أضيف بواسـطة albayyna

محمـّد جواد سـُنبـَـه

الأَحداث العظيمة هي التي تَرسِمُ مَعالِمَ حركةِ التّاريخ، و هذه الأَحداث لا يصنَعها إِلاّ المُضَحون باخلاص، مِن أَجل تحرير مجتمعاتهم، من بَراثن الظلم و الاضطهاد و التعسُّف. و هكذا نذَرَ الشهيد السيّد محمّد محمّد صادق الصدر (قُدِّسَ سِرُّه)، نفسه ليكون مشروع تضحية و استشهاد، مِن أَجل رفع الظلم، عن جميع المستضعفين العراقيين، الذين كانوا مضطهدين، في زمن أَعتى دكتاتوريّة فرديّة، عرفها تاريخ العراق الحديث؛ لا بلّْ أَكثر من ذلك، فقد كان خطاب الشهيد الصدر الثاني، يدعو لرفع الظلم عن كلِّ مَظلومٍ في العالم. 
و صَرخَةُ الشهيد السيّد محمّد الصدر، بوجه نظام الجهل و التخلّف، كانت متمّمة لصَرخَةٍ سابقةٍ، أَطلقها الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر، و كأَنَّما الرعايَّة الربانيّة، شاءَت أَنْ تكون حلقات، مسيرة الشهيدين العظيمين، متكاملة الأَدوار باتجاه تحقيق هدفٍ واحد، هو تحرير الشَّعب العراقي، من نظام وحشي بغيضّ، لا يقيم وزناً لتقديسِ شَريعةٍ، أَو احترامِ كرامَةِ إِنسان.
و مِنْ خصائص الحركتين الاصلاحيتين، اللتين قام بهما الشهيد الصدر الاول و الشهيد الصدر الثاني، أَنَّهما متطابقتان بالأَهداف، لكنهما مختلفتان بالإِسلوب. و هذا الانسجام في الخَطّ الفكري، و التَّكتيك الثَّوري بينَ الحركتينِ، أَعطى زخماً جماهيراً عظيماً، لتأييد كِلا الحركتين، كلّ في زمن حضورها، بالرغم من وجود فاصلة زمنيّة، تناهزُ الأَربعينَ عاماً، تفصل بينَ حركة الشهيد الأَول و الشهيد الثاني؛ بَيّْدَ أَنَّ تطابق الأَهداف الفكريّة  و العقائديّة، و وحدة الجهاد السياسي، جعل المشروعين يتطابقان و يَظهران للوجود، و كأَنَّهما مشروع واحد و لشخص واحد أَيضاً.
و يُمكن اجمال خصائص، مشروع الشهيدَين الصَدرين (رضوان الله تعالى عليهما)، بالنقاط التالية:- 
1. الحركة الاصلاحية للشهيد الصدر الأول اعتمدت على، مخاطبة الجماهير بالرسائل الاعلاميّة غير المباشرة، عن طريق الكُتب و المحاضرات المُسجلة، على أَشرطة الكاسيت (صوت فقط). بينما الحركة الإِصلاحيّة للشهيد الصدر الثاني، اعتمدت على مخاطبة الجمهور بطريقة إِعلاميّة مباشرة، من خلال تجمعات الجمهور في صلاة الجُمعة، سواءً كان ذلك في مسجد الكوفة، أو  في صلوات الجُمعة، التي كان يقيمها وكلاء السيّد محمّد الصدر، في المحافظات العراقيّة المختلفة، إِضافة إِلى ذلك، كان يتُمّْ تسجيل وقائع صلاة الجمعة، على أَشرطة الفديو (صوت و صورة) و أَشرطة الكاسيت (صوت فقط)، كما أَنَّ الشهيد محمّد الصدر (رضوان الله تعالى عليه)، كان يحرص على إِصدار الكتب و المطبوعات، مختلفة المواضيع و متعدّدة الأَغراض. 
2.  الشهيد الصدر الأَول، كان خطابه موجهاً للدفاع عن عقيدة الاسلام، ضدَّ هجمة عقائدية و فكرية عالميّة، كانت تقودها العلمانيّة بفروعها، الرأْسماليّة و الشيوعيّة و القوميّة و البعثيّة. 
الشهيد الثاني كان خطابه موجهاً لجهتين:
الجهة الأُولى:- 
رفض الهيمنة الامريكيّة على العراق، حيث كان الشَّعب العراقي يرزخُ، تحت وطأَة الحصار الاقتصادي، الذي فرضته دول التحالف بقيادة أَمريكا، برفع شعار (كلا ... كلا ... أَمريكا).
الجهة الثانية:-
رفض سلطة حزب البعث الظالم، المهيّمنة على الشَّعب العراقي، حتّى أَنَّ الموقف تَوتر جداً، بين السيّد الشهيد محمّد الصدر، و بين سلطة البعث، عندما ارسلت المقبور عضو قيادة الحزب، محمّد حمزة الزبيدي، ليُبلّغ السيد الشهيد، بعدم إِقامَة صلاة الجُمعة، إِلاّ أَنَّ السيّد الشهيد رفض ذلك، و احتَدَمَ الخِلاف بين الطرفين، مما أَدى إِلى قيام السيّد الشهيد، بوضع العَصا التي كان يتوكأ عليها، في كتف المقبور محمّد حمزه الزبيدي، و دَفَعَهُ بقوة، و كان ذلك أَمام أنظار الناس، مما أَدى الى غضب محمّد حمزه، و ثارت ثائرته، باطلاق التهديد و الوعيد للسيّد، لكنَ السيّد الشهيد محمّد الصدر، لَمْ يأبه لكلامه و مضى في طريقه. 
3.    خطابُ السيّد الشهيد الصدر الأَول؛ جذبَ نخبة من المثقَّفين الشَباب، من طلاب المرحلتين الجامعيَّة و الاعداديَّة، و عدد من طلاب الحوزة المنفتحين، بطرح نظرية (الاسلام يقود الحياة)، فكان كفاح السيّد الصدر الأَول، كفاحاً آيديولوجياً مع القوى العلمانيّة النَّشطة، على الساحة الاجتماعية في العراق خاصّة، و العالم العربي عامّة.  
خطابُ السيّد الشهيد الصدر الثاني؛ كان ذا جماهيريَّة أَوسَع من جماهيريَّة الشهيد الصدر الأَول، لأَنه خاطب عامّة الناس بصورة مباشرة، عن طريق خطب صلاة الجمعة. حيث أَدركَ السيّد الشهيد محمّد الصدر (قدس سره)، أَنَّ موضوع التغيير يحتاج الى كتلة جماهيرية واسعة، يتم توجيهها مركزياً، لإِحداث عمليّة التغيير في المجتمع العراقي، عن طريق التوعية المركزيّة، بمبادئ الإِسلام و الحقّ و العدّل. لقد خاطب السيّد الصدر الثاني المقربين منه قائلاً: (جهزوا أَكفانكم ... لَمْ يَبْقَ لنا من الخيار سوى الشهادة)، لأَنَّه أَدرك أَنَّ دكتاتورية النِظام الصَدّامي، لا يمكن تغييرها إِلاّ بتضحية الدَّم و نيّل الشَّهادة. 
4.  الشهيد الصدر الأَول، عاصر فترة انهيار حُكم، (شاه ايران) العميل لأَمريكا، و الذي كان يُسمى(شرطي الخليج)، و نجاح ثورة الإِمام الخميني (رحمة الله تعالى عليه)، في 1 شباط 1979، الأَمّر الذي شَحنَ مشاعر الجماهير، بعنفوان الثّقة بالنَّصر، على  الأَنظمة الدّكتاتوريّة في المنطقة، بيّدَ أَنَّ النظام الصَدَّامي، بادر بحرب ايران، لاجهاض ثورة الإِمام الخميني و تحجيم دورها، قبلَ انتشارِ تأْثيرها في العراق و دول المنطقة.  
الشهيد  الصدر الثاني، عاصَرَ ذِروة فترة ظلم النظام الصَدّامي، كما عاش فترة تهوّر صدّام، و إِقدامه على احتلال الكويت، في 2 آب من عام 1990م، و عاش أَلم محنة الشَّعب العراقي، الّذي عانى من الحصار الاقتصادي، الذي فرضته الأُمم المتحدة (بتوجيهٍ من أَمريكا)، و ذلك بموجب القرار رقم  661 الذي صَدرَ في يوم 6 آب أغسطس 1990 م. كما عاش (قُدست نفسه الزكيّة)، الأَحداث المريرة للثورة الشَعبانيّة، التي انطلقت شرارتها من البصرة في 3 آذار 1991م، و التي كانت كردَّة فعل شعبيّة، ضدَّ تهور النظام الصدامي لاحتلاله للكويت، و النتائج الكارثيّة التي لحِقَت بالجيش العراقي، جرّاء ذلك التهوّر الصَدّامي الأَرعَن.  
5. السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر، تتلمذ على يد مرجعية كلاسيكية نمطيّة، و أَسَّسَ حركته السياسيّة المتمثلة (بحزب الدَّعوة الإِسلاميّة)، دون الخروج عن إِرادة تلك المرجعيّة، لذا عندما طلبت منه تلك المرجعيّة، تحريم الانتماء لحزب الدَّعوة استجاب لأَمرها، و هذا الموقف لا يَدلُّ على الضّعف و التردّد، و إِنّما يدلُّ على تقدير موقفٍ سليمٍ، لأَنَّ مرجعيّة السيّد الحكيم، كانت مُسيطرة على الساحة الإِسلاميّة الشِّيعيَّة، ليس في العراق و حسّب، و إِنَّما في عامّة العالم الاسلامي الشّيعي.
السيّد الشهيد محمّد محمّد صادق الصدر، تبنى منهج الفصل بين المرجعيّة الكلاسيكيّة الجامِدة و الضَّعيفة، و بين المرجعيّة النّاطقة الثوريّة القويّة، التي أَسَّسها و تمسكَ بوصفها (المرجعيّة الصَّامتة)، و قال كلمته الشهيرة : (مـن كـان يريـد الآخـرة و الجنـَّة، فليرتـدي كفنـه مثلــي، و مـن أَراد الـدُّنيا فليـتنعم بحريرهـا). 
و اليومُ عندما نعيشُ مرارةَ أَلمِ ذكرى استشهاد السيّد محمّد الصدر (قدس سره)، و نجليه رحمهم الله تعالى جميعاً، يجب علينا أَنْ لا نَعيشَ، حالة اليأْس كردَّة فعل لأَحداث تلك الفاجعة الأَليمة، و إِنَّما يجبُ علينا التفاعل الوجداني، مع أَلمِ هذه الذّكرى، و بالمقابل نَحملُ هِمَّةَ السيّد الشهيد محمّد الصدر، بمواصلة العمل الجهادي، لتحرير البلاد و العباد، من الاحتلال الامريكي البغيض، و تطهير البلاد من بؤَر الفَساد، التي نَمَتّْ نُمُوَّ الجراثيم، داخل الكيان الحكوميّ للدَّولَة العراقيَّة، الأَمر الّذي أَدّى، إِلى استنزاف ثَروات العراق الوطنيّة، و تحطيم البُنى التَّحتيّة للبلاد، و تدهور الحالة الاقتصاديّة، و الخدمات الاجتماعيّة في عموم العراق، و أَصبحَ العراق و شَعبه مُرتهناً بيَد المجهول. فسلامٌ مِنَ الله تعالى على كلِّ الشُهداء و العاقبَة للمتقين.       

المشـاهدات 618   تاريخ الإضافـة 13/05/2024 - 10:25   آخـر تحديـث 14/06/2024 - 22:52   رقم المحتوى 45605
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Albayyna-New.net 2016