الثلاثاء 2021/9/21 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
ناغورني قره باغ ... والصراع الارميني الاذري .. منطقة القوقاز هي من اعقد المناطق من حيث التركيبة العرقية والتنوع الديني فهناك الاذر بهوياتهم والشركس والكرد فضلا عن الارمن والايزيدية والاثوريين
ناغورني قره باغ ... والصراع الارميني الاذري .. منطقة القوقاز هي من اعقد المناطق من حيث التركيبة العرقية والتنوع الديني فهناك الاذر بهوياتهم والشركس والكرد فضلا عن الارمن والايزيدية والاثوريين
ملف من الماضي
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

    توقّع أكاديميون من بينهم صامويل هنتنغتون وروبرت،  د. كابلان تكاثر الصراعات التي تغذيها المصادمات الحضارية والاثنية، بسبب ندرة الموارد والإكتظاظ السكاني، ويبدو أن نهاية الحرب الباردة أثارت النزاع العرقي الذي تصاعد بشكل خطير بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، واصبحت القضايا المتعلقة بالنزاع العرقي من اكثر القضايا إثارةً للجدل ومن بين هذه الجدليات الصراع في (ناغورني قره باغ)، فهل صحيح ان الصراع في القوقاز صراع ديني كما يروج له ام هو صراع اثني؟  

* د. جواد كاظم البيضاني
الحلقة الاولى

 


   لا شك ان منطقة القوقاز هي من اعقد المناطق من حيث التركيبة العرقية، والتنوع الديني، فهناك الاذر بهوياتهم، والجركس ، والاكراد بعقائدهم، فضلاً عن الارمن والايزيدية والاثوريين والكرج وغيرها من القوميات الاخرى، وهذه القوميات تعيش حالة من الترقب والحذر، ولعل العامل الخارجي في تحريك الصرعات هو الاكثر تهديدا لامنها الداخلي.فما أفرزه الاتحاد السوفيتي السابق من تقاسم جغرافي وسياسي بين هذه الدول ورسم الحدود بشكل يمنع ويقلص من قدرات كل دولة على تحقيق سيطرتها السياسية، هذا الفرز من التعقيد السياسي ساهم بشكل كبير في خلق حالة من عدم الاستقرار، ومع تفاقم الازمات لم يفلح الكومنولث الذي تشكل عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في حل الازمات المعقدة، خاصة وان القوميات في هذه المنطقة ذات الاهمية الاستراتيجية لم تجد حلاً لكثير من قضاياها المعقدة، ومن بين اخطر هذه القضايا النزاع في (ناغورني قره باغ) او ما تسمى(ارستاخ).   تمثل منطقة كرباغ قلب المجال الجيوستراتيجي لارمينية، فهي المحيط الجغرافي والسياسي والتاريخي، وقد اعلنت هذه الجمهورية فك ارتباطها عن اذربيجان في 2/ ايلول 1991م، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.    يرى الاذر ان هذه المنطقة هي جزء من اذربيجان ويعتمدون في ذلك على اتفاقية ضمها قبل عام 1920م،  ويخالفهم الارمن في ذلك معتمدين على الحجج التاريخية ، والوثائق الرسمية فضلا عن بنية قره باغ الاجتماعية. فهذه المنطقة ورغم خضوعها الى اذربيجان قبل عام 1920م غير ان الارمن يشكلون  الاغلبية. ويقدر عدد سكان ناغورني قره باغ بـ145 ألف نسمة، 95% منهم أرمن والـ5% الباقية من أعراق أخرى.    واذا كان معظم سكان هذا الاقليم من الأرمن، فهل يحق لاذربيجان المطالبة به ؟ وما هو البعد التاريخي الذي ارتكز عليه الاذر في المطالبة و بقره باغ ؟  وهل يحق للأرمن الاستحواذ عليها اذا كانت ارض اذرية بموجب الاتفاقات الدولية؟ 
تختلف وجهات نظر المؤرخين والمهتمين بالصراع بين أرمينيا وأذربيجان  في تحديد طبيعته الصراع . فبعضهم يرى انه صراع وجود بين الأرمن وبين الاذر، واخرون يعتقدون انه صراع عرقي، ويرى فريق اخر من الباحثين ان هذا الصراع هو  تنافس جيوبوليتيكي لا يشمل الأرمينيين والأذربيجانيين وحدهم بل يتعداهم إلى الأتراك والروس والولايات المتحدة وإيران والاتحاد الأوربي. ويذهب بعض المؤرخين في رسم صورة جديدة عن الصراع فهو استمرار لعداء تاريخي محمل بإرث كبير من الكراهية الدفينة بين الأرمن وكل من الأذر والأتراك.   لا يخفى ان هناك صراعاً قديماً كان قائم بين  الأرمن والآذر في منطقة القوقاز، غير ان هذا الصراع لم يأخذ بعده الديني او العرقي كما يصوره البعض، بل هو صراع وجود بين الارمن الذين يناضلون من اجل بقائهم وبين الاتراك الذين يسعون لمحو هوية ووطن،  وبوادر تفجر الصراع في إقليم ناغورني قره باغ تحديدا تعود إلى العشرينيات من القرن الماضي. ولفهم أبعاد الصراع يجدر  بنا تحديد هوية هذا الاقليم.   لا شك ان الاقليم ذو هوية أرمينية، ويمكن أن يستشف ذلك من خلال قراءة البنية الاجتماعية للسكان ، فجلهم من الأرمن، بل ان المصادر الاذرية تؤكد ان نسبة الارمن تفوق نسبة الاذر ، وتذهب تقارير الامم المتحدة الى التاكيد ان الارمن يشكلون (90%) من السكان. واذا كانت نسبة الارمن بهذا العدد الكبير فهل يحق لأرمينية ان تحتله بقوة عسكرية وتفرض الامر الواقع.   لا شك ان مطالب الاستقلال حق مشروع لكل الشعوب، وشعب قره باغ من الشعوب ذات النزعة الاستقلالية، فبعد الثورة البلشفية عقد سكان هذا الاقليم الجبلي مؤتمرهم الأول في 22 – 26 تموز سنة 1918م، واعلنوا كارباغ الجبلية وحدة ادارية مستقلة ، وانتخب المجلس الوطني والحكومة، ويبدو ان هذا التصرف من (القره باغيين) لم ينل رضا الاتراك وحلفائهم الاذر، فقد تعرض الارمن في هذا الاقليم الى حملات تطهير عرقي منظمة، وبدأت هذه الحملات منذ اذار عام 1920، تتحدث المصادر ان عدد الذين تم قتلهم تجاوز 20 الف ، وان هناك 20 الف أرميني تم تهجيرهم.  خلال ذلك كانت هذه المقاطعة تتفاوض مع الاذر، في نفس الوقت تحاول النفاذ لنيل استقلالها، تحدث المستشرق الارميني ارشاك بولاديان في كتابه (قضية ناغورن قره باغ الجرح النازف)  عن رفض الدورة الرابعة للمجلس الوطني في ناغورني قره باغ التي عقدة في 24/ شباط / 1919م الخضوع لسلطة اذربيجان، ورفعت مذكرة بهذا الشأن الى قيادة قوى الدول المنتصرة في الحرب في منطقة ما وراء القوقاس، يطلب فيها احترام إرادة الشعب في ناغورني قره باغ بإعادتها جزءاً من ارمينيا خلال مؤتمر السلام الذي سيجزم وضع هذه المقاطعة بصورة نهائية. ويذكر بولاديان ان اتفاقا للسلام تم توقيعه بين ناغورني قره باغ وبين اذربيجان في 26 آب 19919م على ان تدرج قضية قرباغ للمناقشة في مؤتمر السلام في باريس بشرط ان لا تغير الاتفاقية وضع قره باغ كوحدة سياسية.في المقابل يرى كامالا عمرانلى في كتابه (قيام الدولة الأرمينية في القوقاز) ان الارمن ارتكبوا مجازر بحق الاذر في مدن  ناغورني قره باغ شملت القرى  والقصبات ويتحدث كامالا عن دور القائد الارميني (اندرانيك) في هذه العمليات، ويبدو ان التصعيد لم ينته بين اذربيجان وهذا الاقليم، وعليه يمكن القول ان هناك مشكلة بين اذربيجان وبين اقليم ناغورني قره باغ الجبلي، وان حدة التوتر في العلاقة سبقة العشرينات من القرن الماضي كما يراها البعض. فالمشكلة عالقة وجذورها تزداد عمقاً، والخلافات جوهرية بينهما، اما موقف ارمينيا فهو داعم لاقليم  ناغورني قره باغ في نزاعه مع اذربيجان على اساس قومي، كما ان تركيا داعمة للاذبيجان على اسس قومية. فاصراع وفقاً لذلك هو صراع (اذري قرباغي) . بدأ حدته منذ ان افرز استالين عام 1923م هذا الاقليم وضمه إداريا داخل حدود أذربيجان، وبحدود تُرسم لتجعل كل ما يحيط بها أذربيجانيا،  رغم ان اغلب السكان كانوا يفضلون الانضواء تحت المضلة الأرمينية. ولتخفيف غضب السكان المحليين منحت السلطات السوفيتية هذا الاقليم صلاحية الحكم الذاتي داخل جمهورية أذربيجان، ويذهب البعض الى الاعتقاد بان سياسة رئيس الاتحاد السوفيتي السابق جوزيف ستالين كانت تقوم على بث الفرقة بين الجماعات العرقية داخل جمهوريات الاتحاد المترامية الأطراف، لتظل تلك الأعراق بحاجة دائمة إلى حماية الحكومة المركزية في موسكو، ويبدو ان ستالين اعتمد هذا المنهج في خلق الازمات منذ عقد العشرينات من القرن الماضي لخلق حالة من الاضطراب السياسي التي تدفع بدول الاتحاد السوفيتي بالتمسك ببقائها ضمن المجموعة السوفيتية والخشية من الانسلاخ من الاتحاد. ولعل رد الفعل ظل دفين في قلوب الارمن بفعل الخوف من رد الفعل السوفيتي إذا اندلعت قلاقل، فبقيت الأمور على السطح هادئة لكن نيران الغضب كانت تمور في الأعماق. 
* مدير المعهد العراقي 
للدراسات الكردية
 

المشـاهدات 4397   تاريخ الإضافـة 05/03/2020   رقم المحتوى 24801
أضف تقييـم