الإثنين 2020/4/6 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
مسرحية من فصل واحد (حفار القبور) .. الشيخ: (يحدّث قبر ولده بصوتٍ مسموع) ولدي العزيز ها هو اليوم وقد أكملت سنتك الأولى وقد حللت ضيفاً على بيتك الجديد أو قبرك المظلم
مسرحية من فصل واحد (حفار القبور) .. الشيخ: (يحدّث قبر ولده بصوتٍ مسموع) ولدي العزيز ها هو اليوم وقد أكملت سنتك الأولى وقد حللت ضيفاً على بيتك الجديد أو قبرك المظلم
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

البينة الجديدة / عادل كاطع
تدور الأحداث في المقبرة.. وقد وقف الشيخ قبالة شاهدة القبر لولده الذي استشهد في معارك الدفاع عن الوطن.. وقد قدم مصادفة حفار القبور في ذلك المساء الكئيب كي يهيئ قبراً لميتٍ بالقرب من هذا القبر وهو يسمع حديث الشيخ لولده وكأنه يسمع نجواه..شخوص  المسرحية:
1- الشيخ
2- حفار القبور
3- سائق التكسي
الخطاب المسرحي: 
الشيخ: (يحدث قبر ولده بصوتٍ مسموع) ولدي العزيز ها هو اليوم وقد أكملت سنتك الأولى وقد حللت ضيفاً على بيتك الجديد أو قبرك المظلم،  سمه ما شئت (يصمت قليلا) أراك قد طاب لك البقاء هنا (صمت ثقيل) وأنا أربض هنا بجانبك كل هذه الشهور كالذئب الجريح.. وكأنني أسمع أنفاسك وأرى طيفك قد علا هذه الحجارة الصماء التي رُصفَت على قبرك بقسوة، (يصمت) ولدي العزيز هل تسمع ندائي؟! هل ايقظتك دموعي وهي تنهمر على قبرك منذ شهور خلت؟!
(يشيح بوجهه إلى المقبرة وهو يتأمل فضاءها المظلم الممتد أمامه) منذ أسبوعين لم تزرني في المنام؟ لماذا هذه الجفوة أيها الحبيب؟! هل هذا جزاء الوالدين؟! ألم يقل ربك في محكم كتابه المبين (وبالوالدين إحساناً) فهل هذا هو الإحسان؟
(يصمت ويمشي خطوات عن القبر) ولدي الحبيب أتذكر حينما عزمت أن تذهب إلى مطحنة الموت وقد التحقت بفتوى الجهاد الكفائي وأنت تردد على مسامعي (والدي الحبيب إن الوطن يناديني أن أهب لنجدته بعد أن استباحه الظالمون) هل تذكر ذلك حين التمستك توسلا ألا تذهب فأنت الوحيد الذي خرجت به من هذه الدنيا. (صمت ثقيل ويشرد بفكره بعيداً) وأظنني أراك قد نسيت كل هذا وقد توسد الترابَ جسدُك الطري، ولا أدري هل يجرؤ الدود بعدها أن يفتك بجسمك الناعم الرقيق.. (صمت) ألم يقل المولى سبحانه وتعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
وقع أقدام قريبة لحفار القبور وقد تقدّم من الشيخ بعد أن سمع مناجاته مع ولده الشهيد مسلماً عليه.
حفار القبور: (وقد وقف أمام الشيخ) السلام عليكم.
الشيخ: وعليكم السلام
حفار القبور: (متأثراً) أيها الشيخ الوقور من كنت تحدث بالله عليك في هذا المساء الفض الكئيب هنا بين القبور في مقبرة وادي السلام.
الشيخ: (من دون اكتراث) كنت أحدّث ولدي الشهيد أمير.
حفار القبور: (بدهشة) شيخنا الفاضل إنّ ولدك الشهيد رقد رقدته الأبدية بسلام.. دعه يهنأ في منامه ولا تقلّب الأوجاع.. لقد اختار الله موتته شهيداً في سبيله، فلماذا تؤنبه على فراقك؟
الشيخ: (وقد أطرق برأسه) آه ثم آه فليس لي طاقة على فراقه.. فقد رحل مبكراً ولم أتزود من رؤيته، فقد تلقفه (ملك الموت)  مني بأسرع من طرفة عين.
حفار القبور: (ينظر في وجهه مستعطفاً إياه) يا عم إنّ الأعمار بيد الله وكلنا سنموت يوم ما!
الشيخ: (في حالة تأمل يغرق نظره في السماء والليل) هل تعرف مراتب العشق  أيها الرجل الطيب؟ (صمت) إن العاشق عندما يحب يختزل الزمان والمكان.. وتكون هذه الحفرة الصغيرة التي تلقفت من تحب روضة من رياض الجنة وأنا أراها هكذا كل يوم...كل يومٍ أوسد رأسي وأضع أذني عليها وأستمع لما يجري بداخلها  وقد اطلعت على ما يجري لولدي هناك.
حفار القبور: (متعاطفاً) وماذا رأيت وسمعت؟
الشيخ: (جسده يرتعش ويضطرب وهو يتذكر ما يراه) كنت أرى ولدي فرحاً وقد أطمأن في مكانه الجديد.. وقد كان كثيراً ما يعودني في منامي أو في طيف عابر في خيالي.. طيفٍ يحدثني ويخبرني بأنه بخير.. وكأنه يترجاني أن أكفكف دموعي على فقده المرير (صمت).
حفار القبور: (متأثراً) ألم يكن هذا النداء كافياً كي تعود إلى أحبائك وقد هجرتهم هنا.
الشيخ: (وقد أشاح بوجهه إلى القبر) لا يطيب لي مقام في هذه الدنيا إلا هنا يا ولدي وقد عزمت أن أحفر قبري بجانبه كي احتضن رفاته بعد مماتي.
حفار القبور: (يحدثه بثقة) شيخنا الفاضل أراك وأنت بهذه الهيأة المهيبة وجلال القدر من المؤمنين بقضاء الله وقدره فكيف يكون ذلك وأنت تقبر نفسك في الدنيا قبل الآخرة؟!
الشيخ: (يجيب من غير وعي منه) وهل القرب بمن نحب هو موت مبكر لنا؟!
حفار القبور: (يفكر لحظة) نعم.. هو كذلك إذا كان بهذه الطريقة. 
الشيخ: (وقد بدا يمسح دموعه بكميه) كثيراً ما يأتيني ويقول لي يا والدي لا تتركني وحيداً فقد ألفت وجودك.. كيف يا والدي تتركني في هذا القبر المظلم وحيداً وقد رافقتني الديدان والعقارب والافاعي.. والدي الحبيب أرجوك لا تدعني وحيداً فإنّ وحشة القبر وصمته وظلمته لا تطاق يا والدي.
حفار القبور: (وقد ندت من عينيه دمعة جامدة لا تسقط منه إلا في دهور طويلة) يا عم لقد قطّعت نياط القلب بكلامك المفجوع بفراق ولدك الوحيد.
صوت سيارة تتوقف من بعيد وقد ترجل منها (سائق التكسي) أسمر البشرة وقد كان يهاتف حفار القبور قبل مجيئه كي يهيئ قبراً وقد قدم وبصحبته جنازة قد وضعت فوق سقف السيارة.
سائق التكسي: السلام عليكم.
حفار القبور: وعليكم السلام.
الشيخ: وعليكم السلام.
سائق التكسي: (موجهاً كلامه إلى حفار القبور) أراك لم تبدأ الحفر بعد وقد هاتفتك منذ ساعة! ما الذي جرى وقد تسمرت هنا؟
حفار القبور: (موجهاً كلامه لسائق التكسي) نعم صحيح لقد هاتفتني.. ولكن الليل قد أرخى سدوله وهذه مشقة وصعوبة لنا ولم يتسنَ لي أن أصحب أحدهم برفقتي فهم لا يعملون في المساء.. لأنهم يعملون على مدار النهار.. ينبشون ويحفرون القبور وقد أعياهم التعب.

المشـاهدات 290   تاريخ الإضافـة 17/02/2020   رقم المحتوى 24207
أضف تقييـم