الإثنين 2018/10/22 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
الاحتباس الحراري جريمة تخفيها شركات النفط
الاحتباس الحراري جريمة تخفيها شركات النفط
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* بنيامين فرانتا

في عام 1961، عثر عالم الاقتصاد الأمريكي دانيال إلسبرغ - الذي عمل كمستشار للحكومة الأمريكية بشأن خطط الحرب النووية السرية - على وثائق خطيرة للغاية، حيث كانت تتضمن تقديرات رسمية لعدد القتلى في «الهجوم الوقائي الأول» المحتمل على الصين والاتحاد السوفيتي: ما يقرب من 300 مليون نسمة في تلك البلدان، و ضعف ذلك العدد في باقي أنحاء العالم.كان اٍلسبيرغ قلقًا من وجود مثل هذه الخطة. بعد سنوات، حاول تسريب معلومات عن الإبادة النووية. وعلى الرغم من فشل هذه المحاولة، إلا أن إلسبيرغ اشتهر فيما بعد بتسريب أوراق البنتاغون - التاريخ السري للحكومة الأمريكية لتدخلها العسكري في فيتنام.

يعكس التخطيط العسكري الأمريكي غير الأخلاقي أثناء الحرب الباردة غطرسة مجموعة من الشخصيات التي تتلاعب بمصير الإنسانية. في الآونة الأخيرة، تم الكشف عن وثائق سرية تتحدث بتفصيل عما تعرفه صناعة الطاقة من روابط بين منتجاتها والاحترار العالمي. لكن على عكس الخطط النووية للحكومة، فإن ما تم تفصيله من قبل هذه الصناعة قد دخل حيز التنفيذ.وفي الثمانينيات، أجرت شركات نفطية مثل شركة إكسون وشركة شل العالمية تقييمات داخلية لثاني أكسيد الكربون المنبعث من  الوقود الأحفوري، وتنبأت بالعواقب الكوكبية لهذه الانبعاثات. وفي عام 1982، على سبيل المثال، توقعت شركة اٍكسون أنه بحلول عام 2090 تقريبا، ستتضاعف مستويات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالثمانينات. من شأن ذلك أن يرفع متوسط درجات حرارة كوكب الأرض بنحو 3 درجات مئوية، وفقا لأفضل العلوم في تلك الحقبة.أدركت شركات النفط أن منتجاتها قد ساهمت في إضافة ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي وأن هذا سيؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة، وحسبت العواقب المحتملة. رغم ذلك، اختارت قبول تلك المخاطر نيابة عنا، على حسابنا، وبدون علمنا. في وقت لاحق من ذلك العقد، في عام 1988، توقع تقرير داخلي أعدته شركة شل تأثيرات مشابهة، كما وجد أيضًا أن ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يتضاعف بحلول عام 2030. بشكل خاص، لم تختلف هذه الشركات حول الروابط بين منتجاتها، والاحترار العالمي، والكارثة البيئية. على العكس من ذلك، فقد أكد بحثها تلك الروابط.ووفقا لتقييم صادر عن شركة شل، سيعرف مستوى سطح البحر ارتفاعا بمقدار 60 إلى 70 سم، ويمكن لارتفاع درجة حرارة الأرض أن يساهم في تفكك طبقة الجليد في القطب الجنوبي الغربي، مما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع مستوى سطح البحر في جميع أنحاء العالم «من خمسة إلى ستة أمتار». وذلك سيكون كافياً لإغراق البلدان المنخفضة بكاملها.كما حذر محللو شركة شال من «اختفاء أنظمة بيئية محددة أو تدمير المواطن البيئية»، مع توقع زيادة في سرعة «الجريان السطحي للمياه والفيضانات المدمرة وغمر الأراضي الزراعية المنخفضة»، وأشاروا إلى أن «هناك حاجة ماسة لمصادر جديدة للمياه العذبة» للتعويض عن نقص في هطول الأمطار. كما أن التغيرات العالمية في درجة حرارة الهواء من شأنها أن «تغير بشكل جذري الطريقة التي يعيش ويعمل بها الناس». وخلصت شركة شل إلى أن «هذه التغييرات قد تكون الأكبر في التاريخ البشري».من جانبها، حذرت شركة إكسون من «الأحداث الكارثية المحتملة التي يجب أخذها بعين الاعتبار». كما توقع  خبراء شركة إكسون حدوث ارتفاع مدمر على مستوى سطح البحر، وحذروا من أن الغرب الأوسط الأمريكي وأجزاء أخرى من العالم قد تصبح شبيهة بالصحراء. ومن وجهة نظر ايجابية، أكدت الشركة أن «هذه المشكلة ليست ذات أهمية بالنسبة للبشرية كالمحرقة النووية أو المجاعة العالمية».تهدف هذه الوثائق إلى إثارة قلق القارئ. لكن تأثيرها مقزز.نظرا إلى رفض عمالقة النفط تحذير الناس من الأضرار التي تنبأ بها باحثوهم. تم الكشف لأول مرة عن تقرير شل، والذي كان يعتبر سريا للغاية، من قبل منظمة إخبارية هولندية في وقت سابق من هذا العام. كما لم تكن دراسة شركة اٍكسون مهتمة للتوزيع الخارجي: فقد تم تسريبها في عام 2015.لم تتحمل هذه الشركات المسؤولية عن منتجاتها. فقد أشارت دراسة شركة شال إلى أن «العبء الرئيسي» للتصدي لتغير المناخ لا يقع على عاتق صناعة الطاقة، بل على الحكومات والمستهلكين. كان من الممكن أن تكون هذه الحجة منطقية قبل أن يقوم المسؤولون التنفيذيون عن النفط، بما في ذلك التنفيذيون من شركتي إكسون وشل، بنشر الأكاذيب حول تغير المناخ ومنع الحكومات بشكل فعال من تنفيذ سياسات الطاقة النظيفة. في حين أن معظم الناس في الثمانينات لم يكونوا على دراية بتفاصيل الاحترار العالمي، إلا أن الشركات التي ساهمت أكثر من غيرها كانت من بين القلائل التي كانت لديها فكرة أفضل. وبالرغم من الشكوك العلمية، كانت النتيجة كالتالي: أدركت شركات النفط أن منتجاتها قد ساهمت في إضافة ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وأن هذا سيؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة، وحسبت العواقب المحتملة. رغم ذلك، اختارت قبول تلك المخاطر نيابة عنا، على حسابنا، وبدون علمنا.كانت خطط الحرب النووية الكارثية التي رآها إلسبيرغ في الستينيات بمثابة سيف ديموقليس الذي لم يسقط أبدا لحسن الحظ. لكن التنبؤات السرية لتغير المناخ الصادرة عن صناعة النفط أصبحت حقيقة، وليست مجرد صدفة. لقد قادنا منتجو الوقود الأحفوري عمداً نحو المستقبل القاتم الذي يخشونه من خلال الترويج لمنتجاتهم، والكذب بشأن الآثار الناجمة عنها، والدفاع بقوة عن حصتهم في سوق الطاقة.مع ارتفاع درجات الحرارة في العالم، يتم تغيير لبنات البناء في كوكبنا - الصفائح الجليدية، والغابات، والتيارات الجوية والمحيطية - بشكل غير قابل للإصلاح. من له الحق في توقع مثل هذا الضرر ثم اختيار تحقيق هذا التنبؤ؟ على الرغم من أن مخططي الحرب وشركات الوقود الأحفوري كانت لديهم الغطرسة  لتحديد مستوى الدمار المناسب للبشرية، فإن شركات النفط الكبرى فقط كانت لديها الجرأة للمضي قدمًا في خطتها. هذا، بالطبع، أكثر من اللازم.وتُلزم اتفاقية باريس التي أُبرمت في عام 2015 على هامش القمة الحادية والعشرين للمناخ، جميعَ الدول الموقعة عليها، والبالغ إجمالي عددها 195 دولة، بمحاربة الأسباب المؤدية إلى تغيُّر المناخ، وخفض درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض بمقدار درجة ونصف إلى درجتين مئويتين، للوصول بدرجة الحرارة إلى مستويات ما قبل الثورة الصناعية، فيما تقول الدراسة إنّه في حال عدم الوصول بدرجات الحرارة إلى مستويات ما قبل الصناعة، فإن الفيضانات الناتجة عن ارتفاع مستوى سطح البحر يمكن أن تكلف البشرية 14 تريليون دولار سنويًّا بحلول عام 2100.تجرى دراسة توقعات ارتفاعات مستوى سطح البحر لسيناريوهات الانبعاثات والسيناريوهات الاجتماعية-الاقتصادية، فاستكشف فريق الدراسة وتيرة ارتفاع مستوى سطح البحر وعواقبه على المستويين العالمي والإقليمي مع الاحترار المحدود البالغ 1.5 درجة مئوية ودرجتين مئويتين، وقارنها بالتوقعات بمستوى سطح البحر مع الاحترار غير المقيد.فاعتمدت الدراسة على استكشاف العواقب المحتملة لارتفاع مستوى سطح البحر بالتزامن مع حدوث ظاهرة الاحترار العالمي»، من خلال وضع سيناريوهين، يقوم الأول على افتراض تراجُع حدة الارتفاع في درجات الحرارة بمقدار 1.5 إلى درجتين مئويتين، وفي هذه الحالة يتوقع أن يقل تأثير الفيضانات مع انخفاض الحرارة والحفاظ على الأودية والصفائح الجليدية، بخلاف السيناريو الآخر الذي يسلِّم باستمرار الوضع الراهن وتَزايُد حدة الارتفاع في درجات الحرارة ومستوى سطح البحر وبالتالي زيادة الخسائر الاقتصادية.وفي حال حدوث السيناريو الأول فإن بحلول عام 2100، فإنه يتوقع أن يرتفع متوسط مستوى سطح البحر بمقدار 52 سنتيمترًا، بتكلفة تقدر بـ14 تريليون دولار سنويًّا بحلول عام 2100، أما في حالة عدم الالتزام بتحقيق الهدف العالمي بخفض الارتفاع في درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين، فإن مستوى سطح البحر قد يرتفع بمقدار 1.88 متر؛ وفقًا لما تطرحه الدّراسة.وفي حين تشير الدراسة إلى أن البلدان الأعلى دخلًا والأكثر تسبُّبًا في حدوث الاحتباس الحراري العالمي هي الأقل تأثُّرًا بالخسائر بفضل جودة بنيتها التحتية وإجراءات الحماية البيئية، فإن البلدان ذات الدخل فوق المتوسط مثل الصين ستتحمل الجزء الأكبر من فاتورة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الفيضانات.واستندت الدراسة في تصنيفها للدول وفق مستويات الدخل إلى بيانات البنك الدولي، إذ صنفتها إلى بلدان مرتفعة الدخل، وبلدان أخرى ذات دخل فوق المتوسط، وبلدان ذات دخل متوسط، وأخرى ذات دخل منخفض.ووفقًا للدراسة فإن 7 بلدان عربية تقع ضمن مجموعة البلدان العشرين الأكثر تضررًا من الفيضانات المحتملة عام 2100. وتضم هذه البلدان مصر، والبحرين، والكويت، والإمارات العربية المتحدة، والمغرب، وموريتانيا، والعراق. وتُعَد الصين واليابان وفيتنام وسنغافورة وبنجلاديش وتايوان من الأكثر الدول التي يُحتمل تعرضها لفيضانات مدمرة بحلول عام 2100، كما تضم القائمة إيطاليا، والبرتغال، والدنمارك، ولاتفيا، وبنين، وكندا.

* باحث بجامعة ستانفورد
 

المشـاهدات 264   تاريخ الإضافـة 18/09/2018   رقم المحتوى 7668
أضف تقييـم