الخميس 2019/1/24 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
الشاعر مصطفى جمال الدين في ذكرى رحيله .. الفقيه الذي كتب شعراً غزلياً رائقاً قد لانجده حتى لدى الشعراء الذين لا يرتدون العمامة
الشاعر مصطفى جمال الدين في ذكرى رحيله .. الفقيه الذي كتب شعراً غزلياً رائقاً قد لانجده حتى لدى الشعراء الذين لا يرتدون العمامة
ملف من الماضي
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :


رحيم الحلي
تمر هذه الايام ذكرى رحيل الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين رجل الدين المحب للمعرفة والمؤمن بالمحبة والتسامح ، الانسان الشجاع والملتزم بعقيدته دون ان يكفر الأخر ، رأيته في اوائل الثمانينات في صحن السيدة زينب بقامته العالية وطلته البهية وهو يتفقد العراقيين المهاجرين والمهجرين ، احببت فيه اعتداله الفكري وموقفه المناضل ضد الديكتاتورية الصدامية ، وتفرده في نهجه الفكري فقد احب وطنه واخلص في ولائه ولم يقبل ان يستنسخ تجارب الاخرين او ان يكون امتداداً لهم ، اعتز بعروبته وأمن برسالة رجل الدين كمصلح اجتماعي ومدافع عن المظلومين مبيناً منهجه الفكري الانساني البعيد عن التزمت والتعصب والتكفير 
فالديكتاتوية الصدامية وظلمها لابناء الشعب العراقي تحت عنوانين طائفية وقومية دفعته لأن يقف بوجهها وليس وقوفه بتحريض خارجي طمعاً بجاه او نفوذ ، او تعصباً مذهبياً او رغبة في فرض مشروع سياسي بدعم خارجي ، فقد كان شجاعاً يكره الظلم ولم يخش  بطش الديكتاتورية ، وكان ذا عقلٍ وقلبٍ كبيرين .
يتحدث السيد مصطفى جمال الدين عن طفولته :
في سن الثالثة عشرة وبعد سنتين من دراستي الدينية لبستُ العمامة طفولة معممة مبتعداً من نزعة اللعب و المرح والانطلاق هكذا يمكن وصف الحالة وخاصة انني كنت أصغر من يرتدي العمامة من بين اقراني في الحوزة ربما لهذا السبب ظلت طفولتي مؤجلة دائما، وراحت تعاودني في غير أوانها في الشباب والكهولة وحتى الشيخوخة تعاودني في صور شتى ، فتارة تعاودني بالنزعة للمرح ومداعبة الاهواء ، وطورا في نفحات الغزل التي قد تبدو غريبة عن رجل دين وقور .
اكمل السيد مصطفى جمال الدين دراستة الحوزوية وواصل دراساته ليحصل على شهادة الدكتوراه في رسالته ( البحث النحوي عند الاصوليين ) .
الدكتور السيد مصطفى جمال الدين هو الفقيه الذي قدم شعراً غزلياً رائقاً قد لانجده حتى لدى الشعراء الذين لا يلبسون العمامة ، ففي شعره الغزلي رسم صورة الحبيبة الجميلة وحاورها وحادثها ، واذا عدنا الى ديوان مصطفى جمال الدين سنجده قد اعطانا صورة للمرأة في المجتمع المتدين لم نعرفها مسبقاً ، وهي صورة الحوار وغير ذلك ، لم تمنعه العمامة على الاطلاق من ان يقول شعراً غزلاً .
فالدين ليس يربه ويسوسه                       شيخ بمحراب الدجى يتضرع
يتميز المناخ الثقافي وكذلك المحيط الاجتماعي لمدينة النجف بكونه حاضنة نموذجية للتعدد والتنوع فالنجف مدينة وافدين أكثر من كونها مدينة مقيمين وهو ما جعلها مختبراً واسعاً لاطياف واجناس انسانية متنوعة مما جعلها مركزاً ثقافياً مفتوحاً على أكثر من صعيد فقد ظلت النجف رغم طابعها الديني الاسلامي مركز جذب مهم للثقافة العربية في تحولاتها المختلفة ، كانت المجلات والمطبوعات المعاصرة التي تصدر في مصر وبلاد الشام تستهوي القراء من جيلنا وتمثل نكهة اخرى مختلفة عن اجواء الفقه والتفسير وعلم الكلام والحديث وسائر علوم الدين واللغة ، كما صدرت في النجف صحف ومجلات ليست على الشكل المتحفظ الذي يعيشه  مجتمعها كمجلة النجف التي صدرت في العشرينات .
مصطفى جمال الدين ظاهرة من الظواهر النجفية ، ففي النجف كان بعض رجال الدين لا يميلون الى الشعر ، وهو يقول ان الفقهاء الذين جاؤوا من ايران والمضروبين بالعجمة كانوا لا يميلون الى الشعر وعندهم موقف سلبي منه ، بينما تبهرنا موهبة الامام محمد سعيد الحبوبي الشعرية وان توقف الرجل فترك الشعر واخذ الفقه بينما كنت اتمنى ان يأخذ الشعر ويترك الفقه لانه شاعر ينتمي الى عصر الموشح الاندلسي فهو القائل:
جئنَ تيهاً لا يبالين الحرس       كل غيداء كمشبوب القبس
قال رائيها وقد فر الغلس         أعلى الابرق برقُ لمعا 
ام بدت سافرةً ذات الوشاح    ما أماطت عن محيا برقعا
في الدجى الا وخيط الصبح لاح
فالجواهري ترك العمامة وترك الفقه واتخذ الشعر اما مصطفى جمال الدين فقد جمع الاثنين فلهذا يقول هذه صحائف شاعر يقدس الشعر ويقدس الشرع أي انه لا يترك الشعر ولا يترك العمامة والواقع انه اوجد نوعا من التفاهم بين العمامة وبين الشعر، فكانت عمامته شاعرة وبقي الرجل فقيهاً وعالماً ومجدداً .
من جميل غزله:
سـيـدتـي مــاذا أرى                 عريش كـرم  أم مُقل
أم زورقـان سابحان                      في غدير من عســل
طـافـا بـنـا فـصـفـق                 الحب وعربدَ الغـزل
أم جمرتان تسرجان                   اللـيـل، والـبـدر أفـل
يمثل الدكتور مصطفى جمال الدين جيلاً مختلفاً عما عرفته الحوزة العلمية عبر تاريخها المديد لقد راح هذا الجيل تحت تاثير دعوات الاصلاح والتجديد التي قالها الشيخ محمد رضا المظفر ينادي بضرورة النظر الى الثقافة نظرة اخرى جديدة نظرة لا تقوم على اجترار تلك الاسس بالمناهج والتفكير المعتاد في مراحل الدراسة في الحوزة فثقافة رجل الدين لم تعد محدودة في نطاق الفقه والتفسير وعلم الكلام و العلوم اللغوية .
التجديد في مناهج الحوزة في النجف الاشرف كان  مهمة صعبة وشاقة في ذلك الوقت ولكنها في نفس الوقت كانت ضرورة ملحة ذلك ان كثير من المناهج الدراسية كانت مناهج قديمة وفيها الكثير من العجمة والاشياء المبهمة حيث تستغرق من طالب العلم سنين طويلة حتى يكمل دورة كاملة مثلاً في الاصول اوالفقه
يتحدث المفكر حسن العلوي عن جهود السيد مصطفى جمال الدين في التجديد :
كان احد رافعي لواء تجديد المناهج في الحوزة العلمية وطالب   بادخال اللغة الانكليزية ودراسة العلوم الطبيعية ونجح بالتضافر مع جهود الشيخ المظفر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد تقي الحكيم بتأسيس كلية الفقه في النجف وكلية اصول الدين في بغداد وبدأت هذه الكلية تمنهج الدراسات الدينية على غرار ماهو قائم في الازهر الشريف ، وطالب بدراسة جميع المذاهب الفقهية وكانت دعوة رائدة ، فمصطفى جمال الدين فقيه واكاديمي وشاعر .
كان متصالحا مع نفسه ومع الناس ومتسامحاً يحمل روحاً عصرية مجددة تمتد بجذورها الى حركة النهضة العربية  ، لم يكن مجرد رجل كهنوت معتكف ، فبنظره ان لباس الدين مسؤولية جسيمة وليس مجرد زياً تنكرياً لتحقيق مآرب شخصية وهو القائل:ـ
شددت ان ابقى حيث أنا شاعراً لا منتمياً اقف مع الجميع واختلف مع الجميع في حدودٍ تسمح لي بالأحتفاظ بما يمليه عليَّ وجداني الشعري من جهة والتزامي السياسي والفكري من جهة اخرى .
نشأت شاعراً عروبياً اؤمن بها ، ولدي تمييز هنا بين العروبة والقومية ، فالعروبة برأيي هي الاصل والقومية مفهوم وافد من الثقافة الاوربية لتغيير الخصائص الطبيعية لمفهوم العروبة  .
لا طائفيةَ تَرمي المسلمين بها يدُ تطاير من أظفارها الشررُ
ولاتطرفَ لقوميةٍ غرست تفريق فينا     فبئس الغرسُ والثمرُ

المشـاهدات 208   تاريخ الإضافـة 24/10/2018   رقم المحتوى 9142
أضف تقييـم