الثلاثاء 2021/10/19 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
السياسية الجنائية في العراق هل تعزز من حرية الرأي ام تميل إلى القمع والتكميم؟.. مشروع قانون العقوبات انموذجاً
السياسية الجنائية في العراق هل تعزز من حرية الرأي ام تميل إلى القمع والتكميم؟.. مشروع قانون العقوبات انموذجاً
مقالات
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* سالم روضان الموسوي

ان ما سيرد ذكره هو إشارات عامة تتعلق بقراءة فكر المسؤول العراقي تجاه العقوبة والجريمة بشكل عام وتجاه حرية التعبير عن الرأي بشكل خاص، سواء كان معداً لمشروع قانون العقوبات الذي أعلنت عنه رئاسة الجمهورية واحتفلت به على انه منجز مهم او مساهماً في كتابته، وأشار رئيس الجمهورية إلى ان الجهات التي شاركت بكتابته هي رئاسة الجمهورية ومجلس القضاء الأعلى بالتشاور مع مجلس الدولة والأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي وعلى وفق ما نشره الموقع الإلكتروني لرئاسة الجمهورية، وسأقتصر في هذه الاستعراض اليسير على سياسة تلك الجهات نحو حرية التعبير عن الرأي، وهل ما يدور في خلد تلك الجهات هو ميل نحو التخفيف عن القيود وتفعيل ممارسة الشعب لسلطاته باعتباره مصدر السلطات على وفق ما ورد في المادة (5) من الدستور، ام على العكس من ذلك؟ لأننا قد نجد ملامح لعقلية ديكتاتورية مهيمنة على القرار وتصادر الإرادة الشعبية، وسيكون لي عرض لاحق بشكل مفصل لمناقشة جميع ما ورد في هذا المشروع وسيكون بكتاب بأذن الله اذا ما كان في العمر بقية، وبعد قراءة نصوص مشروع قانون العقوبات حاولت ان ابحث عن السياسة التشريعية التي اتبعها كاتب المشروع حول رؤيته من تضييق نطاق التجريم ام التوسع فيه وهل كان له موقف مغاير من سياسة النظام السابقة التشريعية تجاه حرية التعبير عن الرأي ونقد كبار المسؤولين في الدولة؟ لذلك سيكون العرض على وفق الاتي :
1.ان جميع الأحكام القضائية التي صدرت ضد بعض الأشخاص على وفق أحكام المادة (226) من قانون العقوبات التي جاء فيها الاتي (يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس او الغرامة من أهان بإحدى طرق العلانية مجلس الأمة أو الحكومة أو المحاكم أو القوات المسلحة او غير ذلك من الهيئات النظامية أو السلطات العامة أو المصالح أو الدوائر الرسمية أو شبه الرسمية) ومنهم من كان من قادة الرأي العام وكانت هذه الاحكام قد صدرت بناءً على شكوى من كبار المسؤولين في الدولة العراقية تجاه أشخاص وجهوا نقداً للأداء الحكومي والتشريعي والقضائي، ولم يكن موجها لشخص من يتربع على عرش تلك المؤسسات، وهذه المادة من نتاج عقلية ديكتاتورية تنتهج سياسة تشريعية تأثراً ببعض القوانين العقابية في البلدان العربية وعلى وفق ما ورد في الأسباب الموجبة لقانون العقوبات واغلب تلك الأنظمة العربية هي شمولية ديكتاتورية بطبيعتها ولم تمارس اي ديمقراطية وكان الحاكم فيها غير قابل للعزل أو مستعداً لتداول السلطة سلميا وإنما جميعهم تركوا السلطة إما بعد موتهم أو بانقلاب عسكري ويرهن مصير البلد بشخوصهم ويجعل من مقدراته وموارده ومؤسساته ملكاً صرفاً واي نقد يوجه إلى تلك المؤسسات هو اعتداء على شخصهم، وهذه هي العقلية التي أنتجت لنا المادة (226) من قانون العقوبات، وكنا نأمل خيراً في الفترة الزمنية التي تلت عام 2003 والفترة التي تلت دستور العراق لعام 2005 للمبادئ الديمقراطية التي وردت فيه ومنها تجاه حرية التعبير عن الرأي وتعزيز النقد البناء تجاه الأداء الحكومي والتشريعي والقضائي، لكن استمر العمل بتطبيق تلك المادة وبوتيرة عالية في بعض الأوقات، وما ظهر للإعلام في الفترة الأخيرة من إسراف في تطبيقها بحيث جعل من النقد الموجه الى الشخصيات العامة بمثابة الجريمة، وتمت محاكمة أشخاص وإدانتهم بموجبها، بعضهم من عامة الناس والبعض الآخر من قادة الرأي العام، وكانت ردود أفعال الجماهير غاضبة ومستغربة من تفعيل هذا النص الجائر في ظل وجود نص دستوري يضمن للمواطن حقه في التعبير عن وجهة نظره تجاه الأوضاع السائد التي يعاني منها ، ومن حقه ان يوجه النقد إلى شخص المسؤول لأنه هو من يملك سلطة القرار، ولابد من ان يتحمل هذا المسؤول مسؤولية تردي الأوضاع التي يعاني منها المواطن المحتج، وعلى وفق المادة (38) من الدستور، ثم اعلن عن مشروع جديد لقانون العقوبات والهالة التي أحاطت به بانه ينسجم ومبادئ الديمقراطية الحديثة والاتفاقيات الدولية وغيرها من العبارات الرنانة والمزوقات اللفظية، لكن وجدنا فيه استمرار للسياسة الجنائية التي كانت قائمة في ظل الأنظمة الشمولية ومنها الإبقاء على ذات المضمون الوارد في المادة (226) من قانون العقوبات في المشروع الجديد حيث قررت عقوبة الحبس على من أهان احدى السلطات وعلى وفق المادة (210) من مشروع القانون التي جاء فيها الاتي (يعاقب بالحبس من أهان السلطة التشريعية او الحكومة او المحاكم ... إلى اخر المادة) ولم يوضح مدلول مصطلح (الإهانة) وإنما تركه سائباً عائما قابلاً للتأويل مثلما كان في القانون الحالي الوارد في المادة (226) عقوبات والتي طبقت على كل من ينتقد الأداء بقصد التقويم والإصلاح، حيث فسرت تلك المفردة بمديات واسعة حتى لو كانت من جراء خلاف شخصي او عائلي طالما كان المهان مسؤولا فانه بمثابة اعتداء على الوظيفة والسلطة التي يتولى إدارتها، وهذا قيد كثيرا من حرية التعبير وجعل الكثير من الأشخاص يحجمون عن توجيه النقد البناء إلى بعض المؤسسات التي تملك السلطة في تطبيق وتنفيذ تلك الكمادة ، وكأن الزمن عاد بنا إلى ما قبل عام 2003. 2.ان مشروع قانون العقوبات قد وسع من نطاق بعض الجرائم وعلى وجه الخصوص المرتبطة بشخص كبار المسؤولين في الدولة العراقية، على خلاف النظريات الحديثة التي تسعى الى تحجيم سياسة العقوبة السالبة للحياة او السالبة للحريات، ومنها ما ورد في المادة (208/أولاً) من المشروع اذا قررت عقوبة الإعدام على من يقتل عمداً رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء او رئيس مجلس النواب او رئيس مجلس الاتحاد او رئيس مجلس القضاء الأعلى، بينما في المادة (223) من قانون العقوبات النافذ رقم 111 لسنة 1969 المعدل قد حصرت نطاق تجريم فعل القتل العمد في شخص رئيس الجمهورية، وبذلك فان تفكير من وضع مشروع قانون العقوبات كان يتمثل شخصه في نصوص القانون اي شخصنة القوانين وهي النصوص القانونية التي يتم تشريعها من اجل شخص معين او من اجل حالة محددة تتعلق بشخص معين بذاته وتعتبر شخصنة القوانين من أسوء السبل في إصدار القوانين، فضلاً عن ذلك فانه تمييز لهؤلاء على سائر من يتولى إدارة البلاد بموجب وظيفته التي قررها القانون، فاذا ما تم الاعتداء على رئيس الجمهورية او غيره فانه مركزه القانوني أما موظف في الدولة العراقية أو مكلف بخدمة عامة وهذه الصفة تعد ظرفاً مشدداً عند فرض العقوبة وهذا ما ورد في المادة (397/أولاً/ه) من مشروع قانون العقوبات والتي تماثل ما نصت عليه المادة (406/1/ه) من قانون بالعقوبات الحالي التي جاء فيها (اذا وقع القتل على موظف أو مكلف بخدمة عامة أثناء تأدية وظيفته او خدمته أو بسبب ذلك) ومن خلال ما تقدم فان السياسة الجنائية في العراق تميل نحو التضييق والتشديد تجاه أي نقد بناء، وما ورد في المواد العقابية سواء التي كانت في قانون العقوبات النافذ رقم 111 لسنة 1969 المعدل او مشروع قانون العقوبات الذي اعلن عنه رئيس الجمهورية فإنها جميعا تمثل سياسة أنظمة شمولية وعقليات ديكتاتورية تشخصن الوظيفة وتسعى إلى شخصنة القانون وهذا امتداد للعقل المهيمن على مقاليد الأمور في البلاد وكنا نأمل ان يكون خطوة إلى الإمام وليس العكس والملاحظ ان هذه الأفعال التي جرمتها تلك المواد لم تكن بمثل هذه القسوة أيام الملكية في العراق لان قانون العقوبات البغدادي الصادر عام 1918 وفي المادة (122) قد فرض عقوبة لا تزيد على الحبس ستة اشهر او بغرامة وعلى وفق النص الاتي (من أهان بالإشارة او القول او الفعل موظفا عموميا او احد رجال الضبط او أي إنسان مكلف بخدمة عمومية أثناء تأدية وظيفته يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة اشهر او بالغرامة او بهما فاذا وقعت الإهانة على محكمة قضائية او إدارية او مجلس او على احد أعضائهما وكان ذلك أثناء انعقاد الجلسة تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد عن سنة او الغرامة او كليهما) وحتى في حالة الاعتداء على المحاكم فقصر التجريم على الاعتداء الذي يقع أثناء انعقادها فقط، بينما التشريع النافذ والمشروع المقترح ترك الأمر حتى لو وجهت الإهانة إلى شخص رئيسها بوصفه الإداري وليس القضائي، كما ان المواد المتعلقة بالقتل الواردة في قانون العقوبات البغدادي لم تجعل من صفة الموظف الو المسؤول ظرفاً مشدداً بذاته وإنما تعاملت معه على أساس ان القتل ازهق روحاً لأي كان اذا ما توفرت الظروف الواردة في المواد (214 وما يليها). وبعد مرور اكثر من قرن على صدور هذا القانون نعود إلى سياسة تشريعية كانت سائدة في ظل القرون الوسطى، وهذا المشروع قد أعطى الإشارة إلى ملامح السياسة الجنائية المتبعة في العراق  حاليا على إنها تميل نحو التضييق والتشديد وتتقاطع مع الاتجاهات الحديثة في التجريم والعقوبة. ونتمنى ان لا تمرر هذه الأفكار التي تحد من حرية التعبير عن الرأي وتميز الموظف المسؤول الأول في وظيفته وتعامله على انه فوق المجتمع وفوق القانون على خلاف مبدأ المساواة الوارد في المادة (14) من الدستور النافذ التي جاء فيها الاتي (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي).
* قاضٍ متقاعد
 

المشـاهدات 151   تاريخ الإضافـة 12/09/2021   رقم المحتوى 31128
أضف تقييـم