الثلاثاء 2024/6/18 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
مسلسل الماروت .. السقوط في دوَّامة الجريمة والعنف
مسلسل الماروت .. السقوط في دوَّامة الجريمة والعنف
فنية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

رضا المحمداوي 
بدءاً من عتبة عنوانه يضعنا مسلسل (الماروت) لمؤلفتهِ:رسل جواد، ومخرجه:مهدي طالب،في إشكالية العنوان والمضمون وعلاقته بالواقع والمجتمع العراقي،فضلاً عن إشكالية الجدوى من إنتاجه من قبل لجنة دعم الدراما،وحتى عرضه على شاشة قناة العراقية لا يخرج عن تلك الإشكالية وأسئلتها المحرجة.
تمَّ إقتطاع (الماروت) كعنوان من اسم الملكين (هاروت وماروت) اللذين ذكرهما الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز مرة واحدة في سورة (البقرة) وقد اسقط المسلسل اسم (هاروت) وأبقى على (ماروت) وأضاف إليه التعريف بالألف واللام،ولا أريد الخوض في التفاسير الإسلامية التي وردتْ في تفسير هذا الموضع من الآية الكريمة،ولكني أتوقف نقدياً للإشارة إلى عدم وجود أيّة دلالة لاستخدام هذا الأسم (الماروت) كعنوان لمسلسل درامي يخوض في عوالم الجريمة والعنف والقتل والإتجار بالأعضاء البشرية وترويج المخدرات وعمليات التصفية الجسدية وتناثر الجثث وسط مشاهد الدماء ووصل الأمر إلى القصف باستخدام الطائرة المسيرة؟
أمَّا عن استخدام الأسم (ماروت) للدلالة على السحر والشعوذة فإنَّ المسلسل لمْ يتعرّضْ لهذا الجانب سوى في خط درامي واحد جاء عابراً من خلال شخصية (جبار الأعضب) (الممثل ميمون الخالدي)الذي كتب يافطة عريضة في مكتبه تحمل اسم (هاروت وماروت) حيث يمارس أعمال السحر!
وسيزداد هذا الإستخدام غرابة ً وافتراقاً عن المضمون باختيار تايتل البداية والنهاية الغنائي للمسلسل والمأخوذ من أشعار المتصوف الشهير (الحلاج) من غناء:محمد سجاد والتأليف والتوزيع الموسيقي:رضوان نصري،ولمْ أجدْ أيّة علاقة بين هذا المقطع من الأشعار الصوفية ومزج رقص الدراويش الدائري بالطريقة المولوية مع الرقص الشرقي كواجهة أمامية لمسلسل يكتظ بمشاهد الجريمة والقتل والعنف المتبادل بين العصابات المتناحرة؟
سقف زمني ..وأبعاد نفسية
اختار المسلسل سقفاً زمنياً درامياً مُتحرّكاً يبدأ في العام 2019 ثم يعود إلى العام 1987 في مستشفى الرشيد العسكري ليضعهُ خلفية تاريخية مسببة  ومحفزة لأعمال الدكتور (شاهين) أو (هادي عبد المنعم)كما يكشف عن حقيقة شخصيته في نهاية المسلسل (الممثل جواد الشكرجي) ليستقر الزمن عند العام2022 حيث تدور أحداث المسلسل.
اعتمد المسلسل كثيراً على البعد النفسي في بناء الشخصيات الرئيسة باعتباره الدافع أو الباعث الدرامي لأعمال العنف والجريمة وعملية تصفية الحسابات القديمة،ولا سيِّما في الكشف عن خلفيات أعمال (لجنة شرحبيل) سيئة الصيت في حرب الثمانينيات خلال سنوات النظام الديكتاتوري السابق، التي راح ضحيتها الدكتور (شاهين)حيث تمَّتْ سرقة كليته وهو الفعل الذي جعل منه شخصية مجرمة  بسلوك سايكوباثي مضطرب احترف معه سرقة الأعضاء البشرية والمتاجرة بها تساعده بذلك (نسومة)(الممثلةالسورية:رنا الأبيض) التي تعمل على اصطياد ضحاياها من الفتيات البريئات لتدمجها في ذلك العالم الملوث بأعمال الليل والإتجار بالبشر.
وكان يمكن للمؤلفة من خلال التعرض لأعمال (لجنة شرحبيل) أنْ تدين النظام السابق وتكشف عن جرائمه،لكنَّ المسلسل اختار أنْ تكون الإدانة للشخصيات الدرامية وليس للنظام السياسي السابق نفسه.
ويقف نفس البعد النفسي كخلفية لسلوك وتصرفات (عبود) (مقداد عبد الرضا) ومزاجه المتقلب بين الحزن والبهجة؛حيث يعاني من فقدان عائلته بحادث احتراق سيارته،ولذا نجده يسعى للإنتقام من القناص (سابو) (محمود أبو العباس) ذلك القاتل المأجور المحترف دون أي تبيان أو كشف للأسباب التي دفعتْ الأخير ليكون كذلك.
لكن شخصية زعيم العصابة (صفوان)(جلال كامل) ورجاله المدججين بمختلف الأسلحة ومسكنه الفخم على ضفة النهر،ظلتْ تتحرك في الفراغ بدون أيّة حوافز أو دوافع درامية واضحة ولا سيِّما في علاقته مع (شاهين) رغم اننا شاهدنا حضور (صفوان) الدائم وأفعاله الإنتقامية  القائمة على التنافس والعنف المتبادل بين الإثنين.
وفي ذات الفراغ الدرامي الكبير ظلتْ تتحرك شخصية (فله) (الممثلة آسيا كمال) بملابسها الرثة الثابتة طوال الحلقات وسلوكها غير السوي الذي بقي أقرب للشخصية المصابة باللوثة العقلية منه إلى السلوك المنضبط والمقصود،ولمْ يتوضحْ  لنا هدفها رغم حركتها الدرامية الدائرية في علاقتها مع الشخصيات الأخرى خاصة وأنَّ ظهورها  جاء بعد مقتل ابن عمها (طعمة) (الممثل حقي الشوك) عانى المسلسل في الحلقات الخمس الأولية منه من ربكة واضحة في السيناريو ولمْ تتوضحْ منظومة العلاقات المتداخلة بين المحاور والخطوط الدرامية وظهور الشخصيات واختفائها،قبل أنْ تأخذ تلك الشبكة من العلاقات طريقها داخل أعمال العنف وعمليات القتل المتبادلة وكثرة المشاهد الدموية حيث التفجيرات والتصفيات الجسدية لأسباب واهية،وأحياناً بدون ذكر الأسباب.
وحتى قصص الحب التي جسَّدتْها الخطوط الدرامية لكل من (زمن) (نور الخفاجي) و(أثير) (أثير كشكول)و(كوجي) (أساورعزت) و( سماره) ( سامر دشر) لمْ تقدّمْ إشارات أو بوادر أو ملامح أمل للخلاص مما هي فيه إذ سرعان ما غاصتْ في مستنقع الجريمة والعنف.
دراما الشوارع الخلفية 
لقد انساق مسلسل (الماروت) وراء تقديم (ديستوبيا) عراقية قوامها الجريمة والقتل والأسلحة الكاتمة وتجارة المخدرات والأعضاء البشرية،يقابلها غياب تام وكامل للأجهزة الأمنية المختصة بمكافحة الجريمة بانواعها،وعدم وجود أيّة جهات حكومية معنية بمتابعة ورصد تلك العوالم والأجواء وشخصياتها التي احترفتْ الجريمة بأنواعها.
وأوحى لي المسلسل وأنا أتابع أحداثه ومجرياته الدموية وكأني أمام مسلسل أميركي من أعمال العنف والجريمة و(الأكشن)..وقد استعار المسلسل في جانب منه أجواء عصابات المافيا الإيطالية والتصفيات الجسدية في ما بينها،وقد غابتْ ملامح البيئة الإجتماعية العراقية المعروفة بشكل عام رغم أنَّ المسلسل قد اختار الأزقة البغدادية القديمة بكل رثاثتها ووساختها والشوارع الخلفية المظلمة كبيئة مكانية درامية رئيسة،وأضافتْ الأجواء الشتوية الممطرة والباردة نوعاً من البرود العاطفي إزاء الشخصيات التي نراها على الشاشة رغم أنَّ المخرج قد نجح في رسم وتجسيد نماذج فنية درامية متميزة (كاركتر) مثل التي أدّاها باقتدار وتمكّن فني واضح كلٌّ من الفنانين (جواد الشكرجي ومقداد عبد الرضا ومحمود أبو العباس وجلال كامل وآسيا كمال) على وجه الخصوص, لكنها عموماً افتقدتْ لعنصر التعاطف معها  والإنحياز اليها رغم أنَّهم  ظهروا أمامنا بوصفهم ضحايا لظروفهم الشخصية وبيئتهم الإجتماعية.
هل يمكن إعتبار تقديم مسلسل (الماروت) كنموذج درامي بطابع إجتماعي للكشف عن تعرض المجتمع لإضطراب ما بعد الصدمة الذي يصيب عادة الأفراد والمجتمعات التي تخوض الحروب وتعاني من الأزمات المتتالية لتخرج منها وهي تعاني من من عدم الإستقرار وخلخلة في بنيتها العامة وغيرها من التبعات والظواهر السلبية،لا سيّما إذا أعدنا للذاكرة الجمعية سنوات الحكم الديكتاتوري السابق التي عانى منها المجتمع العراقي،ليدخل بعد العام 2003 في دوّامة الأزمات المتتالية وما رافقها من عدم الإستقرار السياسي.
والسؤال المطروح هنا:-هل هناك ضرورة درامية أو إجتماعية تقف وراء إنتاج هذا المسلسل من قبل لجنة دعم الدراما لتعرضه قناة العراقية وسط هذه الموجة الطاغية من أعمال العنف والجريمة  التي انتجتها القنوات التلفزيونية الأخرى؟ وأين الرد الدرامي النوعي الذي يفترض أنْ تقدَّمهُ شبكة الإعلام العراقي حاملاً معه رسالتهُ الوطنية والإجتماعية؟ وهل ستعلن لجنة دعم الدراما عن إفلاسها الفني بعد إنتاجها لهذا المسلسل؟.

المشـاهدات 7559   تاريخ الإضافـة 25/12/2023   رقم المحتوى 43634
أضف تقييـم