الثلاثاء 2020/9/22 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
لماذا باتت الأمم المتحدة ترضخ للأقوياء تحت إدارة غوتيريش؟
لماذا باتت الأمم المتحدة ترضخ للأقوياء تحت إدارة غوتيريش؟
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

البينة الجديدة / القسم السياسي
كتب المحرر «كولم لينش» تقريرا في مجلة «فورين بوليسي» بشأن الانتقادات الموجهة للأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أعضاء سابقين وحاليين في المنظمة التي يقودها، فيما يتعلق بحقوق الإنسان ومحاولته تجنب الصدام مع الدول الكبرى، لا سيما في الأوضاع الحالية التي يبدي فيها الرئيس الأمريكي استهانة واضحة بحقوق الإنسان وتسعى الدول الأخرى الكبرى، مثل: روسيا، والصين، إلى نزع التمويل عن المنظمة، في حين تعبر دول أخرى، مثل: مصر، والسعودية، وتركيا، عن عدم قبولها لانتقادات المنظمة الدولية للطريقة التي تعامل بها شعوبها.
«إن إنكار الأمم المتحدة الصريح وغير المشروط لأي شيء بخلاف المسؤولية الأخلاقية هو فضيحة». فيليب ألستون – مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان ويستهل الكاتب المقال بقوله: إن «الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يواجه انتقادات من مستشاريه السابقين لما يعتبرونه أسلوبًا متساهلًا في الدفاع عن حقوق الإنسان بموازاة ازدياد الانتهاكات السافرة التي ترتكبها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ولا مبالاة الولايات المتحدة ليس فحسب بالقضية، بل باتت تعتبر هي الأخرى من منتهكي حقوق الإنسان».من الصين إلى السعودية والولايات المتحدة، وفقًا للمدافعين السابقين عن حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فضل غوتيريش، وهو رئيس الوزراء البرتغالي السابق، مرارًا وتكرارًا الدبلوماسية الهادئة على الصراحة والإدانة العلنية في الرد على الانتهاكات الحقوقية الصارخة، خلال السنوات الثلاث الأولى من توليه منصبه. وتشمل هذه قضايا: الاحتجاز الجماعي للأقليات الدينية في الصين واغتيال الأنظمة لخصومها السياسيين والعسكريين.
هل هي حكمة أم ضعف؟
وقال زيد رعد الحسين، المسؤول السياسي السابق للأمم المتحدة في البوسنة والسفير الأردني الذي شغل منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان حتى أغسطس (آب) 2018، لمجلة فورين بوليسي: «أنا متأكد من أن الأمين العام أقنع نفسه بأنه يتصرف بحكمة» من خلال إمساك لسانه. وأضاف «أعتقد أن المؤرخين في المستقبل لن يفسروا ذلك على أنه حكمة، ولكنهم سوف يفسرونه على أنه ضعف».
وأعرب أندرو جيلمور، الذي استقال مؤخرًا من منصب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عن قلقه من أن أمانة الأمم المتحدة في عهد غوتيريش تتراجع فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وأشار إلى أن هذا التوجه إنما هو حلقة في سلسلة أوسع من الاستسلام والتراجع عن القيم الجوهرية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، محذرًا من أن ذلك يؤدي إلى التآكل المطرد للسلطة الأخلاقية للمنظمة.
ويشير الكاتب إلى رسالة استقالة أندرو جيلمور قائلًا: في رسالة وداع موجهة إلى فولكر ترك، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للتنسيق الإستراتيجي، عاب جيلمور على أمانة الأمم المتحدة إظهارها الاحترام المفرط لمصالح الدول الأعضاء القوية وتقديمها على المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وجلب «الخزي» للمنظمة من خلال رفض تحميل نفسها المسؤولية بعد أن جلب جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة الكوليرا إلى هايتي؛ ما أسفر عن وفاة ما يقارب 10 آلاف شخص.
بالإضافة إلى قبول المسؤولية عن إعادة توطين حوالي 600 من الأقليات العرقية، من بينهم الغجر، بالقرب من منجم صناعي في كوسوفو حيث تعرضوا للتسمم بالرصاص. حتى بعد أن أصبحت الأمم المتحدة «على علم بالمخاطر الصحية»، فشلت في نقل الطائفة لأكثر من عقد من الزمان، وفقًا لتقرير شديد الانتقاد صادر عن اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في كوسوفو.
وكتب جيلمور في رسالة عبر البريد الإلكتروني، اطلعت عليها فورين بوليسي: «(الانطباع) هو أن الدفاع عن قيم ميثاق الأمم المتحدة والمجاهرة بتقدم المبادئ على الذرائع، وعن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، هو أمر غريب بعض الشيء، حتى أنه علامة على التعصب والحمق السياسي».
ويوضح الكاتب في مقاله الظروف التي تولى فيها غوتيريش منصبه قائلًا: كان غوتيريش، وهو مفوض سامٍ سابق لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، ابتلي بتولي المنصب الأعلى في الأمم المتحدة في وقت كانت فيه أكثر الدول الأعضاء نفوذًا في المنظمة تبتعد عن حقوق الإنسان. وجاء وصوله إلى نيويورك قبل أسابيع من تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكان أن قلل الرئيس الجديد، الذي تحدث عن موافقته على التعذيب خلال حملته الانتخابية، وكذلك أكبر دبلوماسييه ريكس تيلرسون، من أهمية حقوق الإنسان في الدبلوماسية الدولية، وأصبحت الدول الأخرى القوية – مثل الصين وروسيا والسعودية وتركيا – أقل استعدادًا لقبول الانتقادات فيما يتعلق بسجلات حقوق الإنسان لديها.
الخوف من الانتقام من المنظمة بمنع تمويلها أو عرقلة أعمالها
ويرى الكاتب أن غوتيريش بذل جهودًا حثيثة لتجنب المواجهة، خوفًا من أن تؤدي المواجهة العلنية مع الولايات المتحدة أو الصين أو أي قوة كبرى أخرى إلى الانتقام من المنظمة من خلال تجويعها بخفض التمويل أو إعاقة جهودها للقيام بعملها. وهو يفعل ذلك، غالبًا ما استعان بالنصيحة الحذرة التي قدمتها له إدارته القانونية، والتي نصحته بعدم اتخاذ مواقف مثيرة للجدل، مثل قبول المسؤولية عن توطين اللاجئين في المخيمات الملوثة في كوسوفو، أو الاحتجاج بسلطته الكبيرة بموجب ميثاق الأمم المتحدة في متابعة التحقيقات حول اغتيال جمال خاشقجي كاتب العمود في صحيفة «واشنطن بوست».
لكن تحفظ غوتيريش أثار انتقادات حادة لما يراه الكثيرون في مجتمع حقوق الإنسان صمتًا على انتهاكات القانون الدولي ارتكبها أعضاء الأمم المتحدة الأقوياء، بما في ذلك مصر، والسعودية، وتركيا، والولايات المتحدة، والاحتجاز الجماعي لأكثر من مليون عضو من أقلية الإيجور في الصين.
وفي مقال افتتاحي لاذع نشرته صحيفة «واشنطن بوست» العام الماضي، جادل كينيث روث، المدير التنفيذي لـ«هيومن رايتس ووتش»، من أن فترة إدارة غوتيريش على رأس المنظمة الدولية «أصبحت تتسم بصمته تجاه (انتهاكات) حقوق الإنسان».
ويوضح الكاتب رأي أحد أكبر مسؤولي الأمم المتحدة بقوله: يعتقد زيد، المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أن هناك افتراضًا أساسيًا لدى الكثيرين في الأمم المتحدة، بمن فيهم غوتيريش، بأن المواجهة العلنية مع قادة العالم، المسؤولين عن الأعمال الوحشية، يقضي على الفرص الدبلوماسية لتخفيف سلوكهم، وفي النهاية يكلف المزيد من الأرواح.
وقال زيد: «إنها حجة متداعية. إذ أرسيت سابقة من خلال مهاجمة الزعماء بالاسم، وما توصلت إليه هو أن ذلك لم يهدم المنزل». وأضاف أن الرأي الشعبي والضغط العام «مصدر هائل للتأثير إذا قررت استخدامه. لكن عليك أن تصل إلى النقطة التي لا تخشى فيه استخدامه».
أدوار الأمين العام المتعددة
يضيف التقرير: إن النقاش الدائر حول فضائل تسمية منتهكي الحقوق المؤثرين وفضحهم يؤكد التحدي الأساسي الذي يواجهه كل أمين عام للأمم المتحدة لدعم مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، التي تشير إلى تعزيز حقوق الإنسان باعتباره أحد أهدافها الرئيسة، في حين يدير العلاقات بين قادة العالم ذوي النزوات الذين يسعون إلى استخدام المنظمة لتعزيز مصالحهم الشخصية أو الوطنية. وغوتيريش مثل أسلافه مدعو للعب أدوار متعددة – دور الدبلوماسي والسياسي والحكم والموظف المدني – في مؤسسة تتلقى أوامرها من 193 عضوًا مشاكسًا.
لم يتبن غوتيريش مطلقًا دور الأمين العام للأمم المتحدة كاملًا باعتباره «البابا العلماني» – وهي عبارة مرتبطة بقادة الأمم المتحدة السابقين مثل داج همرشيلد وكوفي عنان. لكنه كان على استعداد للمجاهرة بشأن بعض أزمات حقوق الإنسان، معترفًا علانية بأن ميانمار متورطة في التطهير العرقي ضد أقلية الروهينجا في البلاد، وحث مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على اتخاذ خطوات لحل الأزمة. وأمر بفرض حظر على استخدام قوات حفظ سلام سريلانكية في بعض بعثات الأمم المتحدة بعد أن عينت الحكومة مجرم حرب مشتبه فيه قائدًا للجيش في البلاد، على الرغم من أن الأمين العام ترك ثغرة تسمح للسريلانكيين بالمشاركة في عمليات حفظ السلام حال اعتبار دورهم حيويًا.
دافع غوتيريش عن سجله في مجال حقوق الإنسان خلال مؤتمر صحفي عقده يوم 4 فبراير (شباط) في مقر الأمم المتحدة، وأخبر المراسلين أنه يتعين عليه أن يوازن بين الدفاع عن حقوق الإنسان والحاجة إلى التواصل مع الحكومات لإنهاء النزاعات ومتابعة السلام.
وأضاف:«لسنا منظمة غير حكومية. نحن منظمة هدفنا هو معالجة مشاكل السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية والتأكد من أن لدينا، في هذا الصدد، القدرة الأكثر فعالية لخدمة الناس الذين نهتم بهم وإفادتهم، كل هذا في آن واحد».
وأكد أن ذلك يتطلب تقسيمًا معينًا للعمل بينه وبين المفوض السامي لحقوق الإنسان، الرئيسة الشيلية السابق ميشيل باشيليت. وأضاف أن «دوري يتمثل أساسًا في تحديد المبادئ وتحديد ما يجب القيام به. أما دورها فيميل أكثر إلى النظر في المواقف الملموسة».
ودافع غوتيريش أيضًا عن رد فعله على احتجاز الصين لمسلمي الإيجور. وقال للصحفيين في سبتمبر (أيلول) عام 2019 «لا أعتقد أن أي شخص كان أكثر إصرارًا ووضوحًا في الحديث مع السلطات الصينية فيما يتعلق بهذه القضية أكثر مني. ليس صحيحًا بالمرة أنني اقتصرت على الدبلوماسية الحصيفة».
إنكار المسؤولية فضيحة للمنظمة
لكن حتى النقاد مثل جيلمور لا يلقون باللوم على غوتيريش. ويشير جيلمور إلى أن جذور الإخفاق الأخلاقي للأمم المتحدة تسبق مجيء غوتيريش، إذ وصل الإخفاق إلى ذروته مع قرار الأمم المتحدة بالتنصل من المسؤولية عن تسبب قوات حفظ السلام التابعة لها في إدخال الكوليرا إلى هايتي في عام 2010.
كانت المستشارة القانونية للأمم المتحدة في ذلك الوقت، باتريشيا أوبراين الأيرلندية، في طليعة الجهود المبذولة لإعفاء الأمم المتحدة من أي مسؤولية قانونية عن وباء الكوليرا في هايتي، والذي كان يعود إلى مفرزة حفظ السلام النيبالية.
ويشير الكاتب إلى أن الموقف لم يتغير بتغير المسؤول القانوني للأمم المتحد؛ إذ حافظ خليفتها البرتغالي، ميجيل دي سيربا سواريس، على الموقف القانوني المتشدد للأمم المتحدة؛ ما أدى إلى انتقاد شديد من المقرر الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، فيليب ألستون، الذي قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2016: «إن إنكار الأمم المتحدة الصريح وغير المشروط لأي شيء بخلاف المسؤولية الأخلاقية هو فضيحة».
وأضاف أن المكتب القانوني للأمم المتحدة قدم «ادعاءً قانونيًا مصطنعًا بشكل واضح لا أساس له من الصحة لإصراره على أن (الأمم المتحدة) يجب ألا تتحمل المسؤولية القانونية عما قامت به».
وردًا على وثيقة الحقائق التي توصل إليها ألستون، في تقرير في وقت سابق من ذلك العام، قام نائب الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت، يان إلياسون، بالضغط على سلف غوتيريش، بان كي مون لقبول جزء من اللوم في وباء الكوليرا. لكنه واجه مقاومة شديدة من المحامين، الذين عارضوا بشدة أي اعتراف بالمسؤولية، وفقًا لعدة مصادر تابعة للأمم المتحدة.
وتفاقم «العار» الذي وصم دور الأمم المتحدة في وباء الكوليرا في هاييتي بسبب الجهود المبذولة «للطعن في نزاهة» مسؤولي الأمم المتحدة الذين دفعوا «من أجل شكل من أشكال اعتذار الأمم المتحدة وتحمل المسؤولية الأخلاقية على الأقل» عما حدث في هايتي.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، أصدر «بان كي مون» في نهاية المطاف اعتذارًا رسميًا لأبناء هايتي بسبب لعب المنظمة دورًا في تفشي وباء الكوليرا، وأقر بأن الأمم المتحدة تتحمل «مسؤولية أخلاقية» لمساعدة الهاييتيين على التعافي من الكارثة؛ بالرغم من أنه لم يقبل أبدًا تحمل المسؤولية القانونية؛ ما وفر على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الالتزام بدفع التعويض.

المشـاهدات 397   تاريخ الإضافـة 11/02/2020   رقم المحتوى 23974
أضف تقييـم