الأحد 2021/6/20 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
صور شعرية متفاعلة داخل سياق رؤيوي متجانس شديد الفاعلية اللغة هي موطن الهزّة الشعرية التي تباغت وتنعش وتجسد الفاعلية الشعرية
صور شعرية متفاعلة داخل سياق رؤيوي متجانس شديد الفاعلية اللغة هي موطن الهزّة الشعرية التي تباغت وتنعش وتجسد الفاعلية الشعرية
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / احمد البياتي

الشاعرعلي حنون العقابي في مجموعته الشعرية (أعوذُ بعشقكَ من المكائد) الصادرة عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ، تمكن من ان يوجد وحدة متماسكة في المعنى المكتوب بلغة رصينة وميال الى نوع من التنغيم ، حيث أنه أيقن تماماً ان الشعر يقوم وينهض على الإستعارات والمجازات والصور الشعرية من اجل تأسيس معانٍ عميقة ، والحكمة والمعنى لا يصبحان شعراً الا عندما يعرف الشاعر كيف يصوغهما بكلام خاص ويخلق الدهشة من خلال توهج الإستعارات الحيّة . صوره الشعرية قامت على التشخيص والتجسيد في تصوير احساسه وهي صور استمدها من الواقع لتكون مدلولات تفصح عن رؤيته الشعرية والنفسية ، ففي قصائده تظهر المعاني الإنسانية وكأنه يناجي البشرية ويحس بمعاناتها وهو يحمل دلالات الصدق .تشكل اللغة في الكتابة الشعرية ركناً أساسياً ومهماً إذ لاتنهض بدونها القصيدة ، اللغة هي موطن الهزّة الشعرية التي تباغت وتنعش وتجسد الفاعلية الشعرية ، لاشك ان لغة القصيدة تمثل شعرها الجمالي الأول وتختزل كيانها المادي كونها مركز الفتنة والحيوية في القصيدة ، وان معظم مافيها من جمال ومعنى وفاعلية يجعلنا نشعر ونتحسس دلالتها الساطعة من حيث البناء في هذا الهيكل الممتلىء بالحرارة والشاعرية .
في قصيدة ( على خطى الدرويش ) ص 76 يقول :
أوقفني في اللغة
وقال لي ما من طريق لهذا العشق
غير رجيف الكواكب في صدري
فتعال نبتكر القطاف من الابجدية
نسبّح بحمد القصيدة
حتى تظل الروح فارهة مثل البلاد
بعدها نختصر اللهب العظيم
ان شعرية علي العقابي نتوقف عندها لبعض الوقت ونتملاها جيدا في كل ابعادها اذ ان القيمة العالية لشعريته لاتظهر الا بالتناسق الخالص بين النص والقارىء وعلى الاستجابة الفورية العفوية لمزاجية النص .ففي قصائده لايمكن للمعنى ان يبقى الى امد غير محدود بوصفه اثرا جماليا ، فالأثر الذي يتخلف في ذهن القارىء ويتطور الى وعي مما يدل على ان القصيدة تنتج شيئا بالقدرة بالتوسع في المعنى .
في قصيدة ( تنويعات على وتر المغني) ص 97 يقول :
كلما قلت خذني للبلاد التي ضيعتنا
ضاقت بك الحروف حدّ انكسار الحلم
تلك ازهارك التي ذبلت في خجل
هي نفسها التي لا مست أيامك الأولى بسخاء المطر
ها هي ترنو اليك عسى ان تخضرَّ من جديد
لا تتركها تئنُ تحت الجفاف
لا تجعلها تنوح مثل القبرات في حزنها النادر
تسلق بصورتك أسوار المدى المفتوح
ورتّلْ علينا اخر ما تعلمت من المواويل
نصوصه الشعرية تستمد مشروعيتها من خلال جزالة الفاظه وقوة جملته الشعرية التي تعتمد على جزالة اللغة وفيض الشعرية العربية ، ولذلك فهو يفصح عن معايشته الصادقة للتجربة الانسانية التي تمثل خصوصية تجربته ، حيث شكلت نصوصه الشعرية الواحا ادراكية بعنايته الفائقة ببنية النص الشعري . حيث ان القيمة الجمالية تتجسد عندما تتحول اللغة الى رموز وكائنات متداولة تحمل للقارىء رؤية الشاعر للوجود وما توحي به من قرائن ومحتويات .
في قصيدة ( عن الرأس المثقل بالنيات) ص 80 يقول :
أريد أن استبدل رأسي قبل الدخول في الفراغ
أريد رأس آخر خال من الأحلام
لا يحتد في الغضب ولا يوقد في نفسي الأسئلة
لا يأخذني للدروب غفلةً نحو الهاوية
أريده يحظى بقسطٍ من الانصاف
يليق بالأعراس بعيداً عن الحرائق
فذلك أفضل عندي من الطرق المقفلة
اهم ما في شعرية الشاعر علي العقابي هو الأسلوب المكثف على مستوى مساحة اللغة التي استخدمها وجعلها منفتحة على تعدد التأويلات ما بين تكثيف وانفتاح الذي وفر المناخ الملائم لهضم فهم جديد وعزز في ذات الوقت ميدان الشعر وجعله منبعا للابداع والاقناع .لذلك نجد ان الصورة الخيالية تتجسد في القصائد المتشعبة حيث يمكن قراءتها باوجه عدّة اذ نلمس عمق المعنى والمغزى من خلال الربط والاحساس ، وهذا ماحقق الاقناع ومن بعدها يتولّد الامتاع .ولذلك لابد للشاعر ان يمتلك رؤيا خاصة به ، تختزل موقفه الفكري والجمالي من الحياة والشعر والعالم ، رؤيا تجدده من الداخل وتجعل من عمله الشعري أو مجموع كتاباته الشعرية وحدات متفاعلة داخل سياق رؤيوي متجانس شديد الفاعلية .
في قصيدة ( وطن يهطلُ علينا بالمواعيد) ص 13 يقول :
عندما تفتحت أعمارنا تحت ظلالك أول مرة
كنا قاب حلم تدلى من ارواحنا كالجرس
فصعدنا بأوجاعنا الى اعلى المنارات
نحن الذين لا نملك وسط هذا الضجيج غير الأغاني
كنا نتهيأ دائما للدخول لبوابة الصحو
لا ينقصنا غير التقرب من الأسوار العالية
فكم تمنيناك ان تبرأ من الحمى وتقتحم الرهان
 في مجموعة الشاعر العقابي هذه نظرت الى بداية النصوص ونهاياتها فوجدت انها ترفع من وتيرة توتر التجربة وتثري المعنى وتطلقه في فضاءآت عدة تيسر قراءآت كثيرة تخصب دلالاته ، واذا كان النص الشعري يبحث عن معنى للحقيقة ،فان المعنى الملتقط يكون تحت أوجه عدة ، لذلك فان عودة النهاية في النص الى احضان البداية والتواشج معها يعني تشابك اللحظة النفسية واللحظة الشعورية مع لحظات التأمل في جوانب أخرى .
في قصيدة ( بقايا لوح سومري ) ص 32 يقول :
لبيك أيّها الموت حين تأتي
أيّها الصعبُ المزيّن بالاسرار
يا من كتبتَ بمسماركَ لغةَّ الأقدار على لوح قديم
خذني قبل أن يضيع دمي بين القبائل
دعني اغادر هذا الضجيج
فقد رتّبت نعشي قبل الأوان
لاتسأل ما كان مني وكيف أخذتني الليالي غفلة
تركت في دفاتري ما تبقى من التراتيل
لم يبق لي غير الشفاعة بتلك الهمم
لذلك سوف أصوغ الحروف
بكلّ ما يجعلني خاشعاً أمام تلك الرغبة
اذاً فهم الشعر على انه فعالية لانتاج الصور الشعرية ، فذلك يعني ان المعنى النبيل الذي تنطوي عليه كل الشعرية يصبح حدثا زائلا والمسلمات التي يطرحها الشعر تضحى مسلمات غير مقنعة لانها ابنة لحظتها الزمنية التي سرعان ماتختفي حالما يتقدم الزمن الى نقطة اعلى .ومما لاشك فيه ان المعنى الذي يريده الشاعر في قصيدته يحتاج الى استجابة ثقافية وهي اشمل من الاستجابة الأدبية واكثر قدرة على توليد المعنى والدلالات ، وهذه الاستجابة تضمن امكانية التشارك في المعنى بين الشاعر والمتلقي معا .
في قصيدة ( الأرض يرثها الشعراء) ص 88 يقول :
لن أخون الملح
لن أخون الكأس التي في يدي
انّما اعصر القلب قبل شهية العنب
كي امنح هذا الوجود بعض خصائصي
لذلك لا أبالي بما يقال
حتى لو فتّت النصل خاصرتي
فقد مضيت رغم الريح بلا هرطقة
ولم اسأل عن الجروح التي خبّأتها 
لأنني أيقنت أن ذخيرتي لم تكفِ
المعنى اللغوي الذي ينتجه الشاعرعلي يتقيد بالامكانيات اللغوية ، لكنه يتحدد عن طريق تحقيق الاستجابة الثقافية لدى المتلقي وفعل الارادة القرائية التي يمتلكها ، وهكذا فان فكرة المعنى المشترك على انه تفاوض فعّال بين الشاعر والمتلقي تعد جوهر الاستجابة الثقافية وتجسيد لنمط الثقافة .كما يعتمد الشاعر العقابي على الجملة الواضحة التي تكشف اكثر مما تضمر ، وترسخ ثبات المعاني من الازاحات اللغوية والتضادات المجازية ، لذلك يسعى نحو تحديد الثوابت الثقافية التي تمكّن من تحديد جوهر المجموعة المكتنزة بشعرية كثيفة تركز على المحتوى الانساني من تجربته والتي تحمل موسيقى الحرف وتأثير المعنى .
في قصيدة ( قريني الذي يشطرني نصفين) ص 121 يقول :
شبحٌ يطاردني مذ كنت في مقتبل الشك
يرفعني لمراتب العشق كلّما قدمته أمامي
قد يكشفُ عني بعد ومضةٍ من الآن
أو يتجلّى في الدهشة على الورقة البكر
ربما يشحنُ ليلي بالترقّب وينفذُ الى مسام الجسد
فها أنذا أراه يخبأُ بريدهُ السريّ خوفاً من الوشاية
قبل ان نضيع معاً في الدروب التي اخذتنا نحو العدم
شبحٌ يعودُ لي متوثّباً بكل شهقة ثم يربض تحت ظلّي 
يحيطني من كلّ صوبٍ فأهربُ منه اليه 
ختاماً : نجد ان الشاعر علي في اغلب نصوصه ميال الى التكثيف لتحريك الايقاع الداخلي الناتج من براعة صياغة الحدث .والملفت في نصوص الشاعر في هذه المجموعة تلك القدرة التصويرية البارعة للمشاهد وكأنه يرسم لوحة تجريدية نفكك رموزها بتأملنا وقراءتنا العميقة ، كما أن هناك حس موسيقي في نصوصه ، إذ أنه يرتب المشاهد تصاعدياً وتنازلياً وكأننا نسمع سيمفونية وبذلك يخلق تناغماً مع الحالة والفكرة بأسلوب غير تقليدي ولا مباشر ، حيث يُركزْ على التفاصيل الدقيقة وهذه قدرة رائعة على رسم المكان والزمان من خلال الحرف. 
 

المشـاهدات 289   تاريخ الإضافـة 08/06/2021   رقم المحتوى 29600
أضف تقييـم