أضيف بواسـطة albayyna

محمد زكي ابراهيـم

لا أعرف من أدخل في عقولنا، نحن أبناء هذه الأرض، أن التعددية مصدر قوة للمجتمع. وأن التنوع الثقافي وسيلة للتقدم والمدنية. ولا اعرف كيف آمنا بهذه الفكرة، وتحمسنا لها، من دون تجربة أو دراية. وأغلب الظن أن ما مررنا به من ضيق خلال سنوات طويلة، وما عانيناه من عسف في عهود سابقة، جعلنا نؤمن بكل ما يتردد في العالم من حولنا، من أفكار. ونرى أن كل ما يتبناه الكتاب والإعلاميون في البلدان المتقدمة، هو عين الصواب. ليس هذا فحسب بل نعده ظاهرة جديدة تستحق الدراسة والتأمل .. والإعجاب. ولقد شاعت في مستهل هذا القرن فكرة التعددية، التي تعني تعايش اللغات والقوميات والأعراق والمذاهب .. المختلفة في الوطن الواحد. وجميع الذين يدينون بهذه المرجعيات متآلفون ومتعاونون ومتحابون. يؤثر أحدهم الآخر، ولا يبخسه حقه، ولا يحرمه نصيبه من الثروات الطبيعية .. والصناعية. ولو كانت هذه الفكرة صحيحة، لكانت من أعظم الأفكار الإنسانية، وأكثرها إيجابية ونفعاً. فهي تعني بالنهاية أن لا خلافات ولا نزاعات ولا مشاكل ولا حروباً أهلية. وهذا ما لم نلمسه عبر القرون. فقد كانت الفئات تتصارع في ما بينها على الثروة والنفوذ كلما تهيأت لها الفرصة. وقد شهدنا في هذه البلاد خلال القرن العشرين الكثير من النزاعات الدموية. عدا عن الحروب غير المعلنة. أما في هذا القرن فقد ظهرت هذه الأزمات إلى العلن، وباتت سبباً لكل ما نعانيه من فقر، وبؤس، ونكد، وفساد، وتخلف اقتصادي واجتماعي! لقد كان موضوع الهوية شغلنا الشاغل قبل عشرين عاماً، وكنا نردد دون وعي، أن كل ما مررنا به في الماضي من خطوب، سببه مصادرة الهويات الفرعية. ولا سبيل للتماسك، والتعايش، والنمو، سوى الاعتراف بها ومنحها ما تستحق من امتيازات. غير أن ما اكتشفناه خلال هذه المدة كان عكس ذلك تماماً. فقد أخذت الهوة تتسع بين المكونات بسبب هذا الانفتاح. حتى غدت اللغة الرسمية للبلاد موضع شك. وباتت تمنع من التدريس في بعض المدن. بل إن الخلافات قد استعرت حتى على لغة النشيد الوطني .. الذي يفترض أن يكون أداة الوحدة، والوجه المعبر للبلاد في المحافل الوطنية والأجنبية! وكان من الطبيعي أن تتطور الأمور إلى رغبة بالانفصال، بعد أن ضعفت الصلة بالمركز، وباتت أهون من بيت العنكبوت. واخذ بعض مسؤولي الأطراف يجاهر بالعداء للدولة، ويتأفف من كونها قدراً مفروضاً لا رغبة له بالبقاء فيه. ومع كل هذا مازالت النخبة المستغربة لدينا تهيم بكل إفرازات ما بعد الحداثة. وتهلل وتطبل لكل ما يصدر عنها من نظريات ما أنزل الله بها من سلطان. ولا تلائم بلادنا باي حال من الأحوال. ويكفي أن من أهم متبنياتها نقض مركزية المركز، وبقاء الأطراف على قدم المساواة معه في كل صغيرة وكبيرة. لقد وقعنا بكل اسف ضحية لنقص الخبرة التي حرمنا منها طويلاً. وكنا نظن أن الخروج من هذه القوقعة يعني الانفتاح على العالم، بكل ما يعنيه من نسخ للثوابت الوطنية. وتبني ما يصدر عن الآخرين من نزعات. إذا لم نغلق الباب على التنوع الثقافي، أو نؤجل الحديث عنه على الأقل، فسنتحول إلى مجموعة دويلات مجهرية يعادي بعضها بعضاً. ويقطع عنه الماء والكلأ، والنفط والغاز، ولو استطاع أن يمنع عنه الهواء لفعل ذلك دون تردد أو حياء! .
 

المشـاهدات 122   تاريخ الإضافـة 22/01/2023 - 10:05   آخـر تحديـث 01/04/2023 - 08:23   رقم المحتوى 40424
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Albayyna-New.net 2016