أضيف بواسـطة albayyna

الدكتور / علي الربيعي

 (التجريب) لغة معناه (الاختيار) وهي كلمة مشتقة من الفعل (جرَّب - تجريبًا). و(المُجرِّب) هو الذي جرَّب الأمورَ وصار حكيمّا فيها. وعلى هذا الأساس فلابد أن يكون (المُجرِّب) متمرسًا وغير مُبتدئ. و(التجريب) اصطلاحًا معناه القيام بعدة تجارب عملية على وفق منهج نظري واضح الاسلوب والأهداف. 
ومعنى (التجريب) في في فضاء المسرح عدم تطبيق خطوات الآخرين على حدِّ قول الدكتور سمير سرحان. ويحدد جيمس روز ايفانز حُكمًا على (المُجرِّب) مفاده (أن تكون تجريبيًا يعني أن تقوم بغزو المجهول وهذا لا يمكن التأكد منه إلا بعد حدوثه) .
ولا جدال ، في أن حركة التجريب في المسرح هي وسيلة للوصول الى هدف محدد ، وتفسير ذلك توضحه متابعة الحركة في فضاءات المسرح العالمي .
إن معظم الاستحداثات المسرحية الحديثة والمعاصرة إنما هي وليدة تجارب لم تُعرف نتائجها سلفًا ، إنما ظهرت عبر الممارسات المستمرة على وفق منهج واضح ومُتبنَّى من المُجرِّب نفسه.
فالمخرج (أندريه أنطوان) كان مُجربًا ، وغزا المجهول ، عندما ولج المذهب الطبيعي في عرضه التجريبي الأول ، ولم تكن تجربته مقبولة أو مستساغة من الجمهور الذي أدمن طروسًا مسرحية  موروثة ، حتى أثبتت تجربته بل تجاربه المتكررة في هذا المنحى أحقيتها. 
كما أن المخرج الروسي (مايرهولد) في بحثه عن أثر (البايوميكانيك) في تطوير أداءات الممثل وتعبيراته ، إنما كان مُجربًا في ايجاد البدائل الناجعة لطرق تدريب الممثل وبناء الشخصية.
ولم يزوي المخرج (راينهاردت) نفسه عن حركة التجريب ، بل هو الآخر كان مجربًا في بحثه عن تبادلية العلائق بين الممثل والجمهور على وفق طبيعة كل عرض مسرحي. 
وحتى المخرج البولوني (جيرزي غرتوفسكي) كان مجربًا في مناداته بالعودة الى الأصل ، الى الممثل ، بعدِّه جوهر الفن المسرحي . فكان يُجرب للخلاص من تأثيرات الفنون الأخرى الطارئة . 
وقد اتكأ هؤلاء المخرجون وغيرهم على مناهج واضحة في (النظرية والتطبيق). وكانت رؤاهم وأهدافهم واضحة لا لبس فيها وتركزت على كيفية الوصول الى كل ما من شأنه تطوير الحرفة المسرحية وادامة حيويتها. وهم بعد تحقيق رؤاهم وأهدافهم لم يعودوا مجربين بل أصبحوا مؤسسين. فهدف التجريب في المسرح إذن (التأسيس) على حدِّ قول المخرج الكبير قاسم محمد.
والحال ، ليس هناك اتجاه تجريبي قام به المخرجون المسرحيون العرب لم يقم به الآخرون الغربيون ، باستثناء لجوء بعضهم الى الموروث العربي (الممارسات شبه الدرامية) والافادة منه وتطويعه في مسرحهم. وكان هذا هو الاتجاه التجريبي الوحيد الذي تميزوا به ، وهو اتجاه تجاوزوه وانتقلوا به من مرحلة (التجريب) الى مرحلة (التأسيس). 
ولم تبق من الأبواب التجريبية الأخرى مفتوحة أمام التجريبيين العرب سوى محاولة تطويع النصوص المسرحية العالمية وواقع طرزها لواقع حياتنا العربية وأهدافها ، او اعداد الأجناس الأدبية الأخريات على وفق رؤى مسرحية يحسبونها ستدخلهم في فضاء التجريب. 
إن العديد من المسرحيين والنقاد يخلطون بين (التحديث) و(الرؤية المستحدثة) و(التجريب) ، وإن الأخير أي (التجريب) ينبغي تحققه في ظل (منهج واضح ومحدد) ووجود (هدف واضح ومحدد) ، والأهم هو تعدد الأعمال المقدمة وفق (المنهج) للوصول الى (الهدف) المرتجى ، (نظرية وتطبيق)، على وفق رأي المخرج الكبير سامي عبد الحميد.
 

المشـاهدات 227   تاريخ الإضافـة 18/09/2023 - 10:36   آخـر تحديـث 07/12/2023 - 22:28   رقم المحتوى 42300
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Albayyna-New.net 2016