الأربعاء 2021/12/1 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
التعددية في تكوين السلطات الاتحادية ومكوناتها بموجب الدستور العراقي
التعددية في تكوين السلطات الاتحادية ومكوناتها بموجب الدستور العراقي
مقالات
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

 

 


* سالم روضان الموسوي

 

ان الدستور العراقي في فلسفته عند تشكيل السلطات اعتمد على تعددها من اجل عدم حصرها في يد شخص أو جهة واحدة وتجسدت هذه الفلسفة في ديباجة الدستور التي تعد جزءا لا يتجزأ منه والتي جاء فيها الاتي (نَحنُ شَعْب العراقِ الناهضِ تَوَّاً من كبْوَتهِ، والمتَطلعِّ بثقةٍ إلى مستقبلهِ من خِلالِ نِظاَمٍ جُمهورِيٍ إتحاديٍ ديمقْراطيٍ تَعْددُّيٍ) ويرى فقه القانون الدستوري بان التعدد هو انقسام السلطة دون حصرها بجهة معينة، وانعكس ذلك على تكوين سلطات الدولة حيث تم تشكيلها من ثلاث سلطات مستقلة عن بعضها وهو ما يسمى بالفصل بين السلطات، ويرى بعض الكتاب ان السبب في ذلك ليس لمسايرة الاتجاهات الحديثة في تشكيل سلطات الدول وتفعيل مبادئ الديمقراطية فحسب، وإنما كان لكاتب الدستور مخزون في ذاكرته عن جمع السلطات بيد شخص واحد أو جهة واحدة التي أدت إلى ظهور الديكتاتورية والشمولية والتسلط والتفرد في السلطة وقادت البلاد إلى كوارث ما زالت أثارها قائمة وان ما يحصل الآن هو من نتاج هذه الديكتاتورية، ومن هذا المنطلق فان الدستور قسم السلطات إلى ثلاث ( التشريعية، التنفيذية، القضائية) وعلى وفق ما ورد في المادة (47) من الدستور التي جاء فيها الاتي (تتكون السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات) ويلاحظ ان الدستور استخدم كلمة (تتكون) ولم يستخدم أي عبارة أخرى عند الإشارة إلى التعدد بينما لم يذكرها عندما لا يوجد موضع للتعدد مثال ذلك رئاسة الجمهورية فان النص قد ورد بصيغة أخرى لم تتضمن عبارة (يتكون) مع ان لرئيس الجمهورية نائب او اكثر، كما ان الدستور في المادة (47) قد عدد السلطات ولم يربط أي منها بالأخرى، ولم يجعل من أي منها بسلطة اعلى من الأخرى، وإنما على قدر واحد وبالتساوي وإنما تقدم أي منهما بروتوكولياً بموجب مهامها وسعة اختصاصاتها دون ان تكون لها ولاية أو وصاية على الأخرى، وهذا ما يسمى بالفصل بين السلطات وهو مفهوم للجميع، ثم كرر الدستور ذات المنهج في التعدد عند تشكيل السلطات ذاتها، بمعنى انه لم يقف عند الفصل بين السلطات وإنما تعدى إلى الفصل بين مكونات السلطة الواحدة، حيث جعل من السلطة التشريعية تتكون من شعبتين أو غرفتين ( مجلس النواب ومجلس الاتحاد) وعند الإشارة اليهم وردت عبارة (تتكون السلطة التشريعية) وعلى وفق ما ورد في المادة (48) من الدستور التي جاء فيها الاتي (تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد) ثم وعزز هذا الاتجاه عند الإشارة إلى السلطة التنفيذية فانه استخدم عبارة (تتكون السلطة التنفيذية) وعلى وفق ما ورد في المادة (66) من الدستور التي جاء فيها الاتي (تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية، من رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء، تمارس صلاحياتها وفقاً للدستور والقانون) واردف القول ذاته عند الإشارة إلى السلطة القضائية حيث ذكر عبارة (تتكون السلطة القضائية) وعلى وفق ما جاء في المادة (89) من الدستور التي جاء فيها الاتي (تتكون السلطة القضائية الاتحادية، من مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الإشراف القضائي، والمحاكم الاتحادية الأخرى التي تنظم وفقاً للقانون)، وهذا التكرار لمفردة بعينها والتشابه بالأسلوب عندما اردف تلك العبارة (تتكون) بحرف الجر (من) الذي يفيد التبعيض أي البعض من الكل ويبين التعداد كما يقول اهل اللغة في ذلك، فانه يدل على ان كاتب الدستور كان يهدف إلى قصدٍ واحد في عمل تلك السلطات وعمل مكوناتها، بحيث سعى إلى انقسام السلطات حتى لا تقع تحت هيمنة شخص أو جهة واحدة، وكذلك سعى بهذا التكرار والتشابه إلى انقسام مكونات السلطة الواحدة ذاتها من اجل منع الهيمنة من شخص واحد على كل مكونات السلطة الواحدة، وهذا ما قصده الدستور وما يهدف اليه ، ومن ثم لا يجوز مخالفته بمعنى لا يجوز ان يصدر قانون يجعل مجلس الاتحاد تحت هيمنة مجلس النواب أو انه شعبة تابعة له، كما لا يجوز ان يجعل من مجلس الوزراء خاضع لسيطرة رئيس الجمهورية او تحت إدارته وإنما كل كيان هو مستقل بذاته عن الآخر وله شخصية معنوية، لذلك فان جميع القوانين التي نظمت هيكيلية تلك السلطات أشارت إلى استقلالها وتمتعها بالشخصية المعنوية، حيث جاء في المادة (2/ثانياً) من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لسنة 2018 على ان المجلس له شخصية معنوية مستقلة وكذلك بالنسبة للسلطة التنفيذية فان رئاسة الجمهورية لها شخصية معنوية مستقلة ومجلس الوزراء ايضاً له شخصية معنوية مستقلة ولا يمكن لأي منهما ان يمثل الآخر او يحل محله، أما بالنسبة للسلطة القضائية فانه سار على ذات المنوال بحيث جعل لمجلس القضاء شخصية معنوية مستقلة عن باقي المكونات وعلى وفق ما ورد في المادة (1) من قانونه رقم 47 لسنة 2017 وكذلك بالنسبة للمحكمة الاتحادية العليا في وعلى وفق ما ورد في المادة (2) من قانونها رقم 30 لسنة 2005، مع انهما من مكونات سلطة واحدة ولكن تعددهم ضمن السلطة الواحدة باعتبارهم كيانات مستقلة عن بعضها البعض منحها هذه الاستقلالية، ولا يمكن ان يدمج بعضها مع بعض، وكذلك بالنسبة لجهاز الادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي ومحكمة التمييز، وهذا القول عززه قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 136 وموحداتها 137/اتحادية/2018 في 5/2/2018  وهذا ما ورد في المادة (1/ثانياً) قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 في المادة (1/ثانياً) وكذلك في المادة (1) من قانون هيئة الإشراف القضائي رقم (29) لسنة 2016 ، لذلك فان أي حذف لهذه الاستقلالية أو الغائها يمثل مخالفة للدستور على وفق ما تقدم ذكره، وكان مجلس القضاء الأعلى قد قدم مقترح قانون لتعديل قانون الادعاء العام وكذلك قانون هيئة الإشراف القضائي وتضمن مقترح التعديل الغاء النصوص التي تمنح الاستقلال لهذه المكونات القضائية، ثم قام بعد ذلك بسحب مقترحات التعديل لمخالفتها للدستور وعلى وفق ما صرحت به عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب السابق النائبة بهار محمود والذي نقلته جريدة الصباح في عددها العدد الصادر يوم الخميس الموافق 12/11/2020، لكن حصلت انعطافه ملفتة للنظر تمثلت بقيام مجلس القضاء الأعلى بالطعن بعدم دستورية المواد التي سعى لإلغائها عبر التعديل ومن ثم سحب هذا التعديل، وأقام الدعوى الدستورية العدد 112/اتحادية/2021 وصدر فيها قرار بتاريخ 9/11/2021 يقضي بعدم دستورية (المادة 1/ثانيا) من قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 التي قررت استقلال جهاز الادعاء العام عن مجلس القضاء الأعلى والتي جاء فيها الاتي (يتمتع جهاز الادعاء العام بالشخصية المعنوية ويمثله رئيس الادعاء العام او من يخوله) فضلاً عن الحكم بعدم دستورية مواد أخرى جداً مهمة لو تم تفعيلها لكانت مؤثرة في مكافحة الفساد لان تلك المواد التي قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستوريتها هي الفقرات (12, 13, 14) من المادة (5) من قانون الادعاء العام أعلاه والتي جاء فيها الاتي (اني عشر : التحقيق في جرائم الفساد المالي والإداري وكافة الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة المنصوص عليها في  قانون العقوبات رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ (المعدل) طبقا لأحكام  قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (٢٣) لسنة ١٩٧١ المعدل على ان يحيل الدعوى خلال (٢٤) اربع وعشرين ساعة الى قاضي التحقيق المختص من تاريخ توقيف المتهم. ثالث عشر : تستحدث دائرة في رئاسة الادعاء العام تسمى دائرة المدعي العام الإداري والمالي وقضايا المال العام يديرها مدعي عام لا تقل خدمته عن (١٥) خمس عشرة سنة تتولى الإشراف على مكاتب الادعاء العام المالي والإداري في دوائر الدولة. رابع عشر : يؤسس مكتب للادعاء العام المالي و الإداري يرأسه مدعي عام لا تقل خدمته عن (١٠) سنوات في الوزارات والهيئات المستقلة يمارس اختصاصه طبقاً لاحكام الفقرة (ثاني عشر) من هذه المادة) لكن بموجب قرار المحكمة الاتحادية العليا قد تم تعطيلها وفقدنا سبيل من سبل مكافحة الفساد وهو على خلاف ما كانت قد قررته في قراراتها السابقة ومنها القرار رقم 136 وموحداتها 137/اتحادية/2018 والقرار 43/اتحادية/2017 ، ولا نعلم ما هو السبب في ذلك ويبقى حكم المحكمة الاتحادية العليا محترم وملزم للجميع وان كان يمثل عنوان الحقيقة وليس الحقيقة.
*قاضٍ متقاعد

المشـاهدات 314   تاريخ الإضافـة 21/11/2021   رقم المحتوى 32313
أضف تقييـم