الإثنين 2018/12/10 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
تجليات البوح في مجموعة (ديون أفراحي) لبتول الشبيب
تجليات البوح في مجموعة (ديون أفراحي) لبتول الشبيب
- ثقافية
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

قراءة / عباس لطيف

كتب أحد النقاد في مقدمة رواية (الحياة هي في مكان آخر) للروائي التشيكي ميلان كونديرا (إن الشعر هو آخر ملجأ رباني) ولعل هذه الجملة المشفرة تعكس الجوهر الإنساني والعرفاني والوجودي المؤطر بالبوح السراني للشعر بوصفه تعبيراً حقيقياً عن أدق المكنونات وإستشرافاً لأسمى النبوءات، وكلما كان الشعر عذباً وصادقاً فانه يشكو لنفسه تجليات تعكس روح المغامرة واستنباط العوالم العصية على الرصد العابر..

في مجموعة (ديون افراحي) للشاعرة بتول الشبيب نتلمس منذ الومضات الاولى للقصائد قدرة الشاعرة على البوح بما هو عميق ومحلق, والمؤطر بالتجليات الرومانسية الشفيفة وترتكز التجربة على المشاكسة وبناء المفارقة داخل الفضاء الشعري وتوظيف تقنيات الإستعارة الاستبدالية بين الحواس في المازج والاحالات بين المسموع والمرئي والمتجسد والتجريدي والمتخيل والواقعي في استخدامات شعرية ولغوية تتخذ من اللغة حاضنة لتأسيس رؤية وجودية للاحداث والانفعالات والشخوص وفق تركيز على تعميق روح المفارقة تقول في قصيدة (منتصف النبض): 
فالبقاء محض خرافة 
في قارورة وجد 
سأضع لذة النكران 
وبضع قطرات من حلاوة طفولتي 
وبعض همسي 
أتعطر بها كي لا يلسعني الخوف 
وفي قصيدة (ديون افراحي) 
حيرى أنا 
تزاحمني الغيمات 
وأجنحتي 
أثقلها المطر 
فتسقطني 
كرصاصة على ارض عقيمة 
ويكذب حلمي 
خلف قضبان الوسادة 
وتتجلى براعة الشاعرة في استثمار وتفجير الطاقة التعبيرية للحظات استثنائية وزمناً وروحاً ودلالة، وتتماسك روح التحليق بالكم اللفظي باتجاه تشكيل الصورة والإيحاء والتقاط اللحظات الهاربة والعابرة لحساسية وجودها ونقائها. إنها قصائد تشتغل وتسعى عبر جماليات التوظيف التعبيري على أسلبة الصورة وأسطرة اللحظة الشعرية, هذه الجزئيات يتشكل منها فضاء شعرياً يحفل بالإيحاء ويرتكز على التكثيف والايجاز لتفعيل طاقة التلقي وتوسيع دائرة او مساحة التأويل ونجد عناية فائقة في إنتقاء العنوان لكل قصيدة.. العنوان يمثل في هذا الديوان مرتكزاً تعبيرياً إستهلالياً او كما يسميه جاك دريدا (ثريا النص) او العتبة الاولى والمفتاح التأويلي, ويمكن تأويل ودراسة السياق او النسبة التعبيرية والتشفيرية لعناوين مثل: ( في ذمة القلب, تمام الشوق, فصاحة طيفي, تكاليف العشق, نادل المستحيل, ايقونة العشق, ممحاة اليقين, بقايا بعضك, سحر شهقة, سحابة فكر, حجرات حلمي, ضفاف الجرح...).
ولعل الشاعرة تضع لنا أكثر من فخ في مجمل قصائدها يوهمنا بنسبة تعكس روح السهل الممتنع ولكننا ما أن نتوغل في اعماق وعوالم النسق الشعري حتى تتبدى لنا ومضات وإشارات تنبئ عن ترحيل لمعان بعيدة ومؤثرة وبما يتيح طاقة كبيرة على التأويل والترميز والإيحاء وهذه الحساسية تجعل القصائد بعيدة كل البعد عن الإداء التقليدي للغة ومجاوزة ما هو تقريري وايقوني: 
ذات ليلة 
مرض حزني 
خاف ان يكون آخر عهده 
فيقضى نحبه 
على عجل 
ايقظ بناته 
الخيبة والحسرة والحيرة 
اوصاهن بي خيراً 
قال لهن: 
برنّها 
صلنّها 
لاتقطعن رحمي بها 
×××
آن للامنيات السبايا 
في سوق إنتظاري 
ان تعتق رقابها 
فقد تأخر الفجر 
وما من آذان لصلاة اللقاء 
ونجد في الديوان تجريباً على مستوى الفكرة والتوظيف والبنية وصياغة مقطوعات متتزلة تقترب كثيراً من الهايكو (الفن الشعري الياباني) والذي يقوم على الإختزال والمفارقة والومضة الشعرية وتعميق الحس الدرامي للحظة الشعرية. 
تمثل مجموعة الشاعرة بتول شبيب تجربة تقترب من المغامرة الشعرية على مستوى توظيف المفردة والصورة والمفارقة والشعرية المحلقة وقدرة الإختزال على تقديم مشهوية اوسع من حدود اللغة واستطاعت الشاعرة ان تضئ مساحات خفية ولحظات استثنائية ومشاهد شعرية ليس من السهل الامساك بها, وتقصي عوالمي وبما يقترب من تجسيد المسكوت عنه وتصوير الظلال البعيدة لإستحضار فكرة او احساس او دلالة مكتظة بالمعنى والانفعال والالم.. ومجمل القول ان قصائد المجموعة هي تمرين إنساني في الالم النبيل.

المشـاهدات 140   تاريخ الإضافـة 10/10/2018   رقم المحتوى 8471
أضف تقييـم