الخميس 2020/10/1 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
تأويلات العنونة في رواية (موناليزا بغداد) للدكتور فوزي الهنداوي * .. في الجانب الشكلي لم يشِر الكاتب فوزي الهنداوي إلى ملامح الشخصية أو يرسم مظهرها
تأويلات العنونة في رواية (موناليزا بغداد) للدكتور فوزي الهنداوي * .. في الجانب الشكلي لم يشِر الكاتب فوزي الهنداوي إلى ملامح الشخصية أو يرسم مظهرها
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / مهدي علي ازبيِّن

إن ثريا النص في رواية (موناليزا بغداد) هي أول عتبة يلتمس المتلقي دلالاتها، ويطلع من خلالها على مضامين النص، متأملاً التفاعل بين مفردتي (موناليزا) وبغداد، متلمسًا إيحاءً واضحًا لوجود أنثى تنطبق عليها سيماء الموناليزا المعروفة، لكنها منسوبة إلى بغداد، يعني وجود صورة حديثة عن حالة أسبق ألا وهي موناليزا دافنشي التي اطلعت عليها الأجيال وتعرفتها الشعوب بمستويات تلقٍّ مختلفة، ووقف عليها النقاد التشكيليون وعلماء النفس؛ ليحللوا، ويشرحوا اللوحة لاستخلاص الدلالات الناطقة في ملامح الشخصية المتصدرة، فوجدوا فيها غموضًا يخفي وراءه سرًّا في تعلق الناس بها وزخم الاندهاش الذي تسببه لمن تشغل اللوحة عينيه.
   توصل العلماء في محاولة لتفكيك هذا السر ومسببات الدهشة، وبعد متابعة خطوط التعبير المرتسمة على الوجه إلى وجود تداخل بين الحزن والفرح، فمن يتلقى رسائل الفرح تؤول لديه بعد التدقيق إلى رسائل حزن، وإن رصد ابتسامة سرور سيقرأ معها تكوينات لانفعالات حزينة.
    في متن الرواية وردت أول التراكيب اللغوية التي تضمنت العنونة: (موناليزا بغداد) في تمثلات الوعي لشخصية جبوري قبل أن يشرع في تنفيذ اللوحة
((.. سوف أرسمها، ستحاكي لوحة الموناليزا، أسميها موناليزا بغداد، اسم يليق بأميرتي..)) الرواية ص22 
    وفي الحوار بين جبوري والأميرة حين يصفها أنها تحفة فنية كيفما يرسمها تظهر جميلة، تشكره الأميرة وتتفاجأ بالعنوان/
((ما هذا «موناليزا بغداد؟»)) الرواية ص29.
   هذا تأكيد على قصديته الشكلية عن جمالية اللوحة وما تكتنزه من سحر، وفي داخل وعيه الباطن سطوة الشفرات المبثوثة في الكتل اللونية التي شكلت صورة الموناليزا.    كما ظهرت اللوحة في نهاية النص حين يعمل منها جبوري شاهدة على قبر الأميرة ((ها هي موناليزا بغداد أضعها على قبرك لتؤنس وحشتك، تذكرك بأيام الحب في أرض الوطن العزيز، وطننا الذي لم نشبع منه)) الرواية ص103.. حين نجد صورة حية للموناليزا في بغداد فإنها ستكون بملامح متداخلة أو تتشكل تركيبتها من تمازج الحزن والفرح، وقد تمثلت بالأميرة التي عاشت بين هذين المؤثرين، فهي من ناحية موقعها الاجتماعي يمكن إحالتها إلى خانة الرضا، ومن يتصف بلقبها سيكون مسرورًا لتوافر مؤثثات السعادة في متناول اليد ولا سيما المادية منها، فضلاً عن الوجاهة الاجتماعية وتصدرها المشهد في كل المجالس، وتكون مقدمة على الأخريات، وهي حالة لا تحظى بها أي فتاة، لكن الأميرة في واقع الأمر كئيبة، تكللها الهموم، ويقبع في داخلها حزن كثيف، وبذلك تكون صورتها كوجود اجتماعي متأثرة في بيئة مثل العائلة المالكة، فنجدها تعاني من الضدين: الهالة الاجتماعية البراقة والتعب المتأتي من أسلوب حياة أسرتها وتفاصيلها الحزينة.   في الجانب الشكلي لم يشِر الكاتب فوزي الهنداوي إلى ملامح الشخصية أو يرسم مظهرها وهذا من متطلبات السرد الحديث المتعلقة بالتركيز على الجانب السلوكي وتقديم الشخصية بتكويناتها النفسية وانفعالاتها العاطفية.    كانت موناليزا لتناقض حياتها وتقلباتها؛ فهي فرحة بزوجها وأسرتها الصغيرة، وخلاصها من روتين البيئة الملكية وضغوطاتها، وفي المقابل غرقها بالحزن كمدًا على مصير العائلة المالكة التي قضت في مجزرة قصر الرحاب، وهذا الألم النفسي وما رافقه من كآبة سوداء أدت إلى وفاتها بعد أشهر من الحادثة، فكانت حياتها معزوفة على وتر الثنائية الضدية الحزن/ الفرح.
   مثلت العنونة في رواية (موناليزا بغداد) الدور التواصلي الهام الذي تلعبه في توجيه القراءة، ورسمت خطوطها، وأدى العنوان الرئيس وظيفته بكل مقارباتها من الإفضاء إلى الدلالة والإيحاء والإغراء وتعيين الثيمة ونوع الخطاب.   أما العنوان الساند أو الثانوي {حكاية حب خلف أسوار القصر الملكي} أسفل العنونة الرئيسة؛ فقد نجح في ضخ دفق من ترغيب للمتلقي وإغرائه في الولوج إلى ما يخفي هذا الإعلان البصري المعبر عنه بمنطوق لغوي؛ لكنه أثر على عملية التسارد في مسار إرسال الراوي لرسالته وتلقيها من قبل القارئ بعد سياحته في الكتلة اللغوية التي ضمت الفضاء الروائي، لم يدع عملية الاكتشاف تسري بتفاعل متبادل؛ إذ كشف العنوان المساعد عن بؤرة الثيمة والحيز الروائي؛ وإن كان برسالة عائمة، فكانت تعريفًا أو مدخلاً أثر على الغموض الجاذب الذي يغري المتلقي بالبحث متشوقًا إلى سبر أغوار الخطاب؛ لاستنطاق النص والتوصل إلى قصدياته من دون بطاقة تعريف أو عوامل مساعدة.   لو تركت العنونة على العنوان الحقيقي من دون الفرعي؛ لانزاح إيحاء (موناليزا بغداد) وتأويل دلالاته من اللوحة/ الأميرة إلى اللوحة/ الأميرة- بغداد، أو اللوحة/ بغداد، وتحوّل التلقي على وفق المنطوق اللغوي من موناليزا (مضافة إلى بغداد)، وأصبح نحو: بغداد= مبتدأ، موناليزا= خبرها مقدم، أي: بغداد موناليزا فيؤول المعنى إلى مديات أبعد تعني حال بغداد ودلالات خبرها الذي يصف الحال، فيبدأ تأويل هذا التركيب اللغوي الظاهر وتحوّل المعنى. قبل كل شيء جعلنا من بغداد أنثى وربطناها بشخصية لوحة مشهورة تأصلت شفراتها في التفكير الجمعي، فهي ساحرة بجمالها لكنها تنطوي على حزن دفين، ينطبق هذا المعنى على بغداد الماضي والراهن، لأنها انضوت على ثنائية الضدية، وتراوحت ملامحها بين هذين المؤشرين الفرح/ الحزن، فهي أحيانا تكون مكانًا صديقًا لساكنيها، وأحيانا تكون مكانًا معاديًا لهم، أحيانًا تنعم بالسلام وأخرى تمور في داخلها القلاقل، تسمى مدينة السلام لكنها لم تنعم به إلا فترات قليلة. في شكلها الخارجي تناقض، هناك مناطق تزهو بالنظافة والخضرة ومناطق ترفل بالإهمال والخراب، تاريخها في العهد الملكي يبدو مستقرًا لكنه سجل الكثير من الصراعات والإشكالات، وكذلك ما شهدته يوميات العائلة المالكة من تناقضات عصفت بكيان العائلة ولا سيما التصرف الذي أقدمت عليه الأميرة عزت، وما انعكس على رصانة العائلة المالكة وقيمتها الاعتبارية.
* رواية (موناليزا بغداد) للدكتور فوزي الهنداوي، إصدار كاست كروب، بغداد، 2019م.
 

المشـاهدات 118   تاريخ الإضافـة 08/09/2020   رقم المحتوى 25504
أضف تقييـم