الأربعاء 2022/5/18 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
وظائفية الكلب في الرواية الثلاثية (العربانة) للكاتب حميد الحريزي * جعل الكاتب من الكلب مرآةً عاكسة لما يمر به الإنسان تحت سلطة الإقطاع
وظائفية الكلب في الرواية الثلاثية (العربانة) للكاتب حميد الحريزي * جعل الكاتب من الكلب مرآةً عاكسة لما يمر به الإنسان تحت سلطة الإقطاع
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

مقاربة / مهدي علي ازبين

مفتتح
لجأ الكتّاب إلى استدعاء الحيوان في نصوصهم لغايات فنية ورمزية، فهو نوع من التقنيات التي تضفي المتعة على العمل والقيمة الجمالية التي تنبع من إدهاش المتلقي، وهذه العناصر تؤدي أفعالاً له أبعاد مباشرة وغير مباشرة.لذلك يحرص الروائي على تضمين روايته أنماطًا متعددة من الشخصيات، كي يجسد الواقع المعين بمختلف شخوصه، وليحقق التوافق بين العالم المادي وعالم الرواية الخيالي، يُخضع الروائي شخصية الحيوان لمخيلته الواسعة التي تبعدها عن طبيعتها المألوفة في الواقع، ويصنع منها شخصية روائية لها أحاسيسها وتطلعاتها.

الكلب (حموري)
عمد الكاتب حميد الحريزي إلى استدعاء الحيوان في متون روايته (العربانة)؛ حين انفتح النص على حكاية كلب أسرة (أبو مطشر) الذي أسماه الراوي (حموري)، مسطرًا سيرته الذاتية المرتبطة بوجودهم، وما يقتضيه وجوده في بيئة القرية.ظهرت هذه الشخصية (الحيوان) من 34 إلى 44 من [العربانة]، وقد عرّفنا الروائي بأهمية هذا الحيوان منذ صغره ومرافقته أفراد الأسرة في كل متاعبها، فهو يقوم بالحراسة ويحرص على سلامتهم.أسهب السارد في متابعة مراحل الكلب (حموري) الحياتية، ووصفه الجسماني وقوته الدائمة وارتباطه بكلبته الأثيرة (كميرة) حتى أعوام شيخوخته وضعف بصره، إلى أن جاء يوم الفراق حين انتقلت عائلة (أبو مطشر) هربًا من جور الإقطاع إلى مدينة النجف التي لا يحتاج سكانها إلى الكلاب.. أو أنها تصبح عالة على المجتمع في المدينة، عكس الحياة القرية التي تحتاجها بصورة ضرورية. لقد أسبغ عليه الكاتب صفات إنسانية، فهو يعبّر عن مشاعر تماثل ما لدى البشر [يشعر بالسعادة والفرح حين يرى كل أفراد العائلة.. كانت رائحة أفراد العائلة المحببة لديه تملؤه بالنشاط..كان شديد الحساسية فيما يخص كرامته وحمايته فهو يغضب حتى لو رميته بعظمة دسمة مهما كانت درجة جوعه وحرمانه..] ص35-36. جعل الكاتب من الكلب مرآةً عاكسة لما يمر به الإنسان تحت سلطة الإقطاع، وقد كان (حموري) يستغرب من ركون الفلاح إلى هذا الواقع وعدم رفضه، بسبب ما فرضه هذا النظام من قناعات على الناس، فتجده [يتأسى ويتألم كثيرا لغباء أسياده وهو يراهم يتجرعون خبزهم والرز الخشن مع النباتات البرية..] ص36. ويتساءل مع نفسه [ما الذي يجعلهم يفنون حياتهم في خدمة الأرض على الرغم من عقم رحمها وظلم ملاكيها واستغلالهم، وكونهم يستطيعون أن يعيشوا عيشة أفضل مما هم عليه بربع جهدهم المبذول في خدمة أرض الإقطاعيين والشيوخ وإذلالهم؟ هل هو الإدمان على العبودية والرضوخ للظلم والخوف من مجاهل الحرية؟] ص36.. وكان الكلب شاهدًا على الواقع المرزي، رافضًا له ولحالة الخنوع التي تتلبس بأسرة (أبو مطشر)، وما جاورهم من الذين يتعاطون مهنة الفلاحة في ظل الإقطاع.كما بين لنا الراوي حالة المعاناة والصراع النفسي الذي كابده (حموري)، حين قررت أسرة (أبو مطشر) الرحيل مجبرة على الهجرة من جور الإقطاع و(سراكيلهم)، فقد فضل حموري البقاء في القرية غريبًا ومُقتطعًا عن أهله/ أسرة (أبو مشطر)، والموت بعزة على العيش على فضلات الآخرين وما تجود به أكوام القمامة، لأن مجتمع المدينة يركن أمثاله ويراه فائضًا وعالة عليهم، وفي لحظة الوداع عبر عن ضياعه وحزنه الشديد بصرخة عالية وعواء مكلوم [اختلط عواء حمور باكيا شاكيا متألما مع زعيق طيور الدجاج على ظهر السيارة في وداعها الأخير ..إنها شهقة الوداع الأخير لحمور لعائلة تنتقل إلى شكل جديد من المعاناة والألم والضياع ص40، لقد نقل الكاتب لنا في هذا المشهد السردي صورة الوفاء والحميمية في العلاقات بين الحيوان والإنسان، وصدق تعلق هذا الكائن بأهله، وثبات سلوكه نحوهم مهما تغيرت الظروف؛ فقد بقي ملازمًا لديارهم الخاوية إلا من ذكريات ممضة [كان.. طيلة فترة غيابنا فلم يبارح الأطلال وهو يقعي عاوياً بأنين حزين يقطع نياط القلب نادباً شاكياً لواعج شوقه معاتباً أهل الدار بسبب غيابهم...ضعف بصره وهو يجر اقدامه بصعوبة وتقوس ظهره وتهدلت أذناه وتدلى ذنبه بسبب ماعاناه من الجوع والألم فقد أبى أن يستجدي عطف الغرباء من أهل القرية لإطعامه بعد رحيلنا فهده الجوع والمرض] ص42. كما أسقط الراوي على الكلب صفات إنسانية فيما يتعلق بعلاقته مع الكلبة (كمرة)، وخالط فحولته بما لدى الذكر من بني البشر، فهو يلتقي معها بالشعور المتبادل، ويكافح لمنع الآخرين من إزعاجها أو التقرب إليها بالغزل أو المماحكة، فحموري يؤثر (كمرة) على كل بنات جنسها، يخلص لها ويخاف عليها من أي ذكر آخر، وبعد أن يدخل في أرذل العمر، ويعجز عن تلبية رغباتها الجسدية ويرى خليلته تعاشر غيره؛ يقرر إنهاء حياته على أن يكون في هذه الموقف المحبط [فقد اسودت الدنيا بعينيه وانكسر ظهره وخارت بقايا قواه فانطلقت من فمه صيحة أطارت الطيور وأرعبت الحضور أفقدت جمع الكلاب المعرسة نشوتها وكبحت جماح غرائزها وأفاقت على صوت ارتطام جسمه في ماء بئر عميق متروك على مقربة من الدار وعندما هرعت للبئر لم ترَ غير ذنبه وهو يغوص في لجة الماء الآسن ص 44.

خاتمة
أظهرت الرواية عبر توظيف الكلب (حموري) البعد النفسي للحيوان، وجعلته كأنه شخصية واقعية لها مشاعرها من قلق وحزن وغضب، تمظهرت كرد فعل إزاء ما يواجهه الإنسان من مشكلات مختلفة.كما تمكنت الرواية من تصوير الحيوان كأنه إنسان يفكر ويحلل أفعال البشر، وذلك لتفسير ومعرفة ما يسعى إليه، وقد تجلت شخصية (حموري) بمشاعرها المختلفة وانفعالها من الواقع الذي تعيشه، ومحاولة مشاركة تلك المشاعر مع الإنسان والتماهي معه، للدلالة على الألفة التي اتسمت بها شخصية الحيوان مع الإنسان.
*العربانة، رواية- الجزء الأول من ثلاثية محطات، حميد الحريزي، دار قهوة للنشر والتوزيع، الأهواز،2021م

 

المشـاهدات 129   تاريخ الإضافـة 16/01/2022   رقم المحتوى 33353
أضف تقييـم