان التعذيب يجري باكثر اشكاله بدائية وثأرية، وفي بعض الاحيان لم يكن بقصد انتزاع مزيد من المعلومات بقدر ما كان تكراراً ثأريا)، كما عبر عن ذلك أحد مهندسي ومنفذي الانقلاب.
ففي البدء انصب العداء على قوى الحركة الكردية التي تحالفت قيادتها معهم ثم اعقب ذلك مع بقية القوى القومية، غير البعثية، وخاصة حركة القوميين العرب، بعد اكتشاف حركتهم الانقلابية في 25/5/1963 لينتهي مسلسل العنف بنتيجته المنطقية بصراع اجنحة البعث واخيرا على البعث ذاته، ما افقدهم السلطة. وبهذا الانقلاب اسهمت احزاب التيار القومي عامة، والبعث العراقي بخاصة، وحلفاؤهم الآخرون، بدرجة كبيرة في اضاعة اهم فرصة تاريخية لتطوير عراق القرن العشرين. وتعمقت بهذا الفقدان وازدادت وتأثر التعسف والاضطهاد وثقافة العنف والانقلابات التي هددت مكونات الاستقرار السياسي في العراق لعقود طويلة، وبخاصة بعد صعود، جناح ميشيل عفلق في حزب البعث ثانية للسلطة عام 1968. بحيث طال الاضطهاد الاعم الاغلب لمكونات المجتمع العراقي. وهذا ما يمكن استقراؤهم من خلال تتبع جملة الكوارث التي حلت بالبلد نتيجة حروبه الداخلية والخارجية. ويرصد ايضا مما حل بالقيادات التي تعاقبت على ادارة دفة القيادة، سواءً الحزبية ام الرسمية، المدنية او العسكرية، حتى تحول الحزب من مرحلة التشارك الحزبي العام، الى مرحلة نمو السيطرة القرابية، ومن ثم الى مرحلة نمو السيطرة العائلية (عائلة الرئيس مباشرة). وعلى خلفية هذه الابعاد، صدرت في يوم 7 شباط التعليمات الحزبية النهائية لتحرك الانقلاب والتي تتلخص في:
1. وجود المكلفين بالتنفيذ من مدنيين وعسكريين في الساعة السابعة صباحا في منطقتين هما: ساحة النسور في الكرخ بالقرب من جسر الخر (ساحة عبد الكريم قاسم سابقا)، حيث ملتقى طريق بغداد فلوجة وبغداد المحمودية، وفي ساحة عنتر في الاعظمية قرب النادي الاولمبي .
2. يبدأ الاستيلاء على محطة الارسال في ابو غريب، ويقطع الاتصال بمحطة البث في الصالحية وبمحطة تقوية البث (محطة الموجات القصيرة) في سلمان باك. ويعتبر هذا العمل اخطر حلقة في الانقلاب باعتباره وسيلة التبليغ الرئيسة في ذلك الصباح وبمثابة بدء ساعة الصفر لكل القوى الانقلابية بالتحرك العملي:
3. يبدأ البث الاذاعي باذاعة البيان الاول، الذي هو إشارة للطيارين لبدء الحركة والهجوم بطائراتهم الحربية، القادمة من الحبانية، على وزارة الدفاع والقاعدة الجوية في معسكر الرشيد جنوب بغداد. 4. يتحرك الضباط المؤيدون للانقلاب، والموالون من مختلف فصائل التيار القومي، للسيطرة على وحداتهم بعد سماع البيان الاول.
5. يحضر الضباط المتقاعدون وبملابسهم العسكرية في منطقة ابو غريب ويكونون مهيئين للتحرك بعد الاستيلاء على وحدات الدروع ولتولي قيادة الدبابات والاستيلاء على الوحدات العسكرية القريبة.
6. تبدأ الدبابات والمشاة بالتحرك من ابو غريب نحو اهدافها المرسومة.  وقد اوصى خبراء الانقلابات العسكرية وهذا مستنبط من دراسة الامكانيات المتاحة الانقلابيين بضرورة لصق صور عبد الكريم قاسم على الاليات والدبابات اثناء توجهها الى اهدافها بغية خداع الجماهير المناهضة لهم.
ــ وترابطاً بالموضوع نُشير إلى أن إذاعة الانقلاب في بغداد أذاعت يوم 8 شباط وفي الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة ب. ظ.، بياناً يدعو مدير شرطة النجدة، فاضل السامرائي المُعين من قبلهم، إلى إلقاء القبض على الأشخاص المشتبه بهم والمُزود بقائمتهم. بمعنى أن القائمة كانت معدة سلفاً ولم تكن مرتبطة بمقاومة هؤلاء الأشخاص للانقلاب، كما يشير تبريراً الأغلب الأعم من أقطاب النظام آنذاك ومنهم الفكيكي وشبيب والخيزران وغيرهم. ومع كل هذه الوقائع ينشر أمين سر قطر حزب البعث العراقي آنذاك حازم جواد أن الاعتقالات ابتدأت (من يوم العشرين من شباط/ فبراير..). وقد سبق وأن كرر هذا الادعاء في حلقة سابقة من أوراقه حيث يقول:(... أنه لم يجر اعتقال أي شيوعي عضواً أو مناصراً لا في يوم الثامن أو التاسع والعاشر وحتى اليوم العشرين من شباط/ فبراير...).
إن هذا الادعاء لا يصمد أمام الوقائع المادية التي ساهمت آنذاك... وتدحضها حتى تقارير حزب البعث العراقي نفسه.. وكذلك حركة القوميين العرب الشريك الأصغر.
في وصف الانقلاب، قال رئيس عمليات وكالة المخابرات المركزية في الشرق الأوسط ((جيمس كريتشفيلد)) بأنه [انتصار عظيم بالنسبة لنا]. إذ بالإضافة إلى مساهمتهم في تحقيقه، فقد رسم الانقلاب التاريخ اللاحق الجيو/سياسي للعراق والمنطقة، وفقاً للمنطوق الامريكي الذي تكرست هيمنته الأولية منذ ذلك التاريخ، والذي أصبح القوة المؤثرة فيها دون منازع يكبحه، وخاصة ما يتعلق بالثروة النفطية واستغلالها وبالقضية العربية المركزية (فلسطين) وسبل حلها، وهذا ما يثبته واقع الحال الراهن. وما تشهده القضية من تقزم يعود ببعض مسبباته، إلى ذلك الانقلاب.
كما أن أغلب (أبطال!) الانقلاب صُفّوا جسدياً بعد القدوم الثاني للسلطة عام 1968. وهنا يكمن التساؤل عن سر هذه التصفيات التي طالت عديداً من المشاركين في الانقلاب والمطلعين على دور العامل الخارجي فيه، أو تسنى لهم الاطلاع عليه فيما بعد؟ من أمثال:
واستناداً على ذلك فـإننا نستطيع حصر مصادر الدعم بشكل أساس في المثلث النشط (القاهرة، بيروت، لندن) دون التقليل من أهمية دور عواصم أخرى كواشنطن التي أسندت مهماتها إلى العاصمتين العربيتين آنفتي الذكر، لقربهما من ساحة الأحداث، ولأنهما يؤديان الغرض المطلوب بوجود العملاء السريين والعلنيين والذين يتلقون التعليمات المباشرة من السفارات أو من ضباط أجهزة المخابرات الدولية على حدٍ سواء.

المشـاهدات 1595   تاريخ الإضافـة 06/02/2020 - 12:40   آخـر تحديـث 19/10/2021 - 09:09   رقم المحتوى 23819
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Albayyna-New.net 2016